Taxi Driver.. هل بدأت معركة دي نيرو مع ترمب قبل 50 عاماً؟
نحن في نيويورك، فبراير عام 1976، حيث يعرض لأول مرة بمسرح كرونيت بمنهاتن فيلم Taxi Driver، بطولة روبرت دي نيرو والصغيرة جودي فوستر، من كتابة بول شرايدر وإخراج مارتن سكوريزي، على الشاشة يتقدم دي نيرو في شخصية "ترافيس بيكل" حالقاً شعره على هيئة الهنود الحمر (صلعة كاملة يتوسطها عرف احمر من الشعر يمتد من الجبهة لمؤخرة الرأس)، مرتدياً جاكته العسكري الذي عاد به من حرب فيتنام حائزاً على نوط الشجاعة، يقترب من المرشح الرئاسي "بلانتين"، الذي يخطب بين الجماهير في أحد الساحات المكشوفة، مقرراً أن يغتاله لتنظيف المدينة وذلك بمسدس "ماجنوم 44" ذو الماسورة الطويلة التي يخفيها أسفل ملابسه العسكرية.
في مونتاج سينمائي نقفز إلى الأمام؛ خمسون عاماً قد مرت على الفيلم الأيقوني، لم يفلح وقتها ترافيس/ دينيرو أن يغتال المرشح الرئاسي الفاشل، لكنه استطاع إنقاذ فتاة صغيرة من براثن الدعارة والخواء الروحي عبر مذبحة واجبة.
نحن في فبراير 2026 حيث يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حربه على إيران- نفس توقيت عرض الفيلم قبل نصف قرن- ليعود دي نيرو/ترافيس وقد صقلته التجارب، وصار أكثر حكمة وشهرة- 100 فيلم ويزيد- متصدياً إلى الرئيس عبر تصريحات قوية وكاشفة، بل ويتزعم مسيرة مليونية ترفع شعار (لا للملك ترمب).
"الناس لا يحبونه بسبب كل الأشياء المروعة التي فعلها، لو أنه قام بأشياء جيدة عندما أصبح رئيساً، بل قام بأعمال انتقامية مليئة بالكراهية، أشياء لئيمة صارخة، لو أنه قام بأمور جيدة لأحبه الشعب، لكنه يعاني من مشكلة، إنه شخص محطم"
هكذا يصف الممثل الأميركي الكبير (82 سنة) الرئيس الأميركي السابع والأربعين، الذي أشعل حرباً كلفت العالم مليارات من الخسائر المادية، وذلك بعد 50 عاماً كاملة من قيامه ببطولة واحد من أشهر أفلام المانيفستو الغاضب في السبعينيات، والذي حاز عنه مخرجه الثوري الشاب آنذاك السعفة الذهبية لمهرجان كان، ورُشح لأكثر من 22 جائزة دولية، وسُجل عدة مرات كواحد من أفضل إنتاجات السينما الأميركية والعالمية في تاريخ الصناعة.
مدينة الدخان والقمامة
اللقطة الأولى من Taxi Driver تصور دخان مصفر كئيب ومتفجر، يخترقه بدن أحد التاكسيات، فلا ندري هل يخرج منها الدخان كعادم أم أنه يفوح من المدينة! هذا فيلم عن الغضب المكتوم تجاه مجتمع فاسد وسلطة حمقاء لا إنسانية، وأزمة وجودية يتطاير رذاذها هنا وهناك معلناً عن كارثة وشيكة، فيلم كتبه سيناريست كان يعاني من أزمة انفصال عن زوجته وخسارة وظيفته، كتبه في 10 أيام كما تقول بعض المصادر، بعد أن تعب من التجول بسيارته ليلاً والتردد على دور السينما التي تعرض الأفلام الإباحية.
يمكن أن نتوقف أمام أي مشهد في هذا الفيلم لنجد الدخان يتصاعد منه، سواء في هيئة رذاذ بخاري أو في مستوى مجازي؛ دخان الغضب والحقد الكامن تجاه ميزان الوجود المختل، كانت الأجواء في نيويورك حارة بالفعل وقت التصوير عام 1975 وللمصادفة القدرية كان ثمة إضراب هائل لعمال النظافة أنتج أطناناً من القمامة في أركان المدينة التي لا تنام، في فيلم يتحدث بالأساس عن بطل يرى كم هائل من الفضلات الوجودية من عاهرات وقوادين ومدمني مخدرات ومغتصبي أطفال، يحتاجون إلى عملية تنظيف هائلة لكي تعود المدينة إلى بريقها السابق في عين البطل الأرق، الذي يأخذ نوبات سواقة ليلية لساعات طويلة من أجل أن يستجدي النوم دون طائل.
اللقطة الثانية في الفيلم نرى فيها عينا ترافيس/دي نيرو في حجم قريب، ينعكس ضوء أحمر على عينيه – والأحمر هو لون غالب على الفيلم ككل- مقطب الحاجبين بوجه قاني ربما نتيجة غضبه الداخلي، الذي يوشك أن ينفجر ضد الجميع أو على حد قوله فيما بعد لزميله ( أريد أن أخرج.. لدي أفكار سيئة في رأسي).
في اللقطة الثالثة، تأتينا المدينة ليلاً بأضوائها غير المفهومة التي تنعكس من خلف زجاج التاكسي الذي تغرقه مياه لا ندري مصدرها، هل هي أمطار أم نوافير الماء التي يطلقها السكان من حنفيات الحريق، من أجل تخفيف قسوة الجو ومضايقة السيارات كما سنرى فيما بعد.
اللقطة تأتي من عينا سائق التاكسي، كأننا نرى المدينة في عينيه كيف تبدو، شائهة، غائمة، تحتاج إلى من يضبط إيقاعها وألوانها وحدتها، بعدها بقليل سوف نسمع ترافيس يدون ما ينويه في مذكراته (يوما ما سيهطل المطر ويمحو كل هذه الأوساخ من الشوارع).
هكذا في اللقطات الثلاث الأولى يختصر لنا الثلاث شرايدر، سكورسيزي، ودي نيرو كامل الفيلم، سواء على مستوى المحتوى أو الشكل أو مستويات التأويل، هذه اللقطات الثلاث هي أسئلة الفيلم الكبرى، وهي جيناته النوعية والدرامية، وهي عنصر إبداعي لا نجده سوى في الأفلام التي تملك حساسية متقنة في بناء عوالم الدراما وأساليب الحكي الذي يخاطب الوعي واللاوعي على حد سواء.
المقعد الخلفي
ماذا فعل بول شرايدر كي يضعنا بداخل رأس ترافيس وليس فقط أمام عينيه وهو يطال المدينة، اختار له أن يتحدث بصوت داخلي Voice Over عبر شكل كتابة اليوميات التي يدونها كل ليلة، لم يحدثنا كجمهور ولم يكتب خطابات للمرأة التي يحبها، أجمل امرأة في العالم كما يصفها حين رأها أول مرة تهبط من التاكسي، وتدخل إلى مقر حملة المرشح الرئاسي الذي سوف يعود لكي يحاول اغتياله.
اختار الكاتب أن دون ترافيس يومياته ليس فقط لكي نسمع ما فيه رأسه من أفكار حول (المومسات واللوطيون والمدمنون والجنون والفساد) ولكن لكي يشعرنا بحجم عزلته وانعزاله، رغم مهنته التي يلتقي فيها بشتى أنواع البشر والمواطنين بينما يجوب المدينة، وهم يجلسون في المقعد الخلفي لسيارته، المدينة كلها تجلس في المقعد الخلفي مما يعطيه الفرصة كي يتأملها عبر المرآة العاكسة التي أمامه، لكنه يكتشف أنه (في كل ليلة على أن أنظف الأوساخ عن المقعد الخلفي وأحيانا الدم).
إنه يتحدث إلى نفسه في دائرة مغلقة عليه، وهو ما يمنحه قيمة لحياته، ما يرويه لنفسه عن نفسه يجعله يتضخم ذاتياً إلى الحد الذي يقرر معه أن الكتابة لم تعد كافية، وأن عليه أن ينزل ليزيل بنفسه الزبالة من الشوارع المكتظة بها.
استغلال درامي وبصري رائع لأسلوب اليوميات، يفي بالغرض ويمنح الفيلم كله طابعاً تأملياً عبر عقلية مضطربة، جامحة، أصيلة في مشاعرها، لكنها تبحث عن بوصلة من أجل أن تشير للضوء أن يأتي من الاتجاه الصحيح.
عندما يقنع بيتسي الجميلة أخيراً بالخروج معه بعد أن هاجمها عاطفياً بشكل صريح في مقر الحملة الإنتخابية للمرشح الرئاسي السخيف، وبينما تتلمسه بالتدريج عبر عينيها الناعمتين اللتان تطلان إلى داخله – في مشهد رائع يتم فيه القطع بالتناوب بين وجهها ووجها دون أن يجتمعا في كادر واحد إلا في نهايته- تقدم لنا ملخصاً مختصراً لشخصية ترافيس سوف يرافقنا معه إلى النهاية، إنه شخص متناقض؛ نبي وبائع مخدرات في نفس الوقت، على حسب ما تقول له أن شخصيته تذكرها بأغنية شهيرة تتحدث عن رجل مثله!
التنظيف من أعلى
في حفل توزيع جوائز توني عام 2018، خلال فترة الرئاسة الأولى لترمب، سبّه روبرت دي نيرو بشكل بذئ مما دفع الجمهور للوقوف والتصفيق له، لم يكن ترمب قد ارتكب الفظائع التي ارتكبها في فترة ولايته الثانية، وعلى ما يبدو كان دي نيرو يرى ماذا ينتظر أميركا على يد هذا الرجل لو استمر في الرئاسة أو تولى ثانية!
قبل 50 عاماً عمل دي نيرو كسائق تاكسي لأسابيع من أجل أن يتقن المهنة التي سوف يجسدها، كان يعود من إيطاليا في فترات توقف تصوير فيلمه 1900 مع برتولوتشي، ليتجول في شوارع نيويورك ليلا كما ترافيس، ورغم أنه كان قد حصل قبل عامين فقط على الأوسكار الأول عن الجزء الثاني من فيلم The God Father، إلا أنه لم يكن قد صار وجهاً معروفاً بعد، وهو ما منحه ميزة أن يعيش حالة ترافيس مراقباً أهل المدينة دون أن تحول شهرته عن ذلك، هو ليس مجرد ممثل يتعايش مع الشخصية إذن أو يأخذ منهج المحاكاة، هناك ما هو أبعد من ذلك في وعيه، ولو أضفنا له حكمة السنين الطويلة التي عاشها في أروقة هوليود، يمكن إذن أن ندرك أن السباب الذي وجهه لترمب من قبل مواجهتهما الأخيرة أساسها موقف أعمق من مجرد ممثل شهير يحتمي بتاريخه، بينما يسب رئيس أكبر دولة في العالم.
في Taxi Driver يقرر ترافيس أن ينظف المدينة من أعلى، وربما كان هذا هو سبب اختياره للمرشح الرئاسي الذي جلس ذات مرة بالصدفة على المقعد الخلفي للتاكسي، لم يرق له حديثه عن الفساد، شعر به متخاذلاً أو مخنثاً سياسياً، كان يرغب في ردود راديكالية توازي الغضب الذي في داخله، لكن الرجل رد كسياسي ناعم، فأيقظ في داخل ترافيس الرغبة في أن يزيحه كقمة هرم القمامة في المدينة.
في اللقطة الشهيرة التي يجلس فيها في قاعة عرض أفلام الكبار، ويسمع صوت امراة تتحدث عن الحجم الكبير بينما يشير إلى الشاشة علامة المسدس، ثم يمد إصبعه كأنها عدسة كاميرا تخصه وينظر من خلالها، هذه اللقطة هي المعادل البصري للجملة التي نسمعه يدونها في يومياته: (اسمعوا أيها الأوغاد والمجانين، هذا رجل لم يعد يحتمل ذلك بعد الآن).
ربما هي واحدة من أكثر المجازات البصرية التي لا تزال عالقة في رأس الجميع منذ أن شاهدوها على الشاشة قبل خمسين عاماً، ربما حتى قلدها الكثيرون لأن إشعاعها لا يخفـت، إشارة المسدس بالأصبع التي تتحول إلى عدسة، مع نظرة عين مشتعلة بالقرار، في قاعة سينما مظلمة تعرض فيلماً إباحيا كأنه المدينة أو الحياة نفسها.
مذبحة واجبة
أخيراً يعثر ترافيس على ضالته حين يقرر إنقاذ الصغيرة إيريس (جودي فوستر وهي في الثالثة عشرة من عمرها في الدور الذي حازت بسببه على جائزة البافتا كأفضل ممثلة مساعدة ورشحت لأول اوسكار في مشوارها)، لم يفلح ترافيس أن يحقق خطوة ثورية كاغتيال مرشح الرئاسه الفاشل- ربما كان هو ترمب بعد 50 عاماً- لكنه نجح أن يكون بطلاً شعبياً أنقذ فتاة صغيرة من أحد مجارير المدينة، منفساً عن غضبه أخيراً، مطلقاً اللون الأحمر في كل مكان عبر شلالات الدم والرصاص.
هذه المذبحة الواجبة تشعر ترافيس بالامتلاء، بالتحقق، بأن ثمة معركة انتصر فيها ضمن الحرب الكبرى التي أراد ان يشنها على المدينة المتسخة، لقد قتل القواد والشرطي الفاسد والزبون البيدوفيلي، مزقهم بمسدساته وخنجره، ورغم إصابته شبه القاتلة إلا أنه نجا! لأن الفيلم لم يرغب في ان يحوله إلى شهيد أو اسطورة، بل إلى بطل عضوي يمكن أن تركب سيارته ذات يوم، وتتذكر وجهه المنشور على صفحات الجرائد المعلقة فوق جدران غرفته.
وكما يبدأ الفيلم بالمدينة من خلف زجاج التاكسي غائمة في عينا ترافيس، ينتهي بها أيضاً من خلف نفس الزجاج، ولكنها صارت أكثر وضوحاً، وصارت صورتها حادة وألوانها بارزة وحقيقية، لقد أصبحت رؤية ترافيس التي لا شك انتقلت إلينا ولو جزئياً أكثر تصالحاً معها، لا لأنها صارت أنظف، بل لأنه أصبح يثق في قدرته على تنظيفها وقتما يشاء! أو حين يتطلب الأمر!
يتبدل ترافيس بشكل كبير ويصبح أقل اضطراباً وأكثر ثقة بالنفس بعد المذبحة، حتى أنه يتمكن من السيطرة على مشاعره تجاه بيتسي التي تبدو وكأنها اخيراً استوعبت تناقضاته، رغم أنها هي التي وصفته في البداية بأن فيه من النبي وبائع المخدرات، لكنها لم تحتمل هذا التناقض، حين اصطحبها إلى السينما التي تعرض الأفلام الجنسية رغم كراهيته للدعارة والعاهرات، أو بمعنى أدق لم تفهمه إلا بعد أن قرأت ما فعله من إنقاذ للصغيرة ايريس!
أخيراً ربما يبرز تساؤل طريف في رأس من يتابع التراشق الحاد بين ترمب ودي نيرو، حيث وصف الرئيس الأميركي الممثل الشهير بأنه (شخص مريض ومختل عقلياً) فهل كان يقصد الإشارة إلى شخصية ترافيس الشهيرة في الفيلم!
ربما ما كان ترمب ليقول هذا لو انه تذكر المشهد الشهير بينما يتمرن ترافيس على مواجهة خصومه في المدينة مطلقا سؤال الأشهر : you talking to me، بينما تفور في عيناه هذه الهوسية المشتعلة والتي صرح عنها سكورسيزي بأنها لم تكن مكتوبة في السيناريو، ولكن السؤال والنظرة كانا ارتجالاً من دي نيرو عندما طلب منه سكورسيزي أن يحادث نفسه لأول مرة في الفيلم بصوت عال، وليس عبر اليوميات التي يكتبها بنبرته الداخلية، فجاء السؤال الذي أصبح أحد أشهر الاقتباسات السينمائية كثافة في اللغة وقوة في الأداء وعمقا في التأثير.
* ناقد فني







