وداعًا حياة الفهد.. ستة عقود صنعت ذاكرة الدراما الخليجية
حصريٌّ لـ«الصحوة» – رحلت اليوم الفنانة الكويتية القديرة حياة الفهد، لتُسدل برحيلها ستار ستة عقود من العطاء الفني المتواصل، وتغيب قامة استثنائية صنعت ملامح الدراما الخليجية، وأسهمت في ترسيخ حضورها في وجدان المشاهد العربي. وبرحيلها، لا يودّع الوسط الفني اسمًا عابرًا، بل يودّع ذاكرة كاملة، ومرحلةً زاخرةً بالإبداع والصدق والتأثير.
منذ بداياتها الأولى في ستينيات القرن الماضي، شقّت حياة الفهد طريقها بثبات، مستندة إلى تجربة إنسانية قاسية شكّلت ملامح شخصيتها وأداءها، لتقدّم أعمالًا لم تكن مجرد سرد درامي، بل مرآةً صادقةً للمجتمع الخليجي وتحولاته. وقد نجحت، عبر حضورها اللافت، في أن تكون صوتًا للناس، تعبّر عن قضاياهم، وتمنح شخصياتها عمقًا إنسانيًا جعلها أقرب إلى الواقع من التمثيل.
تميّزت الراحلة بقدرة استثنائية على التنقل بين الأدوار، فكانت في الكوميديا قريبةً من القلب، وفي التراجيديا عميقة التأثير، وفي الأعمال الاجتماعية صوتًا حقيقيًا يحمل هموم الناس وتفاصيل حياتهم اليومية. ولم تكتفِ بالتمثيل، بل امتدت تجربتها إلى الكتابة والتأليف، حيث وضعت بصمتها في عدد من الأعمال، مؤكدة حضورها كفنانة شاملة تجمع بين الأداء والفكر.
وبرحيلها، خيّم الحزن على الوسط الفني في الخليج، حيث عبّر فنانون ومثقفون عن حزنهم لفقدان واحدة من أبرز القامات التي أسهمت في بناء هوية الدراما الخليجية. واستحضرت كلماتهم إرثها الطويل، مشيدين بإنسانيتها قبل فنها، وبحضورها الذي لم يكن يُختزل في دور أو عمل، بل في مسيرة كاملة ألهمت أجيالًا من الفنانين. وأجمع كثيرون على أن غيابها يترك فراغًا كبيرًا، يصعب ملؤه، في مشهد فني فقد أحد أعمدته الراسخة.
ولم يكن تأثير حياة الفهد محصورًا في الشاشة، بل تجاوزها إلى الوجدان الجمعي، حيث ارتبطت أعمالها بذكريات أجيال، وصارت شخصياتها جزءًا من الحياة اليومية للمشاهد الخليجي. لقد استطاعت أن تصنع لنفسها مكانةً خاصة، تقوم على الصدق والبساطة والالتصاق بالناس، وهو ما جعل إرثها حيًا، يتجدد مع كل مشاهدة، ويستمر رغم الغياب.
إن رحيل حياة الفهد هو وداع لزمنٍ من الفن الأصيل، ولصوتٍ ظلّ حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع الخليجي، لكنه في الوقت ذاته بداية لخلودٍ فني لا يزول، حيث ستبقى أعمالها شاهدًا على مسيرة حافلة، وعلى تجربة إنسانية وفنية نادرة.
رحم الله حياة الفهد، وأسكنها فسيح جناته، وألهم محبيها والأسرة الفنية الخليجية الصبر والسلوان.


