🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
402647 مقال 248 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 3446 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

حين تصبح الحقيقة هدفًا: إسرائيل وحرب إسكات الموثّقين

سواليف
2026/05/22 - 00:00 506 مشاهدة

#سواليف

لم تعد الحملة الإسرائيلية ضد المؤسسات الحقوقية المستقلة مجرد رد فعل إعلامي عابر على تقرير أو شهادة أو تحقيق صحفي، بل تحولت إلى سياسة متكاملة تستهدف كل من يقترب من الحقيقة ويوثق الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين، لا سيما في قطاع غزة وداخل مراكز الاحتجاز والسجون الإسرائيلية. وما يتعرض له المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان اليوم، وما أتعرض له شخصيًا، لا يمكن فصله عن هذا السياق الأوسع؛ سياق الحرب المنظمة على التوثيق، وعلى كل جهد مهني مستقل يحاول نقل الحقيقة إلى العالم.

التهرب بضرب مصداقية الموثق

إسرائيل تدرك جيدًا أن التقارير الحقوقية المستقلة لم تعد مجرد بيانات إعلامية عابرة، بل أصبحت جزءًا من بنية الوعي الدولي والمساءلة القانونية، ومصدرًا أساسيًا للصحافة والآليات الأممية والهيئات القضائية الدولية. لذلك لا تكتفي بمحاولة إنكار الوقائع، بل تستهدف الجهة التي توثقها؛ لأن ضرب مصداقية الموثّق، في الحساب الإسرائيلي، هو الطريق الأسرع للتهرب من مواجهة الجريمة نفسها، وإعادة تقديم إسرائيل كضحية لحملة مزعومة بدل التعامل معها كدولة متورطة بانتهاكات خطيرة ومطالبة بفتح سجلاتها ومراكز احتجازها للتحقيق المستقل.

وقد استهدفت إسرائيل، في إطار نقل المعركة من الجريمة إلى من يكشفها، مؤسسات حقوقية وإنسانية فلسطينية ودولية، وآليات أممية، وضيّقت على عملها، ورفضت تجديد تسجيل عشرات المنظمات الدولية لعدم رضوخها لشروطها غير القانونية. كما حرّضت على الصحفيين وقتلت العشرات منهم في غزة، وهددت آخرين، واتبعت النهج ذاته ضد المدافعين عن حقوق الإنسان. كل ذلك عبارة عن سياسة ممنهجة هدفها رفع كلفة التوثيق، وترهيب كل من يكشف الوقائع أو ينقلها أو يطالب بالتحقيق فيها.

    قدّمت إسرائيل نفسها دوليًا بوصفها الضحيةَ الحصرية لعنف غير مسبوق، واستخدمت هذا الموقع الأخلاقي لتبرير سياساتها ونهجها الإبادي. فظهور شهادات جدية ومتعددة عن اغتصاب وتعذيب جنسي داخل مراكز احتجازها لا يهدد صورتها فحسب، بل يعيد توجيه الأسئلة نحو ما ترتكبه هي داخل منظومة تسيطر عليها بالكامل   

هذه الحملة ليست جديدة بالنسبة لنا؛ فقد تعرّض المرصد الأورومتوسطي، وتعرّضتُ شخصيًا، لمحاولات تشويه متكررة من جهات ولوبيات مرتبطة بإسرائيل، سعت إلى النيل من مصداقيتنا بسبب عملنا الحقوقي. وفي أكثر من حالة، اضطررت إلى اللجوء للقضاء ضد جهات نشرت ادعاءات كاذبة وتشهيرية، وانتهت هذه القضايا بإدانتها وإلزامها بالاعتذار والتعويض، ما يؤكد أن الاتهامات ضدنا لا تصمد عندما تُعرض أمام جهة قضائية مستقلة، وأن استهدافنا لا يتعلق بخلل في عملنا، بل بأثر هذا العمل في كشف الانتهاكات ودعم مسارات المساءلة.

ما يقلق إسرائيل؟

ما أقلق إسرائيل حقًا لم يكن نشر تحقيق صحيفة نيويورك تايمز وحده، بل الطبيعة المركّبة لذلك التحقيق: العنف الجنسي، ومعتقلون فلسطينيون، وصحيفة عالمية، وصحفي دولي بارز كنيكولاس كريستوف. هذا نقل الملف من دائرة التقارير الحقوقية، التي تسعى إسرائيل عادة إلى عزلها والتشكيك فيها، إلى دائرة الرأي العام الغربي والمؤسسات الإعلامية والقانونية التي يصعب تجاهلها.

كما يضرب هذا الملف نقطة مركزية في السردية الإسرائيلية ما بعد السابع من أكتوبر؛ إذ قدّمت إسرائيل نفسها دوليًا بوصفها الضحيةَ الحصرية لعنف غير مسبوق، واستخدمت هذا الموقع الأخلاقي لتبرير سياساتها ونهجها الإبادي. فظهور شهادات جدية ومتعددة عن اغتصاب وتعذيب جنسي داخل مراكز احتجازها لا يهدد صورتها فحسب، بل يعيد توجيه الأسئلة نحو ما ترتكبه هي داخل منظومة تسيطر عليها بالكامل.

إسرائيل تدرك أيضًا أن تراكم الشهادات والتقارير لم يعد في صالحها. فعندما يدور الحديث عن نمط منهجي من التعذيب والعنف الجنسي داخل السجون ومراكز الاحتجاز، لا يبقى الأمر فضيحة إعلامية فقط، بل يصبح سؤالًا عن سياسة، وعن علم القيادات، وعن التسامح المؤسسي، وعن الفشل في المنع والمحاسبة، وهي كلها أسئلة تفتح باب المسؤولية القانونية والسياسية على مستويات أعلى.

ما حقيقة التحقيق وما دورنا فيه؟

الادعاء بأننا كنا وراء تحقيق نيويورك تايمز مضلِّل في جوهره، لأنه يختزل عملًا صحفيًا رفيعًا أجرته صحيفة دولية كبرى وصحفي مخضرم في رواية سياسية هدفها التشكيك لا التحقق. كريستوف أوضح أن ما نشره استند إلى مقابلات مباشرة مع 14 رجلًا وامرأة أفادوا بتعرضهم لانتهاكات جنسية على أيدي قوات أمن ومحققين إسرائيليين، وأن هذه الروايات خضعت للتدقيق والمقارنة مع شهود ومحامين وأقارب. هذا مسار تحقق صحفي مستقل، لا ادعاء منفرد ولا مصدر وحيد.

تواصل الصحفيين مع منظمات حقوقية ليس مؤامرة، بل جزء طبيعي من العمل المهني، خصوصًا حين تمنع إسرائيل الوصول المستقل إلى غزة ومراكز الاحتجاز وتحجب السجلات والكاميرات والملفات الطبية. لا يمكن أن تغلق إسرائيل أبواب التحقق، ثم تهاجم كل من يسعى إلى الحقيقة عبر الطرق المتاحة.

والأهم أن الوقائع التي تناولها التحقيق لا تقف وحدها، بل تتقاطع مع مسار توثيقي أوسع شاركت فيه جهات أممية مستقلة، ومؤسسات فلسطينية ذات خبرة ميدانية، ومنظمات إسرائيلية مستقلة كبتسيلم وأطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل.

حملة تشويه بلا أدلة

الحملة لا تقدّم أدلة، بل تقدّم مادة تشويه صممت لتؤدي وظيفة الدليل لدى من يريد تصديقها، من دون أن تكون دليلًا في حقيقتها. فهي لا تقول إن شهادة محددة اختلقت، ولا إن واقعة بعينها حرّفت، ولا إن تقريرًا للمرصد ثبت خطؤه. ما يتداول يقوم في معظمه على اجتزاء منشورات، وإعادة تدوير صور، واستدعاء امتدادات عائلية لتصنيع شبهة.

أنا فلسطيني وابن غزة، ولا أتنصل من مجتمعي ولا من معاناة شعبي. فقدت شقيقتي وأطفالها وعشرات من أفراد عائلتي بفعل آلة القتل الإسرائيلية. هذا لا يجعلني أقل مهنية، ولا يسلبني الحق في العمل الحقوقي، ولا يبيح لإسرائيل أن تستخدم هويتي ومعاناتي سلاحًا لتشويه عملي. الموضوعية والمهنية لا تعني التجرد من الإنسانية أو الصمت أمام الجرائم، بل يعني مواجهة الجريمة بالمنهجية والدقة والتحقق والقانون.

وفي كل الأحوال تقارير المرصد لا تقوم على الهوية الشخصية لأي فرد فيه، بل على منهجيات توثيق واضحة: مقابلات مباشرة، وفحص اتساق الشهادات، ومقاطعة المعلومات، وتقييم المصادر، وتحليل الأنماط، ومراعاة حماية الضحايا والشهود، ثم قراءة الوقائع في ضوء القانون الدولي. إذا كانت إسرائيل تريد الطعن في هذه التقارير، فلترد على المنهجية والوقائع والشهادات، لا على العائلة أو الخلفية أو الصور المجتزأة.

وإذا كانت إسرائيل تعتقد أن ما نشر وما وثقناه نحن وغيرنا غير صحيح، فالمسار واضح: أن تفتح مراكز الاحتجاز أمام تحقيق مستقل، وأن تسمح للجنة الدولية للصليب الأحمر والمحققين الدوليين بالوصول، وأن تقدّم السجلات الطبية وتسجيلات الكاميرات وملفات التحقيق. أما مهاجمة المرصد أو الصحفي أو الصحيفة فلا تفند شهادة واحدة، ولا تبطل واقعة واحدة، ولا تعفي إسرائيل من واجب المساءلة.

ردع التوثيق: الهدف الحقيقي

الأخطر في هذه الحملة أنها لا تستهدفنا وحدنا، بل تستهدف البيئة التي تجعل التوثيق ممكنًا. عندما تشهّر إسرائيل بالمنظمات، وتهدد الصحفيين، وتلاحق الشهود، وتخوّف الضحايا، فهي تحاول إنتاج صمت جماعي حول الجرائم. وهذا ما نلمسه فعلًا: كثير من الضحايا والشهود يترددون في الحديث، ليس لأنهم لا يملكون شهادات، بل لأنهم يخشون الانتقام والتشهير وتعرّضهم وعائلاتهم للخطر، في ظل استمرار الإبادة والحصار وانعدام الحماية.

دخول رئيس حكومة الاحتلال ووزير الخارجية وأجهزة رسمية على خط الهجوم يرسل رسالة إلى الصحفيين والمنظمات والضحايا والشهود مفادها أن الاقتراب من ملف السجون والتعذيب والعنف الجنسي والاحتجاز السري سيقابل بثمن سياسي وإعلامي وشخصي. بهذا المعنى، الحملة لا تستهدف الماضي فحسب، بل تستهدف منع التوثيق القادم.

لن نتوقف

نتعامل مع هذه الحملة بجدية كاملة ونضع مخاطرها أمام الأمم المتحدة والدول والآليات الدولية وكل الجهات المعنية بحماية المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين، ونحمّل إسرائيل المسؤولية الكاملة عن أي مساس بطواقمنا أو بالشهود أو الضحايا أو المتعاونين معنا.

في الوقت ذاته، يجب أن يكون واضحًا أن هذه الحملة لن توقف عملنا. لم نبدأ التوثيق لأن الظروف كانت آمنة أو سهلة، ولن نتوقف لأن إسرائيل قررت أن ترفع كلفته. التراجع أمام الترهيب يعني ترك الضحايا بلا صوت، والجرائم بلا سجل، والجناة بلا مساءلة.

في كل الأحوال، فإن التصدي لهذه الحملة لا يتعلق بحماية المرصد وحده أو شخص بعينه، بل بحماية مساحة العمل الحقوقي المستقل وحماية الصحافة المهنية وحماية حق الناس في الحقيقة والعدالة. وهو دفاع عن المنظومة الدولية ذاتها، لأن المؤسسات الحقوقية والصحافة المستقلة وآليات التوثيق والمساءلة تشكّل أحد الشروط الأساسية لفاعلية القانون الدولي وعدم تحوّله إلى نصوص بلا أثر. فإذا نجحت إسرائيل في ترهيب من يوثق، فلن يكون المتضرر الأول المرصد، بل الضحايا الذين ستدفن شهاداتهم، والجرائم التي سيسمح لها بأن تبقى بلا مساءلة، لكل ذلك نقول بحسم: لن نتوقف حتى تحقق المساءلة والعدالة.

هذا المحتوى حين تصبح الحقيقة هدفًا: إسرائيل وحرب إسكات الموثّقين ظهر أولاً في سواليف.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤