تدريب للمعلمين في الحسكة بدعم “يونيسف”.. تطوير أم استجابة شكلية؟
أطلقت مديرية التربية والتعليم في محافظة الحسكة دورة تدريبية جديدة للكوادر التعليمية، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، تحت عنوان “بناء قدرات المعلمين”.
وتقول الجهات الرسمية إن الخطوة تهدف إلى تطوير مهارات المعلمين والارتقاء بالعملية التعليمية، في وقت لا يزال فيه واقع التعليم في المحافظة يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالبنية التحتية والإمكانات.
برنامج تدريبي على ثلاث مراحل
تستمر الدورة التدريبية لمدة خمسة أيام، وتتناول محاور عدة، أبرزها التعلم النشط، والإدارة الصفية، والدعم النفسي للطلاب، إضافة إلى التعامل مع صعوبات التعلم، وهي موضوعات تُعد من الأساسيات في تطوير الأداء التعليمي داخل الصفوف.
مدير التربية والتعليم في الحسكة، عدنان البري، أوضح أن تنفيذ الدورة سيتم على ثلاث مراحل متتالية، تبدأ بتدريب 70 متدربًا ومتدربة، موزعين بالتساوي بين مدينتي الحسكة والقامشلي، بواقع 35 مشاركًا في كل مدينة.
وأضاف البري أن المرحلة الثانية ستشمل شريحة أوسع من الكوادر التعليمية، إذ سيتم تدريب 875 معلمًا ومعلمة في مدينة الحسكة، ومثلهم في مدينة القامشلي، على أن تتبعها مرحلة ثالثة تُنفذ بالأعداد ذاتها، ما يعني أن عددًا كبيرًا من المعلمين سيخضع لهذا البرنامج التدريبي خلال الفترة المقبلة.
وأشار إلى أن هذه الدورات تأتي ضمن خطة مشتركة بين وزارة التربية والتعليم ومنظمة “يونيسف”، بهدف دعم الكوادر التعليمية وتحسين جودة التعليم في المنطقة.
حوافز مالية للمشاركين
بحسب ما أفاد به معلمون عنب بلدي، فإن الدورة التدريبية مدفوعة الأجر من قبل منظمة “يونيسف”، وهو ما شجع عددًا من المعلمين على التسجيل والمشاركة فيها، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها العاملون في القطاع التعليمي.
وتُنفذ الدورة بإشراف مباشر من المنظمة، ما يعكس استمرار تدخل الجهات الدولية في دعم قطاع التعليم في شمال شرقي سوريا، خاصة في ظل ضعف الموارد الحكومية.
آلية الترشيح وملاحظات حول المشاركة
حول آلية اختيار المشاركين، قال المعلم محمد الأسود، لعنب بلدي، إن إدارات المدارس في مدينة الحسكة أبلغت كوادرها بضرورة ترشيح عدد من المعلمين، بواقع نحو عشرة من كل مدرسة، مضيفًا أن من يرغب بالمشاركة قام بإبلاغ الإدارة والتسجيل في الدورة.
وأشار إلى أنه مع وجود نقص في الأعداد، تم الطلب من إدارات المدارس ترشيح معلمين إضافيين، على أن تستمر العملية مع انطلاق المراحل التالية من التدريب، ما يتيح الفرصة لمشاركة عدد أكبر من الكوادر.
تشكيك بجدوى الدورات
في المقابل، عبّر بعض المعلمين عن شكوكهم بشأن جدوى هذه الدورات، معتبرين أنها تكرار لتجارب سابقة لم تنعكس بشكل ملموس على الواقع التعليمي.
وقال المعلم خالد التمر لعنب بلدي إن المعلمين في الحسكة سبق أن خضعوا لدورات مشابهة، واصفًا إياها بأنها “شكلية” في كثير من الأحيان، ولا يتم تطبيق مخرجاتها على أرض الواقع، بسبب غياب الإمكانات اللازمة.
وأضاف أن بعض الدورات، مثل تلك المتعلقة بدمج التكنولوجيا في التعليم، لا يمكن الاستفادة منها فعليًا في ظل غياب البنية التحتية التقنية في المدارس، متسائلًا عن جدوى التدريب في بيئة تفتقر إلى الأدوات الأساسية.
انتقادات لآلية الاختيار
من جانبه، أشار المعلم محمد الحلو إلى وجود ما وصفه بـ”المحسوبيات” في اختيار المشاركين، خاصة أن الدورة مدفوعة الأجر، ما يجعلها محل اهتمام أكبر من قبل المعلمين.
وأوضح أن بعض المعلمين لم تتح لهم فرصة المشاركة رغم امتلاكهم مؤهلات جامعية، في حين شارك آخرون بمستويات تعليمية أقل، معتبرًا أن آلية الاختيار بحاجة إلى مزيد من الشفافية والعدالة.
أولويات مختلفة: البنية التحتية أولًا
وانتقد الحلو التركيز على الدورات التدريبية في ظل تدهور واقع المدارس، مشيرًا إلى أن العديد من الأبنية التعليمية، خاصة تلك التي كانت تستخدم كمراكز إيواء للنازحين، تعاني من أوضاع سيئة، تصل إلى حد وصفها بـ”غير الصالحة للاستخدام”.
تحسين البنية التحتية للمدارس يجب أن يكون أولوية قبل الاستثمار في تدريب الكوادر، بحسب ما يراه الحلو، معتبرًا أن المعلم “لا يحتاج إلى حوافز مالية بقدر حاجته إلى بيئة تعليمية مناسبة”.
واقع تعليمي معقد
تعكس هذه الآراء واقعًا تعليميًا معقدًا في محافظة الحسكة، حيث تتداخل التحديات بين ضعف الإمكانات، وتدهور البنية التحتية، والحاجة إلى تطوير الكوادر البشرية.
ورغم أهمية التدريب في تحسين الأداء التعليمي، يرى معلمون أن غياب بيئة مناسبة لتطبيق ما يتعلمونه قد يحد من أثر هذه الجهود، ما يجعلها غير كافية بمفردها لإحداث تغيير حقيقي.
في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن هذه الدورات تأتي ضمن خطة شاملة لتحسين التعليم، وأنها تمثل خطوة ضرورية في مسار طويل يتطلب تضافر الجهود المحلية والدولية.
بين الطموح والتحديات
في ظل هذا الواقع، تبقى الدورات التدريبية، وفق عدد من المعلمين، أداة مهمة لكنها ليست كافية وحدها، إذ يرتبط نجاحها بمدى توفر بيئة تعليمية داعمة، تشمل بنى تحتية مناسبة، وتجهيزات كافية، وآليات عادلة لاختيار المشاركين.
وبينما تراهن الجهات المعنية على هذه البرامج لتطوير التعليم، يطالب المعلمون بمعالجة المشكلات الأساسية التي تعيق عملهم اليومي، معتبرين أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ من المدرسة نفسها، قبل الانتقال إلى تطوير مهارات العاملين فيها.





