زمن حزب الله الأصعب: أسئلة لا تُهزم بسلاح!
غالباً ما يحدث ذلك بصمت. لحظاتٌ تتحوّل فيها الحروب من أماكن اختبارٍ للقوة إلى اختبارٍ للمعنى. يحدثُ ذلك في الوقت الذي تنتهي فيه العمليات وتُطوى خرائط الجبهات. لتبدأ بعد ذلك المهمة الأثقل والأقوى: ترتيبُ ما تبقّى.
النظر إلى "حزب الله" كحالة ومثال يكشفُ لنا أنّ عدَّاد هذا الزمن قد بدأ فعلاً. صحيح أنّ الحزب لم يخسر حربه بعد، إلا أن المرحلة التي دخلَ فيها وبيئته تكشفُ أنّ السؤال الفيصل الذي يُثقلُ كاهله لم يعُد عسكرياً.
منذ زمن بعيد، تجاوز الحزب، شتى أنواع الامتحانات التي تختبرُ قدرته على القتال. أثبت الفصيل الإيراني الأقوى أنه لاعب صلب. عنصرٌ يتربّعُ بسهولة على عرش الأذرع الإيرانية إلى درجة تجعله قادراً على الصمود، وعلى إدارة مواجهات معقّدة وطويلة.
ظهر حزب الله في بداية الثمانينات. منذ لحظته الأولى بدا كأنّه استثناء لبناني. استثناء خارج الحدود والأيديولوجيا والحركة والتنظيم. هو عبارة عن قوة عسكرية منظّمة تسيِّرُها سردية واضحة، وتسيرُ بوظيفة محدّدة عنوانها مقاومة إسرائيل. هذه الوظيفة كانت لسنوات كافية لتأمين شرعية واسعة في الشرائح اللبنانيّة المختلفة. بمعنى آخر كافية لإبقاء هذا السّلاح والانتماء نائماً خارج النقاش الحاسم.
اليوم وبعد كل ما حصل ويحصل في لبنان من حرب واقتتال وشهداء وغارات، يبدأ الزمن المختلف للحزب. الحزب جزء من المجتمع. مهما بدا اجتماعهُ المحيطُ متماسكاً، لا يمكنه أن يعيش على فكرة الحرب المفتوحة إلى ما لا نهاية. تحتاج المجتمعات إلى أفق محدد وإلى تطمينات وتفسيرات توضح الكلفة وتبيّن إلى أين تقود النتائج.
يصبح الأفق غامضاً اليوم. وتتحوّل الحرب إلى رقعة دائمة. يبدأ التعب بالتراكم، حتى ولو لمْ يُترجم إلى اعتراض صريح. الحديث هنا عن بيئة حزب الله، التي لا تتوانى عن إظهار هذا التعب بالخطاب المعلن. يمكنُ الإضافة أيضاً، أنّ ما يُقرأ لا بدّ له أن يبدو كجزء من الفجوة المتزايدة. شتان بين منطق الحزب ومنطق العيش اليومي للبيئة الحاضنة.
قطعاً لا يعني هذا الكلام انهيار البيئة أو انقلابها على الحزب. هذه الظواهر تأتي لتقول إنَّ التململ بدأ في المكان وبين الناس، الذين يفقدون تدريجاً القدرة على الاحتمال. وهذا في مكان ما، هو الأكثر تعقيداً خصوصاً في بيئة شكّلت مع الحزب لُحمته القويّة لسنوات.
يتحرّك الحزب اليوم بين هذين الحدّين. هنا بالتحديد يتشكّل زمنه الأصعب. يمشي عالقاً بين التهديد العسكري الإسرائيلي بطبيعة الحال (فائض القوّة)، وفائض العجز. القوة الكبيرة المرتبطة بسياق إقليميّ أكبر والتي غدت صورتُها تتضح بعد العام 2013. قوة كبيرة، لكنها مرتبطة بسياق أكبر منها. تتحرّك فقط في هذا الإطار الذي صار واضحاً أنّها لا يمكن لها تجاوزه.
في هذا السياق المتناقض، تسقطُ شيئاً فشيئاً الصيغة القديمة التي أُنتجت واستمرت. صيغة قوامُها التعايش بين لبنان الرسمي والحزب. تسقطُ ولا تترك وراءها أيّ احتمال أو إمكان لتأجيل الأسئلة.
سيجد الحزب نفسه، في حال خرج من هذه الحرب من دون هزيمة واضحة، أمام واقع يفرض عليه إعادة التفكير في موقعه. لا يتعلق الأمر فقط بعلاقته بخصومه، وهي معروفة، إنما يتنقل الأمر بعلاقته مع الدولة التي أضحت قراراتها واضحة وعلنيّة وبلا مواربة. يترافق مع ذلك علاقته بالاجتماع اللبناني، متنوعاً، ونهايةً مع فكرة لبنان نفسها.
لحظةٌ ستحملُ التحوّلات في السؤال. "كيف يُقاتل الحزب؟" و"كيف سيستمر؟". هل يمكن الاستمرار كفصيل من دولة إقليميّة وصراعاتها المفتوحة؟ ما الذي يريده الحزب من بلدٍ يحتاج إلى استقرار؟ هل يمكن الحفاظ على فكرة فائض القوة، من دون تحويلها إلى عبء على بلد بأكمله؟ وطبعاً، هل يمكن تأجيل هذه الأسئلة مرة أخرى، كما حصل سابقاً؟
لا إجابات جاهزة. لكنها، كما في كل مرة، ستفرض نفسها. ربما لأن ما يلي الحروب اللبنانيّة، لا يُقاس بالأشياء التي انتهت، إنما بالتي أصبح مستحيلاً تأجيلها. وهنا، تحديداً، يبدأ زمن حزب الله الأصعب. زمنٌ طويل وغريب. ليس فيه مواجهة مع الخارج. مسرحهُ الداخل حيث لا مكان للقوة ولا للصّمود. المسرحُ للبلد واجتماعه وفكرته. هناك حيث سيواجه الحزب أسئلةً لا تُهزم بسلاح. وتلكَ هيَ معركةُ البقاء نفسه.
The post زمن حزب الله الأصعب: أسئلة لا تُهزم بسلاح! appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.



