قيم اسلامية: تحرير العقل
مقال الإثنين: 17 / 8 / 2026 بقلم : د. هاشم غرايبه
بعكس ما يشيعه معادو منهج الله من أن الدين يحجر على العقل ويقيده، فالإسلام يحترم العقل، ويتجلى ذلك بعقيدة التوحيد التي تعني تحريره من الإنقياد للسلطة الأقوى أو الجهة المتنفذة، أو خضوعه لإتباع من يملك النفوذ أو الثروة الطائله.
الفارق الأهم أن المناهج الأخرى تقيد العقل الجمعي بالخضوع لرأي الأغلبية، ولو كان خاطئا، وتجرّم من يخرج على ذلك، وتعاقبه بمقتضى قانون وضعته تلك الأغلبية لضمان دوام استبدادها برأيها.
الإسلام يدعو الى التفكر الفردي، للوصول الى القناعة بغض النظر عن الفكرة السائدة التي تعتنقها الأغلبية، ولا يقبل قمع التفكير إلا بتقديم الحجة والدليل: ” قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” [البقرة:111].
العقل بالمفهوم العام يميل الى اتباع السلف ويقدس أفكار الآباء والأجداد، كما يميل الى تقديس الرأي الجماهيري السائد، ولا يتقبل مناقشة ذلك، لكن الاسلام يرفض هذه المفاهيم، ويدعو الى إعمال العقل فيها ونقدها وتبين الصحيح منها والخاطئ: “أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ” [البقرة:170]، ولبيان أن رأي الأغلبية قد لا يكون هو الرأي الأصح يقول تعالى: “وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” [الدخان:39]، وذلك لأن من يحدد ذلك الرأي هم أصلا الأقلية المترفة المتسيدة، ويكون بما يحقق مصالحها، وتفرضه على المجتمع بالاعتماد على كون أغلب الجماهير هي من الرعاع الذين يسلمون للقوي والمتنفذ، ومن لا يسلم ويتبع املاءاتهم، يخضعونه بالإغراء أو بالتهديد، وهكذا يكتسب مفهومهم الذي فرضوه قوة مصدرها أن الأغلبية تعتنقه، ولهذا وجدنا الليبرالية الغربية تقدس الأغلبية، وتعتبر القرار الصادر بموجبها قطعيا محصنا من الطعن.
الشك هو أهم أداة عقلية، فلا يمكن أن يبدأ التفكر في فكرة إلا إن كان هنالك شك في صحتها أو في وجودها، لذلك فالإسلام يدعو الى التفكر، وقد خصص الله تعالى ثلث القرآن للمحاججة العقلية لاستفزاز العقل البشري للتفكر في آياته، وبما أنه لا يمكن التفكر في أمر إن كان هذا الأمر مقطوع بصحته، فالإسلام يجيز الشك لأنه هو البداية لأجل الوصول الى اليقين، بدليل ما جاء في بيان تفكر ابراهيم بالتفصيل في بحثه عن الإله الى أن وصل الى اليقين بأن الإله هو الله تعالى.
وهنا الاختلاف مع الفلسفة الغربية التي تعتمد الشك أيضا كأهم أداة عقلية بحثية، لكن الفارق فيها أن الشك عدمي، يبدأ بالشك وينتهي به، ولذلك يبنون معتقدهم الإلحادي على الشك بوجود الله، ويجعلونه عقيدة بناء على الشك فقط وليس بناء على الدليل، مع أن الشك لا يصلح لأن يبنى عليه.
وهنا نلاحظ كيف أنهم يحجرون على العقل تطوير الشك للوصول الى اليقين، والذي يتحقق بعد إخضاع الرأيين معا: الإيمان والالحاد للمحاكمة العقلية، باستخدام الأدوات المنطقية الأخرى، حيث أن التناقض في الفلسفة الغربية أنها تطالب من وصلوا الى اليقين بوجود الله بتقديم دليل مادي، فيما لا تقدم أي دليل على عدم وجوده، غير الشك.
وهم يعلمون أن الله تعالى شاء أن يكون خفيا عن المدركات الحسية البشرية، لأجل ابتلاء البشر: أيهم يؤمن وأيهم يكفر، فلو كان تعالى مرئيا فالكل سيؤمن، ومن سيجرؤ على معصيته؟، وكيف سينفرز الصالحون من الطالحين؟.
ويبلغ التحيز عندهم ذروته عندما لا يتقبلون الإيمان بالله بدلالة أفعاله وقدراته الظاهرة في كل مخلوق، لكنهم يتقبلون الإيمان بظواهر الطبيعة من آثارها وبلا حاجة لرؤيتها عيانا، كالجاذبية والطاقة الكهربائية والثقب الأسود..الخ.
الإسلام يحرر العقل من العبودية للذات والأهواء والشهوات الحيوانية، ويدعو الى أن يكون المؤمن قواما بالحق والعدل: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِين” [النساء:135]، في حين لا جد في المناه البشرية الأخرى أي تدخل تربوي أو توجيه مجتمعي في هذا الاتجاه، حيث أنها تقدس حرية الفرد في التصرف والسلوك بما يحقق مصلحته، ولا يتدخل في تقويم الأفراد إلا بالعقوبة عند شكوى الطرف الآخر من ضرر أصابه.
مما سبق يتبين كم يتفوق الإسلام على المناهج الأخرى في احترام العقل وتحريره من التبعية للذات وللغير.
هذا المحتوى قيم اسلامية: تحرير العقل ظهر أولاً في سواليف.




