بين الأمس واليوم
المهندس: عبدالكريم أبو زنيمه
ما أجمل الأمس، أمس الصفاء والنقاء، حين كنا مجتمعًا متماسكًا متحابًا، بلا نفاق ورياء ، لم يكن لدينا هواتف، ولا تلفزيونات، ولا إنترنت، ولا كهرباء، ولا مواسير مياه ، عندما كان الصغار يحترمون ويجلّون من هم أكبر منهم سنًا، ولا يرفضون لهم توجيهاً أو أمرًا ، عندما كان للمرأة قدسيتها وكرامتها ،
في ذلك الزمن، كنا نشرب من نفس الكيلة «الكأس»، ونأكل جميعًا من نفس الصحن ولا نمرض ، كان الجميع يتقاسمون لقمة العيش ، كان الفقير والغني يعيشان بالمستوى نفسه؛ فالغني يعطي بلا منّة «واجب»، والفقير يأخذ بلا ذلّة «حق». كان للخبز رائحة تفوح من مسافات بعيدة، وكان للقهوة طعم ، وفي الأكل بركة.
كان لباسنا بسيط جدًا ومحتشم ، وحياتنا هادئة مريئة ، كنا نشرب الماء الزلال المشبع بكل العناصر النادرة التي يحتاجها الجسم من القنوات والأودية المائية الجارية التي تعقّمها أشعة الشمس ، ونأكل ما تجود به أرضنا المباركة مما نزرع ، ومما لم تلوّثه الأسمدة والمبيدات المسرطنة، ومما تنبته الأرض المروية من مياه السماء الربانية.
كانت الزيارات مفتوحة بلا استئذان ، في أي وقت وبلا تكلفة ، تأخذ ما تحتاجه من أي بيت في العشيرة بلا استئذان، ومن مواشي الجار والغريب للضيفان بلا استئذان، ويُعدّ هذا تكريمًا له.
كنا نلعب في السهول والمراعي ليلًا ونهارًا بلا خوف، بألعاب بسيطة مصنّعة محليًا ، كان الطلاق موجودًا ، لكنه نادر الحدوث ، كان الزواج عهدًا وميثاقًا ، لم تكن البغضاء والضغينة والنميمة والحسد والكذب موجودة ، كانت تحدث خلافات ومشاكل «طوشة، فشخة»، تحدث صبحًا وتنتهي ظهرًا ، أو تحدث عصرًا وتنتهي مع غروب الشمس ، كل ما هو سلبي في حياتنا كان لا يبيت لليوم التالي .
كان الجار من أهل الدار ، وحرمة بيته دونها السيف والدم ، كانت المرأة شريكة للرجل في السراء والضراء ، وكانت سماتها العفة والحياء والصبر والعزيمة، وكانت رمزًا للكرامة والشرف، وغالبًا ما كانت صانعة للقرار داخل بيتها وراعية له .
كنا نعيش في أمن وأمان وراحة بال ووئام ، لم يكن لبيوتنا مفاتيح ، ينام الجميع وأبوابهم مفتوحة ، وفي أيام الصيف ننام في ساحات البيوت غير المسوّرة ، لم يكن لدينا شيء من ترف عيش هذه الأيام المغموسة بالسم والذل ، ولكن كان الخير يدخل إلى الأرواح والأنفس قبل أن يدخل في الجيوب ، وكانت راحة وطيب النفوس اولى بكثير من جلب الفلوس ، حيث كانت مجالسنا هي مدارسنا الأخلاقية العليا ، وزرعت فينا الشرف والصدق والوفاء والمحبة وعزة نفس وإلأباء والكرامة والكبرياء والشهامة وألأمانة وإلأخلاص والعزيمة وإلأرادة.
اليوم نمتلك كل شيء ولا شيء ، نمتلك عصارة ما أنتجته الثورة التكنولوجية الأجنبية، لكننا فقدنا غالبية قيمنا الأخلاقية والسلوكية، وتغيّرت مفاهيمنا الإنسانية ، فالحرام تحوّل إلى حلال ، والممنوع إلى مباح؛ فاللصوصية شطارة، والرذيلة تحضّر وتمدن ورقي ، والكذب فهلوة، والتملّق والدَهْلَسة والتسحيج والدياثة أنجح الوسائل لبلوغ الغاية… وإلى آخره.
لقد تغيّر كل شيء ، الزواج يُبنى على الكذب والمصلحة والمباهاة، والبيوت تحوّلت إلى ساحات عزل للأطفال ومعارك للأزواج ، وأصبح الطلاق كالنار في الهشيم . والعنف أصبح ظاهرة اجتماعية مستفحلة، تفضي في كثير من الأحيان إلى القتل ، وساحاته الجامعات والمدارس وأماكن العمل والشوارع ،
أصبحنا نتحاشى الأماكن العامة والأسواق ، تجنبًا لسماع ألفاظ نابية وخادشة للحياء ، تصيب الأرواح قبل المسامع ، أطفال اليوم يعيشون مع هواتفهم في بيوت وبيئة معزولة عن العالم الخارجي، ولا يستسيغون من الأطعمة والمشروبات إلا الملوّث منها بالمذاقات والنكهات والصبغات المختلفة ، جعلوا من نهارهم سباتًا، ومن ليلهم ساحات لتدمير عقولهم وأذهانهم بإدمانهم على الألعاب الإلكترونية التي تزرع فيهم كل أشكال العنف، وبذات الوقت تعمي أبصارهم وبصيرتهم ، لا يعرفون شيئًا عن تلك القيم المجتمعية والسلوكية التي تربّينا عليها ، وأجزم أن غالبيتهم لا يعرفون أنواع المزروعات حول بيوتهم .
الشوارع والنوادي والمقاهي تعجّ بكل أشكال المخدرات والمسكرات ومدمنيها من كلا الجنسين وبأعمار الورود ، لباسهم مقرف ومقزز وممزق من أسفله إلى أعلاه، ويظهر من أجسادهم أكثر مما يخفي.
ما نعيشه اليوم هو مجتمع ممزق ، وبيوت متهاوية، وخريجون يحملون شهادات وبلا أي معرفة ، وجيل تائه فاقد للأمل والمستقبل، وبطالة مستفحلة،ما نعيشه ليس عبثًا ؛ إنه تدمير مبرمج وممنهج للأجيال ، خدمةً وتوطئةً للمشاريع الاستعمارية الخارجية ، وفي مقدمتها المشروع الصهيوني ، إن ما يحدث ليس عبثًا بالنسيج الاجتماعي ، وإنما تدمير لحضارتنا التاريخية والإنسانية والعقائدية. إنه تدمير للوطن ، فمن يتحمل المسؤولية؟!
هذا المحتوى بين الأمس واليوم ظهر أولاً في سواليف.





