هذه نقطة لا ينبغي أن تختلط علينا.
منى الغين
فأن تصبح مؤلفات شخص ما جزءاً من الثقافة العامة، شيء، وأن نتجاوز حقوقه وحقوق أسرته، شيء آخر تماماً.
والوفاء للكاتب لا يكون بذكر اسمه في مناسبة ثقافية ثم نغادر.
الوفاء الحقيقي يظهر في التفاصيل.
أن نحفظ كتبه، وأن نعيد تقديمها للجيل الجديد، وأن نذكر جهده، وأن نحفظ لأسرته حقوقها.
فإذا كنا نطالب الناس باحترام الثقافة والمثقفين، فمن الطبيعي أن يبدأ هذا الاحترام من أصحاب الثقافة أنفسهم، ومن أسرهم بعد رحيلهم.
ولذلك فإن مسؤولية وزارة الثقافة، والجامعات والمؤسسات الأكاديمية، والاتحادات والهيئات الثقافية، لا تتوقف عند الاحتفاء بإرث د. عبدالله الرشيد أو إعادة نشر أعماله.
هناك أيضاً مسؤولية في أن تكون إعادة النشر والتداول والاستثمار الثقافي لمؤلفاته واضحة ومنظمة، وأن تحفظ حقوق ورثته وفق القانون.
وليس في ذلك ما يعطل المعرفة.
على العكس، حين تكون الحقوق واضحة، تصبح العلاقة بين المؤسسات الثقافية وأصحاب الحقوق أكثر عدلاً واطمئناناً.
والحكاية هنا ليست حكاية مال فقط.
هناك جانب إنساني لا يجوز أن نغفله.
الرجل الذي قضى عمره يجمع ذاكرة الآخرين، ترك أبناءً لهم أيضاً حق في أن يروا إرث أبيهم محفوظاً ومحترماً.
ومن الصعب أن نتحدث طويلاً عن الوفاء للذاكرة، ثم ننسى أصحاب هذه الذاكرة ومن تركوها لنا.
د. عبدالله الرشيد واحد من أولئك الذين عملوا قبل أن تصبح عبارة «السردية الأردنية» عنواناً شائعاً.
كان يكتبها بطريقة أخرى.
يكتبها من الحارة، ومن البيت، ومن الكتّاب، ومن السوق، ومن حديث الناس.
كان يجمع الحكاية من أفواه أصحابها، ويضعها على الورق حتى لا تذهب مع الريح.
وهذا، في رأيي، هو جوهر الحكاية كلها.
أن هناك رجالاً ونساءً اشتغلوا على الذاكرة من دون ضجيج، ولم ينتظروا أن يصفق لهم أحد.
واليوم، ونحن نكثر من الكلام عن الهوية والسردية والذاكرة الوطنية، من حق هؤلاء أن نستعيد أسماءهم، وأن نعطيهم المكان الذي يستحقونه.
د.عبدالله الرشيد ليس مجرد اسم في قائمة الباحثين.
هو واحد من الذين تركوا لنا مفاتيح لقراءة الأردن الذي كان.
والأردن الذي كان ليس شيئاً انتهى.
هو جزء من الأردن الذي نعيش فيه اليوم.
ولهذا فإن حماية مؤلفاته، وحفظ حقوق ورثته، ليست مسألة منفصلة عن الحديث عن الذاكرة الوطنية. هي جزء منها.
فالذاكرة التي نطلب من الناس أن يحافظوا عليها، يجب أن نعرف كيف نحافظ على أصحابها أيضاً.
وربما هذا هو المعنى الأصدق للوفاء.
أن لا نتذكر الرجل حين نحتاج إلى كتابه فقط، ثم ننسى اسمه وأسرته وحقوقه.
أن نقول: هذا جهد إنسان عاش بيننا، وأعطى من عمره لهذا البلد، ومن حقه أن يبقى اسمه حاضراً، ومن حق ورثته أن تُحترم حقوقهم.
في النهاية، السردية الأردنية ليست كلمة جديدة نضعها فوق كتب قديمة.
هي حكايات كثيرة، كتبها أناس كثيرون، بعضهم معروف وبعضهم لم يأخذ حقه من الإنصاف والعدل والشهرة.
والدكتور عبدالله الرشيد واحد من حراس تلك الحكاية.
كتب ما استطاع، وجمع ما كان يخشى عليه من الضياع، وترك للأجيال مادة تعينها على معرفة المكان والناس والزمن.
ومن الوفاء له اليوم أن تبقى كتبه حاضرة، وأن يعرف الجيل الجديد من هو، وأن تصان حقوق أبنائه وورثته.
فالذي حفظ ذاكرة الناس يستحق أن تحفظ ذاكرته.
والسردية الوطنية، في نهاية المطاف، لا تكتمل بكثرة ما نروي عنها، وإنما بصدقنا مع الذين صنعوها.
رحم الله الدكتور عبدالله الرشيد، أحد حراس الذاكرة الأردنية، ورحم كل من حمل حكاية هذا البلد ووضعها بين أيدينا، حتى لا ننسى من أين جئنا ونحن نمضي إلى الأمام.
هذا المحتوى هذه نقطة لا ينبغي أن تختلط علينا. ظهر أولاً في سواليف.




