⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم●⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر●⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم●
AI اقتراحات ذكية
AI مباشر|--مشاهد مباشر
1,003,693مقال401مصدر نشط228قناة مباشرة4,169خبر اليوم
نُشر هذا المقال ضمن المحتوى الحصري الذي نقدمه لأعضاء برنامج «نقطة حبر». للاشتراك في البرنامج والحصول على المزيد من مزايا العضوية، انضموا الآن.
هذا النص هو جزء من مقال أطول نشر في مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» في 25 حزيران 2026، يستند إلى كتاب جوناثان ويلسون «القوة والمجد: تاريخ جديد لكأس العالم»، الصادر في تشرين الأول 2025.
سايمون سكينر هو بروفيسور في قسم التاريخ في كلية باليول بجامعة أوكسفورد، يختص في التاريخ السياسي والديني في بريطانيا.
***
كأس العالم، البطولة التي انطلقت عام 1930، هي الحدث الرياضي الأكثر شعبية على وجه الأرض: تزعم الفيفا أن 1.5 مليار شخص شاهدوا المباراة النهائية لعام 2022 في لوسيل. لكرة القدم أهمية تمتد إلى أبعاد متعددة، لكن كأس العالم يتمتع بجاذبية خاصة، تجذب الملايين ممن لا يشاهدون كرة القدم كثيرًا في الأوقات العادية. إن اتباع طقوس البطولة وتقاليدها هو ما يحافظ على استمرار هذه الدورة: فنحن جميعًا نملأ الجدول المعلق على الحائط ونجمع الملصقات. وفي نسخة هذا العام التي تقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يخوض 48 فريقًا عددًا غير مسبوق من المباريات يبلغ 104 مباريات، دوّن ملايين المشجعين مواعيدها في مذكراتهم وجداولهم، غالبًا استعدادًا لمفاوضات منزلية حساسة. («آسف، هل يمكنك أن تقلّ الأطفال إلى المدرسة غدًا؟ سأكون منهكًا: ستقام مباراة جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوزبكستان في الساعة 12:30 صباحًا، وقد تكون حاسمة»).
إنها مسلسل درامي عالمي يضم طاقمًا من الأبطال والأشرار المتنوعين جغرافيًّا وصورًا نمطية خالدة، نعود لمتابعته واثقين من أننا سنكمل من حيث توقفنا: هناك راقصو السامبا البرازيليون، والإسبان المستحوذون على الكرة، والألمان المنضبطون، والفرنسيون النخبة الذين لا يعتبرهم الكثير من الفرنسيين فرنسيين، والسنغاليون المبتهجون، والكوريون الجنوبيون الذين لا ينضبون، والهولنديون المأساويون، والإنجليز التعساء، والإسكتلنديون الأتعس، والإيطاليون الغائبون لسبب غير مفهوم. الرهانات عالية جدًّا لدرجة أن المشهد آسر حتى لو لم تكن معظم المباريات الفعلية كذلك. سنشهد خلودًا رياضيًّا، وعارًا رياضيًّا أيضًا: التسديدات المهدرة، وركلات الجزاء الضائعة، والبطاقات الحمراء التي تحول رجالًا يتمتعون بموهبة وإنجازات وثروة لا تُقدَّر بثمن في غمضة عين إلى خاسرين إلى الأبد.
كانت هناك بطولات أسطورية، مثل بطولة المكسيك 1970، التي أضاءتها براعة البرازيل، وظلت محفورة في الذاكرة بشكل أكثر إشراقًا لأنها كانت أول بطولة تُبث تلفزيونيًا بالألوان. وكانت هناك مباريات ملحمية، مثل مباراة إيطاليا ضد البرازيل عام 1982، التي كتب بييرو تريليني كتابًا من 500 صفحة عن الشخصيات المتداخلة فيها بعنوان «المباراة». بل إن العديد من المباريات اكتسبت لقبًا خاصًا بها: «ماراكانازو» (الهزيمة الكارثية للبرازيل على أرضها عام 1950 أمام الأوروغواي في ملعب ماراكانا)، و«معركة برن» (ربع النهائي الشهير عام 1954 بين المجر والبرازيل، الذي شهد طرد ثلاثة لاعبين واستمرار المشاجرات في غرف تغيير الملابس)، و«معركة سانتياغو» (المباراة التي جمعت بين البلد المضيف تشيلي وإيطاليا عام 1962، والتي وصفها ديفيد كولمان معلق البي بي سي بأنها «العرض الكروي الأغبى والأبشع والأقذر والأكثر خزيًا في تاريخ اللعبة»)، و«معركة فرانكفورت المائية» عام 1974، عندما فازت ألمانيا الغربية، البلد المضيف، على بولندا على ملعب غارق بالمياه أدى إلى إبطال مفعول الجناحين البولنديين السريعين؛ و«سرقة القرن»، وهي الهزيمة التي منيت بها الأرجنتين على يد إنجلترا في ربع النهائي عام 1966، والتي عُزيت إلى الحكم.
كانت هناك أهداف خالدة، مثل هدف البرازيلي كارلوس ألبرتو في نهائي عام 1970 ضد إيطاليا، والذي يعتبره الكثيرون «أعظم هدف سجله أعظم فريق في أعظم كأس عالم، وهو مزيج مجيد من اللعب الجماعي والتميز الفني الفردي»، و«هدف القرن» لدييغو مارادونا، الهدف الثاني الذي سجله متفاديًا لاعبي إنجلترا المتساقطين كالقطع في كأس العالم بالمكسيك عام 1986، والانطلاقة الفردية لسعيد العويران من نصف ملعبه ضد بلجيكا في كأس العالم بالولايات المتحدة عام 1994 ليقود السعودية إلى مرحلة خروج المغلوب.
هدف سعيد العويران للسعودية في مرمى بلجيكا في دور المجموعات في كأس العالم 1994.
هناك أيضًا مجموعة من الصور الخالدة تُشكل خلفية كأس العالم، تتدرج من الصور الأحادية اللون غير الواضحة إلى الدقة الفائقة: هيكتور كاسترو ذو الذراع الواحدة (إل مانكو) وهو يسدد الكرة متجاوزًا الحارس جوان بوتاسو وهو في الهواء (الأوروغواي 1930)؛ دموع الفرح من ماريو زاغالو بعد فوز البرازيل بالبطولة مرتين متتاليتين (تشيلي 1962)؛ بوبي مور الذي حمله جيف هيرست وراي ويلسون في الهواء (إنجلترا 1966)، «تصدي القرن» لجوردون بانكس، تبادل القمصان بين مور وبيليه (البرازيل 1970)؛ «مراوغة كرويف» (ألمانيا الغربية 1974)؛ مارادونا وهو على وشك مواجهة ستة لاعبين بلجيكيين مذعورين، والصراخ البدائي لماركو تارديلي (إسبانيا 1982)؛ قفزة «يد الله» لمارادونا فوق بيتر شيلتون (المكسيك 1986)؛ بصقة فرانك ريكارد باتجاه شعر رودي فولر المجعد، ودموع غازا، ودموع مارادونا كذلك (إيطاليا 1990)؛ ركلة جزاء روبرتو باجيو التي حلقت فوق العارضة (الولايات المتحدة الأمريكية 1994) ؛ زين الدين زيدان وهو يمر بجانب الكأس، ورأسه منحني، بعد طرده لضربه ماركو ماتيرازي برأسه (ألمانيا 2006)؛ ركلة الكونغ فو التي وجهها نايجل دي يونغ إلى تشابي ألونسو (جنوب أفريقيا 2010)؛ مشجع برازيلي معتوه يأكل قميصه الممزق بعد الهزيمة الساحقة 7-1 على يد ألمانيا (البرازيل 2014)؛ جدار المشجعين الأيسلنديين المتناغمين وهم يطلقون «تصفيقة الرعد الفايكنجية» (روسيا 2018)؛ ليونيل ميسي وهو يقبل كأس العالم في لحظة خلاص (قطر 2022).
يسرد الكاتب المتخصص في كرة القدم جوناثان ويلسون هذه اللحظات وغيرها في كتابه الجديد «القوة والمجد: تاريخ جديد لكأس العالم». صدر كتاب ويلسون بعد بضعة أشهر فقط من وفاة زميله براين غلانفيل، لذا هناك إحساس بتمرير الشعلة من كاتب لآخر. بدأ غلانفيل في إصدار دراسات بعنوان «كرة القدم حول العالم» في أواخر الخمسينيات، وكتب سيناريو فيلم«جول!»، الفيلم الشهير عن كأس العالم 1966، وبدأ عام 1973 بنشر الأجزاء التي ستكشل لاحقًا ما كتابه «قصة كأس العالم»، مما رسخ مكانته باعتباره الكاتب الناطق باللغة الإنجليزية الأبرز في مجال كرة القدم العالمية. لكن ويلسون يسير في مسارات أكثر تشعبًا من سلفه. يقول إن كتابه «كتاب عن كأس العالم، وعن اللاعبين العظماء والأهداف الرائعة والمباريات الرائعة، لكنه يتناول أيضًا كرة القدم كأداة للتعبير عن الذات وممارسة النفوذ، وعن الدور الذي لعبته في بناء الأمة، وعن الدور الذي تلعبه بشكل متزايد في الوقت الذي تتفاوض فيه الدول على مواقفها في عالم معولم». على سبيل المثال، كان فوز ألمانيا الغربية الذي اتسم بنبرة شبه اعتذارية عام 1954 تأكيدًا حاسمًا على إعادة تأهيلها الدولي، وكانت بطولة ألمانيا الموحدة في عام 2006 أول حدث رياضي كبير لها منذ أولمبياد عام 1936، حيث أصبح العلم الأسود والأحمر والذهبي منتشرًا في كل مكان. وأشعلت مباراة تصفيات كأس العالم عام 1969 التوترات السياسية بين السلفادور وهندوراس، في حادثة اشتهرت بفضل تحفة ريزارد كابوشينسكي، «حرب كرة القدم» (1978). وبحسب ويلسون، حدد هدف «يد الله» لمارادونا مشاعر الإنجليز تجاه الأرجنتين بقدر ما حددتها حرب الفوكلاند. وكان وصول كرواتيا الجديدة إلى الدور نصف النهائي في عام 1998 تبريرًا لوجودها. من «تعليق هربرت زيمرمان من ألمانيا الغربية في ختام نهائي كأس العالم عام 1954، إلى رقصة بابا بوبا ديوب بعد تسجيله هدفًا للسنغال ضد فرنسا عام 2002، ومن تسديدة بيليه المباشرة عام 1958 إلى هدف العويران الرائع ضد بلجيكا عام 1994، ومن هزيمة فرنسا المنهكة في إشبيلية عام 1982 إلى فوز كوريا الشمالية المفاجئ في ميدلسبره عام 1966»، أصبحت كأس العالم جزءًا لا يُمحى من قصص وطنية لا حصر لها.
مارادونا أمام ستة لاعبين في مواجهة بلجيكا والأرجنتين في دور المجموعات في كأس العالم 1982.
إن استعادة هذه السياقات هي ما يمنح تاريخ ويلسون اتساعًا وأهمية. فهو لا يتمتع فقط بالمصداقية الفنية في مجال كرة القدم – فكتابه «قلب الهرم» (2008) يعد نصًّا مقدسًّا لعشاق التكتيكات – بل كتب أيضًا تاريخ كرة القدم الأرجنتينية والإسبانية وأوروبا الشرقية. يمكن لأي عاشق كرة قدم معاصر يستخدم تطبيق «دولينجو» أن يخبرك ما هو «الكاتيناتشو»، لكن قاموس ويلسون يشمل «الريوبلاتينسي» (منافسات الأوروغواي والأرجنتين)، و«الروليجان» (مشجع دنماركي متحمس، ثمل، لكن مسالم) و«الأوكسنشبيس» (سيخ من لحم الثور، صاغته صحيفة بيلد لوصف خط الدفاع الألماني الثابت المكون من أربعة مدافعين مركزيين، قبل أن يأتي الـ«داس ريبوت»، التغيير التكتيكي الذي أدى إلى فوز ألمانيا عام 2014). يتتبع ويسلون جذور وصف الروائية الفرنسية كوليت عام 1930 للاعبي الأوروغواي بأنهم «مزيج غريب من الحضارة والهمجية»، رادًا العبارة إلى الحزب الوحدوي خلال الحرب الأهلية الأرجنتينية (1814-1853). أما دعوة مجلة دير شبيغل إلى «شنق المدرب الخائن [سيب] هيربرغر من شجرة تفاح حامضة» بعد خسارة ألمانيا الغربية بنتيجة 8-3 أمام المجر في دور المجموعات عام 1954، فيفسّرها من خلال فرضية اللاهوتي مارتن شلومان التي تفيد بأن هذا القول لا يُستمد، كما يُفترض عادةً، من ملاحظة قالها لوثر، بل من صورة خشبية للوثر تعود إلى القرن التاسع عشر، أصبحت رمزًا شائعًا لإعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية. يشمل الكتاب أيضًا هوامش حول آثار المذهب الوضعي الكومتي في سياسات أمريكا الجنوبية في القرن التاسع عشر؛ وحول الروابط بين الثقافتين البرازيلية والأفريقية عبر «أوشوسي»، أو روح الصيد لدى شعب اليوروبا التي تُترجم إلى البرتغالية باسم «أوكسوسي»، والتي رُبطت بالقديس سيباستيان، شفيع ريو دي جانيرو؛ وعن فائدة كتاب عالم الأنثروبولوجيا الثقافية إرنست بيكر «إنكار الموت» في فهم البطاقة الحمراء التي حصل عليها زيدان في عام 2006 باعتبارها شكلًا رمزيًا من أشكال الانتحار ردًا على تفكك الأنا. غلانفيل، على الرغم من كونه شخصية مرموقة ومتعددة اللغات، لم يخبرك بكل هذا.
***
تأسست الفيفا عام 1904 كاتحاد للاتحادات الوطنية لكرة القدم. وكان جول ريميه، رئيسها الثالث والأطول خدمةً، هو مهندس كأس العالم. كان ريميه كاثوليكيًا متدينًا تأثر بالرسالة البابوية التي أصدرها البابا ليو الثالث عشر عام 1891 حول «حقوق وواجبات رأس المال والعمالة». وفي عام 1897، أسس ريميه نادي «النجم الأحمر الفرنسي» في باريس، حيث تم نبذ التمييز الطبقي، وتنظيم أمسيات شعرية للمساعدة في تثقيف اللاعبين، وإدانة لعب الهواة باعتباره «ادعاءً معاديًا للمجتمع من قبل الأوليغارشية ذات الامتيازات». ليس من الصعب استشعار رؤية ريميه للفيفا باعتبارها «عصبة الأمم» لكرة القدم، على الرغم من أن ابتعاد الاتحادات البريطانية عن هذه المبادرة في البداية كان بمثابة نذير لعقود من أوهام العظمة البريطانية في مجالي كرة القدم والسياسة. كانت إنجلترا قد قننت كرة القدم عام 1863، وخاضت إنجلترا واسكتلندا أول مباراة دولية معترف بها عام 1872، كما شجع المسؤولون والتجار البريطانيون إنشاء الدوريات وتأسيس الفرق في جميع أنحاء العالم – ومن أشهر الأمثلة على ذلك نادي آي سي ميلان الذي أسسه هربرت كيلبين، ونادي جنوا للكريكيت وكرة القدم، وأتلتيك بلباو، نادي رويال أنتويرب، ونيويل أولد بويز – وفازت بريطانيا بالميدالية الذهبية الأولمبية في كرة القدم في أعوام 1900 و1908 و1912. أما الأوروغواي – الدولة المضيفة لأول بطولة كأس العالم – فقد تأسست في عام 1830، بمساعدة بريطانية، كدولة عازلة بين الأرجنتين والبرازيل. وأدار القنصل العام البريطاني أول مباراة رسمية فيها في حزيران 1881 بين نادي مونتيفيديو للكريكيت ونادي مونتيفيديو للتجديف. أدى الافتراض بأن اللعبة ملك لبريطانيا إلى توليد شعور مدمر بالرضا عن الذات. في اجتماع للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم عام 1919، قال المسؤول في الدوري تشارلز ساتكليف إن حصول إنجلترا على نفس حقوق التصويت في الفيفا مثل الأوروغواي (التي فازت بكأس العالم في عامي 1930 و1950) أو البرازيل (خمس مرات وما زالت مستمرة)، سيكون «تضخيمًا للقزم». وكما يلاحظ ويلسون ببراعة، فإن انعزالية البريطانيين في مجال كرة القدم سمحت لهم بعدم الانزعاج من انتصارات الأوروغواي في الألعاب الأولمبية عامي 1924 و1928 أو في النسخة الأولى من كأس العالم:
كان هناك إحساس بأن الأوروغواي لم تتغلب فحسب على القلق من التأثير الأوروبي، بل عكست اتجاهه، فأعادت اللعبة الأوروبية إلى الأمّ في شكل أكثر تطورًا. وإذا لم يكن هناك نفس التوتر الأوديبي الذي عانى منه، على سبيل المثال، الأدب الإسباني في مواجهة الحداثة اللاتينية الأمريكية، فذلك فقط لأن الآباء الحقيقيين لهذه اللعبة في بريطانيا قد نأوا بأنفسهم [عن احتمال الهزيمة] .
كانت كرة القدم الإنجليزية محترفة منذ عام 1885، وبحلول منتصف العشرينات من القرن الماضي، كانت النمسا والمجر وإيطاليا والولايات المتحدة لديها لاعبون يتقاضون رواتبًا، مما جعلهم غير مؤهلين للمشاركة في الألعاب الأولمبية، لذا كانت الحاجة إلى إقامة مسابقة منفصلة تحت إشراف الفيفا واضحة. وبفضل انتصاراتها الأولمبية بعد الحرب، وبمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس البلاد في عام 1930، كانت الأوروغواي الخيار البديهي لاستضافة البطولة، لكن بدايات المسابقة كانت هشة. نظم ريميه فريقًا فرنسيًّا، لكن المدرب وبعض اللاعبين رفضوا السفر. وتبخرت خطط إيطاليا عندما استقال رئيس لجنتها الأولمبية، الصحفي والفاشي أوغوستو توراتي، بعد الكشف عن تردده على بيت دعارة يمارس فيه السادية والمازوخية. وأرسلت رومانيا فريقًا فقط لأن الملك كارول الثاني، الذي توج حديثًا، أصر على ذلك واختار تشكيلة الفريق بنفسه.
هدف هيكتور كاسترو للأوروغواي في مرمى الأرجنتين، في نهائي أول كأس عالم عام 1930.
كان من المفترض أن تضم البطولة ستة عشر فريقًا متناسقًا بشكل جميل يمثلون مختلف المناطق الجغرافية، لكن الفريقين الآسيويين المدعوين، اليابان وسيام (تايلاند سابقًا)، انسحبا، أما مصر (التي كانت قد وصلت إلى نصف نهائي الألعاب الأولمبية عام 1928) فقد فاتتها السفينة حرفيًا، حيث منعتها عاصفة من اللحاق برحلتها من مرسيليا. كان ملعب «إستاديو سنتيناريو» الرائع في مونتيفيديو أول ملعب في العالم يُبنى من الخرسانة المسلحة، لكن الانهيار الاقتصادي عام 1929 والظروف الجوية السيئة أخرتا البناء، مما رسخ موضوعًا سيصير مألوفًا في كأس العالم وهو المجازفة في البنية التحتية والإسراف في الإنفاق.
على أرض الملعب، كانت الأمور غير احترافية إلى حد كبير: فقد رُسمت نقاط ركلات الجزاء في المكان الخطأ، وانتهت بعض المباريات قبل موعدها، ولا تزال هوية بعض الهدافين مجهولة. غادر قائد المنتخب الأرجنتيني، مانويل فيريرا، المباراة في منتصفها لتقديم امتحانات القانون، وأصيب لاعب خط الوسط الأمريكي آندي أولد بالعمى المؤقت عندما سكب أحد أخصائيي العلاج الطبيعي زجاجة من الكلوروفورم أثناء معالجة شفته المشقوقة. لعبت بعض الفرق بألوان متنوعة، وارتدى خوان إيفاريستو، لاعب الجناح الأيمن الأرجنتيني، قبعة بيريه. كان الحد الذي اتخذت عنده إجراءات تأديبية كفيلًا بتشجيع من يعتقدون أن اللعبة أصبحت ناعمة هذه الأيام: أصبح بلاسيدو غاليندو من بيرو أول لاعب في تاريخ كأس العالم يُطرد من الملعب، لكسره ساق اللاعب الروماني أدالبرت شتاينر. شهدت إحدى المباريات حضور 300 متفرج، وهو أقل رقم مسجل حتى الآن، على الرغم من أن هذا الرقم القياسي قد يكسر حين ينتهي فيه موظفو الحدود التابعون لترامب ووكالة الهجرة والجمارك (ICE) من عملهم. كانت المباراة النهائية بين الأوروغواي والأرجنتين هي بالفعل الديربي الـ111 بين فريقي الريوبلاتينسي. لم يتفقا على الكرة المستخدمة في المباراة، لذا لُعبت الشوط الأول بالكرة التي تفضلها الأرجنتين (صُنعت في اسكتلندا)، والشوط الثاني بالكرة التي تفضلها الأوروغواي (صُنعت في إنجلترا). الحكم البلجيكي، جون لانجينوس (الذي كان قد رسب في امتحان التحكيم الأول لعدم قدرته على الإجابة عن السؤال «ما الإجراء الصحيح إذا اصطدمت الكرة بطائرة تحلق على ارتفاع منخفض؟») كان قلقًا جدًّا على سلامته الشخصية لدرجة أنه رتب مسار هروب فور صافرة النهاية إلى سفينة راسية في ميناء مونتيفيديو. كاد قائد المنتخب الأرجنتيني، لويس مونتي، ألا يلعب بعد تلقيه تهديدًا بالقتل، وحين لعب كان بالكاد موجودًا (كان مونتي عادةً عنيفًا لدرجة أن مدربًا لاحقًا كتب رسالة اعتذار إلى أحد خصومه). فازت الأوروغواي 4-2، وتعرضت سفارتها في بوينس آيرس لهجوم. لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى قلبت كرة القدم مُثُل ريميه رأسًا على عقب وحطمتها. وعلقت مجلة «إل غرافيكو» الأرجنتينية بأن كأس العالم أثبت أنه وسيلة لـ«انعدام الثقافة، والسلوك العنيف، والعاطفة، والشتائم». وكما يلاحظ ويلسون، بات ذلك نمطًا سيستمر حتى اليوم.
***
لا توجد رياضة أكثر أهمية للعالم من كرة القدم، وكما يثبت ويلسون مرارًا وتكرارًا، لا توجد مباراة كرة قدم أكثر أهمية للعالم من كأس العالم. في عام 1966، كتب الكاتب المسرحي البرازيلي نيلسون رودريغز أن «كل مكان له كارثة وطنية لا يمكن إصلاحها، شيء مثل هيروشيما. كارثتنا، هيروشيما الخاصة بنا، كانت الهزيمة أمام الأوروغواي عام 1950». خسرت البرازيل تلك المباراة التي كانت بمثابة نهائي فعلي أمام جمهورها المحلي الذي بلغ عدده رسميًا 173,850 مشجعًا، لكنه ربما تجاوز مئتي ألف، وهو أحد أعلى أرقام الحضور في أي مباراة كرة قدم أُقيمت على الإطلاق. كان المضيفون متعجرفين بشكل مفهوم: فقد كانوا أبطال بطولة أمريكا الجنوبية لعام 1949، بعد أن فازوا بست مباريات من أصل سبع وسجلوا 39 هدفًا. بعد أن عادت الأوروغواي من تأخر بهدف واحد لتفوز 2-1، تم التخلي ببساطة عن حفل التكريم المقرر؛ ولم تستطع البرازيل تحمل خوض مباراة أخرى لمدة عامين تقريبًا. في كتاب «تشريح الهزيمة» كتب باولو بيرديغاو عن الـ«ماراكانازو»: «إنها معركة واترلو[1] الخاصة بالمناطق الاستوائية، وتاريخها هو «غسق الآلهة»[2] الخاصة بنا». كتب روبرتو مويلارت في سيرته الذاتية لحارس مرمى البرازيل مواسير باربوسا أن لقطات تقدم ألكيدس غيغيا لاعب الأوروغواي إلى منطقة الجزاء لتسجيل هدف الفوز كانت معادلة للقطات اغتيال كينيدي: «نفس الحركة، نفس الإيقاع، نفس المسار الحتمي». باربوسا، الذي سمح بدخول الكرة عند القائم القريب، دخل متجرًا بعد عشرين عامًا وسمع امرأة تقول لابنها: «إنه الرجل الذي جعل البرازيل كلها تبكي». وعندما حاولت البي بي سي اصطحابه إلى معسكر المنتخب البرازيلي قبل كأس العالم عام 1994، رُفض دخوله خشية أن يكون سوء حظه معديًّا.
الحارس البرازيلي مواسير باربوسا أثناء تلقيه هدفًا من ركلة جزاء أمام الأوروغواي في مونديال 1950.
وعلى النقيض من ذلك، أصبح انتصار ألمانيا الغربية في سويسرا عام 1954، بعد أن عادت من تأخرها 0-2 أمام منتخب المجر الأسطوري، استعارةً لانتعاش البلاد بعد الحرب. كتب غونتر غراس: «لقد أظهرنا للعالم قيمتنا، لقد عدنا، ولم نعد خاسرين»، وأصبح تعبير «لقد عدنا إلى سابق عهدنا» شائعًا. أما التعليق الإذاعي الشهير لهربرت زيمرمان فهو المقطع الصوتي الألماني الشهير «يعتقدون أن الأمر انتهى»: «هدف لألمانيا! ألمانيا تتقدم 3-2. اعتبروني مجنونًا، اعتبروني معتوهًا!». كانت هذه، كما يقول ويلسون، «الكلمات التي كرست الجمهورية الاتحادية الجديدة». كان كرة القدم قد وفرت مساحة بدا فيها «مقبولًا بشكل غامض الاحتفال بكون المرء ألمانيًّا» مرة أخرى، لكن كان هناك حتمًا الكثير من البحث عن الذات بين الألمان حول المدى الذي يمكنهم الذهاب إليه. وعندما عُزف النشيد الوطني في المباراة النهائية، تجاهل الحشد بقوة التعليمات الرسمية بعدم غناء المقطع الأول – «ألمانيا، ألمانيا فوق كل شيء» – وقامت بعض محطات الإذاعة الخارجية على الفور بإنهاء البث. وفي حفل استقبال رسمي للفريق في حانة في ميونيخ، استشهد رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم، بيكو باوينز (الذي، وفقًا لابنه، قد يكون قتل زوجته اليهودية)، «بـ«ووتان»، الإله الجرماني الأعلى الذي شكلت روحه أساس الجوانب الأكثر صوفية في النازية، قبل أن يتحدث عن أهمية مبدأ الفوهرر (القائد)». وقطعت الإذاعة البافارية البث عن الحدث وفقدت الأشرطة. فضلت النخبة الألمانية الجديدة تفسير أحداث عام 1954 من منظور روح الزمالة بدلًا من الشعبوية؛ وفي إنجلترا عام 1966، كان مدرب ألمانيا الغربية هو هيلموت شون، أحد الناجين من القصف الناري على دريسدن، الذي كان حريصًا على أن يتصرف فريقه بسلوك دبلوماسي. وفي الذكرى الخمسين للنهائي، وصف جيرهارد شرويدر مدينة برن بأنها نصب تذكاري وطني يقف جنبًا إلى جنب مع جمهورية فايمار وسور برلين.
ليس من السهل استكشاف الهويات الكروية التي تظهر في كأس العالم دون الاصطدام بالصور النمطية التي نستمتع باكتشافها في اللعبة. ومن المؤكد أننا نشعر بالرضا حين يتصرف الناس كما نتوقع منهم. لتهدئة أعصابه خلال رحلة جوية مضطربة من الإكوادور إلى المكسيك عام 1970، ثمل جيف أستل، لاعب إنجلترا، لدرجة أنه خرج من الطائرة محمولًا، ونشرت مجلة «إيستو» الصورة مع تعليق «فريق من السكارى». استُبعد بريان روبسون، قائد منتخب إنجلترا، من كأس العالم 1990 في إيطاليا بعد أن تفاقمت إصاباته في الكتف والكعب إثر سقوط سرير على قدمه أثناء محاولته طرد بول غاسكوين، اللاعب الأهم في المنتخب الإنجليزي، من السرير وهو في حالة سكر. وفي كأس العالم 1982 في إسبانيا، أمضى المدرب الأرجنتيني سيزار مينوتي معظم وقته برفقة عارضة أزياء ألمانية وتغيب عن حصص التدريب الصباحية، مما أدى إلى إرهاق الفريق في حرارة الظهيرة، وتشاجر الظهير ألبرتو تارانتيني مع زوجته عارضة الأزياء على الشاطئ، فهددت بصوت عالٍ بأن تنام مع رجل آخر انتقامًا منه. وفي كأس العالم بجنوب أفريقيا عام 2010، قرر المنتخب الفرنسي الغاضب من استبعاد لاعبه نيكولاس أنيلكا أن يُضرب عن اللعب ببساطة. وفي إيطاليا قبل بطولة عام 1982، التي فازوا بها، فإن اختيار المدرب إنزو بيرزوت للمهاجم باولو روسي بعد إيقافه لمدة عامين بسبب فضيحة التلاعب بنتائج المباريات المعروفة باسم «التوتونيرو»، وعدم اختيار العديد من اللاعبين الآخرين، كان مثيرًا للجدل بشكل كبير.
بصق أحد مشجعي روما على بيرزوت، ثم صفع مشجعة إنتر تبلغ من العمر 22 عامًا تدعى آنا سيسي عندما نعتته بـ«القرد الوغد» لأن احتجاجه استثنى لاعبها المفضل، إيفاريستو بيكالوسي. وعندما اعتذر لها لاحقًا وشرح أسبابه، انفجرت بالبكاء واعترفت بأنه كان على حق. احتضنا بعضهما، وتبادلا العناوين، وأصبحا صديقين حميمين لدرجة أن بيرزوت حضر حفل زفافها لاحقًا.
قد يكون هذا أكثر شيء إيطالي سمعته في حياتي (هذا وأنا إيطالي، عن طريق الزواج).
المدرب إنزو بيرزوت محمولًا على الأكتاف بعد فوز إيطاليا بكأس العالم 1982.
لا يمكننا بالطبع أن نذهب بعيدًا في سرد الصور النمطية دون أن نصل إلى التصورات الكاريكاتورية والاستشراق ومشتقاته إلى ما هو أسوأ، بدءًا من النكتة القديمة التي تقول إن مهارة المراوغة الشهيرة للاعبي الأوروغواي جاءت من مطاردة الدجاج في طفولتهم، وصولًا إلى جميع الصور النمطية التي تصور لاعبي الدول النامية على أنهم «متوحشون نبلاء». إدراكًا لهذا، وضع ويلسون بروتوكولًا يمكننا عبره الاستفادة من مفاهيم «الشخصية الوطنية» وتجنب نزواتها: الشرط هو أن تكون هذه الشخصية من صنع الذات، كدلالة رياضية في مجتمعات مخترعة. قال الكاتب الأوروغوياني إدواردو غاليانو: «أرني كيف تلعب، وسأخبرك من أنت». في الأرجنتين، على سبيل المثال:
ما الذي يربط بين المجتمعات الممتدة من غابات توكومان في الشمال إلى التندرا القاحلة في تييرا ديل فويغو في الجنوب، ومن ساحل المحيط الأطلسي إلى مرتفعات جبال الأنديز؟ النشاط الوحيد الذي يجمعهم جميعًا حقًّا هو الاستماع إلى الراديو، وما كانوا يستمعون إليه هو البث المباشر من قاعات التانغو وملاعب كرة القدم. كان دعم المنتخب الوطني أحد الأشياء القليلة جدًّا التي ربطت بين جميع الأرجنتينيين، بغض النظر عن خلفياتهم.
كانت طريقة لعب المنتخب الأرجنتيني تُعتبر تعبيرًا عن الطابع الوطني، وبالطبع كان هذا الطابع يُصوَّر كنقيض للبريطانيين، بعدما شكَّلت حركة التأميم التي قادها خوان بيرون عام 1948 رفضًا قاطعًا لإمبراطوريتهم غير الرسمية. مع اتجاه الأرجنتين أكثر نحو الحداثة، فقدت الصورة القديمة لـ«الغاوتشو»، أو الفارس الخيّال، جاذبيتها لصالح «البيبِه»، أو فتى الشوارع، الذي أصبح عنصرًا أساسيًّا في أساطير الأرجنتين عن نفسها:
عام 1928، طرح الصحفي الأرجنتيني بوروكوتو نظريته القائلة بأن البيبه، الذي يلعب على ملاعب صغيرة غير مستوية في «البوتريروس»، أي الأراضي الخالية وسط المدن الصاخبة، كان عليه أن يتعلم مهارات فنية دقيقة وحسًا بالدهاء أو الحنكة الشوارعية ليعتني بنفسه، وكان عليه أن يُظهر ذلك المزيج من البراعة والاعتماد على الذات الذي يميز الغاوتشو. ومثل الغاوتشو، كان هناك إحساس بأن البيبِه يمثل نقيضًا للبريطانيين؛ فقد كانت طريقة لعب البيبِه بعيدة كل البعد عن أسلوب اللعب القائم على الجري والقدرة على التحمل الذي كان يُمارس على الملاعب العشبية الكبيرة في المدارس البريطانية؛ ففي البوتريروس لم يكن هناك مدرس يحمل صافرة ينتظر التدخل إذا خرجت الأمور عن السيطرة.
لكن في بطولات كأس العالم كانت هناك صافرة. في إنجلترا عام 1966، شعرت الأرجنتين بالغضب من التحكيم الأوروبي، الذي تغاضى عن العنف البدني الأوروبي بينما عاقب الحيل الجنوب-أمريكية. في ربع النهائي، طرد حكم إنجليزي لاعبين من الأوروغواي، بينما في مواجهتهم مع إنجلترا، في الحادثة الشهيرة التي دفعت كين أستون من الفيفا إلى إدخال البطاقات الصفراء والحمراء في البطولة التالية، طرد حكم ألماني قائد الأرجنتين، أنطونيو راتين، بسبب اعتراضه. رفض راتين مغادرة الملعب حتى أخرجه عدة رجال شرطة، ثم جلس بشكل استفزازي على السجادة الحمراء أمام المقصورة الملكية قبل أن يتجه ببطء حول خط التماس تحت وابل من المقذوفات، قابضًا بيده راية الاتحاد البريطاني في زاوية الملعب كإيماءة وداع. بعد المباراة، التي فازت بها إنجلترا برأسية من جيف هيرست، حاول آلف رامزي منع تبادل القمصان المعتاد، ثم أطلق التعليق الذي سيصف علاقة إنجلترا بفرق أمريكا الجنوبية لعقود: «أفضل أداء كروي لنا سيكون أمام المنافس المناسب؛ الفريق الذي يأتي ليلعب كرة القدم، ولا يتصرف كالحيوانات».
الأرجنتيني أنطونيو راتين قابضًا العلم البريطاني وهو يغادر الملعب بعد طرده من نصف نهائي كأس العالم 1966 أمام إنجلترا.
هذه الاختلافات لا تزال قائمة. تعرض حارس مرمى الأرجنتين الحالي، إميليانو مارتينيز، لانتقادات واسعة في أوروبا بسبب تصرفاته قبل ركلات الترجيح التي حسمت نهائي كأس العالم الأخير، ضد فرنسا في قطر. «لا يمكن أن أظهر بمظهر أحمق في المرمى، وأربك خصمي وأتجاوز الحدود… أنا رجل عقلاني وصادق بما يمنعني من أن أتصرف بهذه الطريقة. لا أعرف كيف أفوز بهذه الطريقة»، قال نظيره الفرنسي هوغو لوريس. سخر الأرجنتينيون من هذا التظاهر بالصدمة والتفوق الأخلاقي، فبالنسبة لهم، نجح الأمر، وأهدرت فرنسا فرصتين، وفازت الأرجنتين. في كأس العالم بإيطاليا عام 1990، أطاحت الأرجنتين بالبرازيل بهدف وحيد في الدقائق الأخيرة، سُجل بعد فترة وجيزة من إلقاء المعالج الفيزيائي الأرجنتيني ميغيل دي لورينزو زجاجة مشروب مخلوطة بمهدئ إلى الظهير الأيسر للبرازيل، برانكو. بالطبع، كان دييغو مارادونا حينها البيبه الذهبي، فقد جسّد هدفاه في مباراة إعادة ربع النهائي عام 1986 الوجهين المتلازمين للبيبِه:
أولًا، عندما دفع بيده الكرة التي أخطأ ستيف هودج في إبعادها لتتجاوز الحارس بيتر شيلتون، فكان هناك المكر، و«القاعدة الأخلاقية» التي تقول إن الصواب هو كل ما يمكنك الإفلات به. ثم جاءت البراعة، حيث دار في نصف ملعبه وتوغل بين مدافعي إنجلترا ليسجل «الهدف الذي تحلم به وأنت طفل في البوتريرو».
استمر إجلال الأرجنتينيين لمارادونا ليس على الرغم من روحه المناهضة للقواعد، بل بسببها، حتى بعد عام 1991، عندما فشل في اختبار الكشف عن المنشطات بعد أن عجز عن استخدام حيلته المعتادة المتمثلة في استخدام بول شخص آخر، عبر قضيب اصطناعي. عُرض القضيب لاحقًا في متحف ببوينس آيرس كأثر شبه ديني (قبل أن يُسرق). حتى كلمة «شبه» هنا ليست في مكانها، بالنظر إلى أنه أنه يُعرف في الأرجنتين ببساطة باسم «D10S»، وهو مزيج من الحرف الأول من اسمه ورقم قميصه، يشكّل الكلمة الإسبانية التي تعني «الله».
هدف مارادونا الثاني في مرمى إنجلترا في نصف نهائي مونديال 1986، الملقب بـ«هدف القرن».
تقدم البرازيل مثالًا ثريًّا آخر على كرة القدم باعتبارها صورة ثقافية للذات. كتب عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا المؤثر جيلبرتو فريري الذي صاغ مصطلح «فن كرة القدم» لوصف جماليات اللعبة، في صحيفة «كوريو دا مانيا» في اليوم السابق لنصف النهائي عام 1938 ضد إيطاليا: «يبدو أن أسلوبنا في لعب كرة القدم يتناقض مع الأسلوب الأوروبي بسبب مجموعة من الخصائص مثل المفاجأة، والمكر، والدهاء، والاستعداد، والبراعة الفردية، والعفوية، وكلها تعبر عن كوننا «مولاتوس» [أي مختلطين عرقيًا بين العرق الأفريقي والأوروبي]». كان كتاب فريري «السادة والعبيد» في الصادر عام 1933 قد جعله «كاهنًا أعلى» لـ«اللوسوتروبيالية»، وهي الفكرة التي ترى أن السمة المميزة للثقافة البرازيلية هي «التدفق النشط للدماء الموريسكية[3] والزنجية»، وهي فكرة كان لها تأثير هائل على تصور البلاد لذاتها. كانت المثالية الكامنة وراء هذه الفكرة واضحة: فقد سعت إلى طمس إرث العبودية في البرازيل والتوترات العرقية التي كانت تعاود الظهور كلما خسر المنتخب. وعلى الرغم من التصنيف النمطي لكرة القدم البرازيلية ككرة عفوية نابعة «من الشاطئ إلى الملعب»، فإن انتصاراتها في كأس العالم كانت غالبًا قائمة على الاهتمام التقني بالتفاصيل الدقيقة خارج الملعب. لتحقيق فوزها الأول في عام 1958، استعان الاتحاد بجيش من الكشافين والأطباء والمدربين، ودرس 25 موقعًا قبل أن يستقر على قاعدته التدريبية، واستبدل جميع الموظفات البالغ عددهن 28 امرأة برجال لتجنب أي تشتيت للانتباه. لكن الصحفي البرازيلي العظيم ماريو فيلهو (الذي سُمي ملعب ماراكانا رسميًا على اسمه)، في كتابه الصادر عام 1947 «الزنجي في كرة القدم البرازيلية»، عمّم فكرة أن «المولاتوية» تفسر الصفات الفريدة لأسلوب اللعب الذي كان سيضمن للبرازيل الاحتفاظ الدائم بكأس جول ريميه بعد فوزها الثالث عام 1970. وكما كانت الهوية الأرجنتينية رفضًا لإرثها الثقافي البريطاني، فإن تجسيد البرازيل لـ«اللوسوتروبيالية» كان رفضًا للافتراضات الأوروبية حول العواقب السلبية للتهجين العرقي.
***
بفوزهما بخمس وثلاث بطولات كأس العالم على التوالي، تُعد البرازيل والأرجنتين حالتين دراسيتين واضحتين للثقافة الكروية. لكن إحدى المزايا العظيمة للتاريخ الذي يقدمه ويلسون في كتابه هي أنه لا يتجاهل الفرق التي لم ترفع الكأس قط. ففوز المجر على إنجلترا بنتيجة 6-3 في ويمبلي عام 1953 كان فوزًا ذا مكانة أسطورية، لكنه لم يكن مفاجأة: فقد احتلت المجر المركز الثاني في كأس العالم بفرنسا عام 1938، وفريقها الملقب بـ«الأرانيتشابات» (الفريق الذهبي)، الذي كان فيرينك بوسكاش قلبه النابض، كان قد فاز بالميدالية الذهبية الأولمبية في هلسنكي عام 1952. كان الانتصار الساحق للمجر عام 1953 هو المرة الأولى التي يفوز فيها أي فريق بخلاف اسكتلندا في ويمبلي، وكما يلاحظ ويلسون، «بدت الرمزية واضحة: فقد ذهبت المجر الاشتراكية الحديثة والحيوية إلى استاد الإمبراطورية، كما كان ويمبلي يسمى آنذاك، والذي كان تصميمه يستحضر صراحةً أعمال لوتينز في نيودلهي، جوهرة الإمبراطورية، وكشفت عن النزعة المحافظة لإنجلترا القديمة المتحجرة البطيئة». الرواية السائدة عن هذه المباراة هي أنها كانت اللحظة التي انكشفت فيها أوهام إنجلترا بقوتها العظمى، أو ما يُعرف بـ«سويس كرة القدم»، مما أدى إلى ثورة تكتيكية دفعتها إلى الفوز بكأس العالم عام 1966 تحت قيادة آلف رامزي، الذي كان قد شاهد عن قرب مرونة المجريين وقدراتهم الرياضية عام 1953 عندما كان يلعب كظهير أيمن مذهول في آخر مباراة دولية له.
كنت أتساءل في السابق عما إذا كان من «الأنجلو-مركزية» أن نطلق على هذه المباراة لقب «مباراة القرن»، لكن عندما زرت بودابست، كانت الكلمات القليلة التي يتحدثها كل نادل باللغة الإنجليزية تتضمن عبارة «6-3 – آسف!». إن كان هناك ما يمكن قوله، فهو أن الإنجليز محظوظون لأن مباراة عام 1953 هي التي أُسطرت: ففي العام التالي، توجه منتخب إنجلترا المحدّث إلى بودابست ساعيًا للانتقام، لكنه خسر بنتيجة 7-1. لكن من غير المناسب تاريخيًا اختزال ماضي كرة القدم المجرية بدورها كشرارة انطلاق لبطولة 1966. فكما يوضح ويلسون، «في السنوات التي فصلت بين الحربين العالميتين، كانت المجر الدولة الأكثر تأثيرًا في عالم كرة القدم، حيث أنتجت لاعبين من الطراز الرفيع ومدربين مبتكرين بأعداد كافية للحفاظ على مستوى محلي مرتفع للغاية، كما ساهمت في تشكيل ملامح اللعبة في إيطاليا وألمانيا والدول الاسكندنافية وفرنسا ويوغوسلافيا وأمريكا الجنوبية». ولذلك، كانت خسارة المجر أمام ألمانيا الغربية في نهائي عام 1954 في برن إحدى المآسي الحقيقية في تاريخ كرة القدم. كانت المجر لم تُهزم في 32 مباراة على مدار أربع سنوات، وكانت قد هَزمت ألمانيا الغربية 8-3 في وقت سابق من البطولة، وكانت متقدمة 2-0 في المباراة النهائية بعد ثماني دقائق. لكن الملعب المشبع بالمياه أعاق أسلوب التمرير المجري، في حين زودت شركة «أديداس» الألمان بأحذية ذات مسامير لولبية ساعدتهم على التغلب على الأمطار. عادت ألمانيا الغربية لتفوز 3-2؛ سددت المجر الكرة مرتين في العارضة، وسجل بوشكاش، الذي كان يلعب وهو يعاني من كسر دقيق، هدف تعادل ألغي بداعي التسلل، في حالة بقيت مثيرة للجدل. لطالما اشتبه المجريون في تعاطي الألمان للمنشطات، وأشارت دراسة أجرتها جامعتان ألمانيتان عام 2013 إلى أن لاعبي ألمانيا الغربية قد حقنوا بـ«البيرفيتين»، وهو نوع من الميثامفيتامين كان يُعطى للجنود النازيين أثناء الحرب. بعد البطولة، تعرضت شقق اللاعبين المجريين لهجمات، وكان بوشكاش يتلقى الصراخ كلما ذهب إلى أي مكان. خسرت ألمانيا الغربية تسع مباريات من أصل اثنتي عشرة مباراة بعدها، بينما ظلت المجر دون هزيمة لمدة 18 مباراة. أي أنهم على مدى ما يقرب من ست سنوات، لم يخسروا سوى مباراة واحدة من أصل 51 مباراة، وهي المباراة النهائية لعام 1954. بعد انتفاضة عام 1956، انشق بوشكاش وكوتشيس وتشيبور وجميع لاعبي المنتخب تحت 21 عامًا. كانت تلك نهاية «الأرانيتشابات». يكتب ويلسون: «بدلًا من أن تكون ذروة مجد العصر الذهبي لكرة القدم المجرية، باتت برن رعشة موتها الأخيرة».
المجري فيرنيك بوشكاش أمام لاعبين من ألمانيا الغربية في نهائي كأس العالم 1954.
هناك ثقافة كروية أخرى بالغة التأثير، لكن فقيرة بالبطولات: الثقافة الهولندية. لم تشارك هولندا في أي كأس عالم بعد الحرب حتى عام 1958، وقبل بطولة عام 1970، كانت الفرق الوحيدة التي هزمتها في التصفيات هي لوكسمبورغ وألبانيا. ومع ذلك، وصلت إلى النهائي في أعوام 1974 و1978 و2010. عن أول تلك النهائيات، يكتب ويلسون: «لم يكن لأي فريق تأثير مثل تأثير هولندا عام 1974، ولم يحظَ أي مدرب في فترة ما بعد الحرب بشعبية مثل رينوس ميشيلز». ورغم أن المبادئ الأساسية لـ«كرة القدم الشاملة» – المرونة في المواقف، ورفض الأدوار الثابتة على أرض الملعب، ونسبة عالية من الاستحواذ على الكرة من قبل لاعبين يتمتعون بالذكاء والتقنية والقدرة على الحركة المطلوبة – ترتبط أحيانًا بفرق مثل «الفوندرتيم» (فريق العجائب) النمساوي في الثلاثينيات أو «الأرانيتشابات» المجري، فإن فريق أياكس المبتكِر الذي هيمن على كأس أوروبا في أوائل السبعينيات، والذي دربه ميشيلز في البداية، وكان يوهان كرويف في قلبه، هو الذي أرسى هذا المصطلح. يبرع ويلسون في ربط «التوتال فوتبول» بسياقاتها الهولندية، موضحًا أن دلالاتها مستمدة من النظرية المعمارية الهولندية، حيث كتب المعماريون الحداثيون مثل جاب باكيما عن «التحضر الشامل» و«البيئة الشاملة» و«الطاقة الشاملة»: «بالمثل، كانت كرة القدم الشاملة تستند إلى فهم اللاعبين لعلاقتهم باللاعبين الآخرين داخل النظام، وتحديد أدوارهم وفقًا لذلك». وبشكل أوسع، فإن جاذبية المبادئ التكتيكية لـ«كرة القدم الشاملة» تكمن في ارتباطها بنوع من الفكر المناهض للنظام السائد: «رفض السلطة والاستعداد للتشكيك في كل شيء، وحب التناقض، وإحساس بأن اللعب أمر يجب أخذه على محمل الجد؛ فالضغط والدفاع عن طريق الركض إلى الأمام، كانا أمرين يتعارضان مع البديهة».
هزيمة هولندا في جميع نهائيات كأس العالم الثلاث التي وصلتها تتفوق في حزنها على الحزن الذي أحاط بفريق المجر الذهبي. عام 1974، اهتزت معنويات الفريق بسبب تقارير صحفية عن حفلة سباحة عارية في فندقه، وبدا الهولنديون أكثر اهتمامًا بتلقين درس في كرة القدم للبلد المضيف، ألمانيا الغربية، من اهتمامه الفوز: «لقد نسينا تسجيل الهدف الثاني»، كما قال الجناح جوني ريب واصفًا أداء فريقه في النهائي. عام 1978، كان الفريق يفتقد يوهان كرويف، الذي تعرضت عائلته لعملية سطو عنيفة في برشلونة، فخسروا أمام البلد المضيف الأرجنتين، التي أعيد تشكيلها على غرار هولندا بعد أن دفعت الهزيمة أمام الهولنديين قبل أربع سنوات مدربهم، سيزار مينوتي، إلى نبذ الأسلوب الذي اتبعته الفرق الأرجنتينية السابقة. وبحلول عام 2010، لم يعد الهولنديون يجدون العزاء في كونهم ألهموا بقية العالم بطريقة لعبهم. جاء في إعلان لشركة «نايكي» بُث في هولندا قبل البطولة: «كرة القدم لا تكتمل دون الفوز. الهزيمة الجميلة تظل هزيمة». كانت المباراة النهائية قاسية، حيث أُشهرت 14 بطاقة صفراء (وهو عدد يمكن القول إنه كان متحفظًا مقارنة بسير المباراة) وطرد المدافع الهولندي جون هيتينغا. تأكيدًا على المبادئ القديمة المتشددة، لم يكن كرويف، الذي كان يبلغ من العمر 63 عامًا آنذاك، محبطًا من هذه الهزيمة الثالثة بقدر ما كان محبطًا من الطريقة التي حدثت بها. «ظننت أن بلدي لن يجرؤ أبدًا على اللعب بهذه الطريقة ولن يتخلى أبدًا عن أسلوبه الخاص في اللعب»، قال كرويف. بالنسبة له، كانت المباراة «بذيئة، مبتذلة، قاسية، مغلقة… وبالكاد يمكن اعتبارها كرة قدم».
الحكم يشهر البطاقة الحمراء في وجه الهولندي جون هيتينغا في نهائي كأس العالم 2010 أمام إسبانيا.
بحلول ذلك الوقت، كانت مبادئ كرويف قد انتقلت إلى منافس هولندا عام 2010: إسبانيا، حيث تُرجمت «التوتال فوتبول» إلى «خويغو دي بوسيسيون»، أو «لعبة الاستحواذ». عام 1971، انتقل ميشيلز من أياكس إلى برشلونة، وانضم إليه كرويف عام 1973. أصبح كرويف نفسه مدربًا لبرشلونة في عام 1988، وتبعه لاحقًا الهولنديان لويس فان غال وفرانك ريكارد. كانت النتيجة تاريخًا كرويًا حيًا: فريقا برشلونة وإسبانيا اللذان هزما كل شيء في أوائل القرن الحادي والعشرين؛ وخط إنتاج أكاديمية «لا ماسيا» الذي أخرج بوسكيتس، وتشافي، وإنييستا، وفابريغاس؛ التيكي تاكا ومدرسة غوارديولا (الذي سبق أن قال «كرويف بنى الكاتدرائية، ومهمتنا هي ببساطة صيانتها»)؛ مواعظ المحللين حول هندسة المساحات؛ الأظهرة المتقدمون، ولاعبي الوسط المدافعون، والحراس صانعو الفرص، والمهاجمون الوهميون؛ كرة القدم الشاملة التي حصلت متأخرًا على حقها في البطولات، وتاجها المتمثل في كأس العالم.
لكن ويلسون يقدم لنا تفسيرًا أكثر تعقيدًا بكثير لانتقال «كرة القدم الشاملة» من هولندا إلى إسبانيا مقارنة بالتفسير السهل الذي يركز على الشخصيات. كانت النقطة الأساسية هي تغير الظروف التي كانت تُقام فيها المباراة. «وصلت تكنولوجيا الملعب والمعدات إلى مرحلة أصبح فيها اللاعبون قادرين على الوثوق بلمستهم الأولى، وبالتالي تمكنوا من التركيز في وقت أبكر بكثير على التمريرات التالية في التسلسل بدلًا من القلق بشأن ارتداد الكرة الذي قد يكلفهم فقدان الاستحواذ». أدت التغييرات في قانون التسلل إلى توسيع مساحة اللعب، كما أن الحملة الصارمة ضد «التدخلات الترهيبية» حمت اللاعبين المبدعين الذين كانوا يصابون في كثير من الأحيان (مثل بوشكاش عام 1954، وبيليه عام 1966، ومارادونا طول الوقت). لم تكن هذه الثورة الكروية إسبانية بقدر ما كانت كتالانية. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، أصبحت هجرة اللاعبين الإسبان وارتقاؤهم، وتقاعد كرة القدم الإسبانية القديمة والأكثر فظاظة («لا فوريا روخا» أو الغضب الأحمر) لصالح فلسفة أجنبية تقدمية، تشكل مظاهر رياضية لانفتاح إسبانيا على العالم ما بعد حقبة فرانكو. كان فيسنتي ديل بوسكي، الذي درب المنتخب الإسباني عام 2010، منظمًا نقابيًّا سابقًا قضى والده ثلاث سنوات في السجن خلال الحرب الأهلية لتخزينه منشورات مؤيدة للديمقراطية. وكما يضيف ويلسون، «ليس من قبيل المصادفة أن هذا الأسلوب، الذي بُني على الأسس التي أرساها رينوس ميشيلز ويوهان كرويف في السبعينيات، قد تطور في برشلونة، في منطقة تضع نفسها عن قصد في مواجهة المعتقدات السائدة لدى المؤسسة الإسبانية».
***
إن كانت كرة القدم نفسها قد قوّضت سريعًا مثالية جول ريميه التأسيسية، فإن السياسة سارعت إلى توجيه الضربة الثانية. عندما مُنحت إيطاليا حق استضافة بطولة عام 1934، أعلن رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم، جورجيو فاكارو، أن هذه فرصة لإظهار «الكفاءة التنظيمية للرياضة الفاشية بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص، مع تسليط الضوء، في أوقات ما يُسمى بـ«الأزمة»، على مواردنا الوطنية اللامحدودة». زُينت الهدايا التذكارية وتذاكر المباريات بشعار الحُزيمة الفاشي، كما أوعز موسوليني بصناعة الـ«كوبا ديل دوتشي» (كأس القائد)، الذي بلغ طوله ست أضعاف طول كأس العالم، ليكون جائزة إضافية للفائز.
والفائز كان إيطاليا: كتبت المجلة الأسبوعية الفلورنسية «إيل بارجيلو» أنهذا الفوز كان «شهادة جدارة لشعب بأكمله، ودليلًا على قوته الرجولية والأخلاقية». كان ذلك قبل عامين من دورة الألعاب الأولمبية الأكثر شهرة في برلين عام 1936، التي أشرفت على تنظيمها المخرجة النازية ليني ريفنشتال (والتي حضر فيها هتلر مباراة كرة القدم الوحيدة في حياته، والتي انتهت بهزيمة ألمانيا بنتيجة 2-0 أمام النرويج). بالتالي، كانت النسخة الثانية من كأس العالم إعلانًا مبكرًا عن الدور الذي يمكن أن تؤديه البطولة في خدمة المضيفين القمعيين سياسيًا. حتى كأس العالم عام 1970 في المكسيك، الذي يُنظر إليه بعين العاطفة، «يصبح حدثًا أكثر شؤمًا بكثير، بمجرد أن تنظر إلى ما وراء تألق كرة القدم البرازيلية»، كما يذكرنا ويلسون. «فقد كان حزب المؤسسة الثورية الحاكم في المكسيك قمعيًا وقادرًا على ممارسة العنف الشديد»، وهو ما أثبته عندما قتل حوالي 400 متظاهر مناهض للأولمبياد قبلها بعامين، بينما قُدم الفوز في البرازيل على أنه جزء من «المعجزة البرازيلية» للديكتاتور العسكري الجنرال إميليو ميديتشي.
تولى الجنرال خورخي فيديلا السلطة في الأرجنتين من عام 1976 إلى عام 1981. وخلال «الحرب القذرة»، التي استمرت حتى عام 1983، قُتل ما يُقدَّر بثلاثين ألف شخص واختُطف آلاف آخرون وسُجنوا وتعرضوا للتعذيب. بعد عامين من الانقلاب العسكري الذي جاء بفيديلا للسلطة، والذي أيدته الولايات المتحدة، استضافت الأرجنتين كأس العالم. كان النظام في حاجة ماسة إلى الشرعية لدرجة أنه أنفق 700 مليون دولار على البنية التحتية وتجديد الملاعب، أي أكثر من عشرة أضعاف التقدير الأولي للكلفة، بما شمل بناء جدار خرساني على طول الطريق السريع من إيزيزا إلى وسط بوينس آيرس لإخفاء «الفياس ميزيرياس» (الأحياء البائسة) عن أنظار الزوار الذين كانوا أقل بكثير من المأمول. وخلال الاحتفالات التي اندلعت في الشوارع عقب انتصارات المنتخب الأرجنتيني، اقتيد السجناء السياسيون في جولات بالسيارات عبر المدينة، لتخويف غيرهم من المعارضين. حثت منظمة العفو الدولية الصحافة الأجنبية على تغطية ما وراء كرة القدم، لكن قلة منها فعلت ذلك. كان فريتس باريند من صحيفة «فري نيديرلاند» الهولندية استثناءً نبيلًا: مستخدمًا بطاقته الصحفية، توجه إلى ساحة مايو لمشاهدة التجمع الأسبوعي لأمهات المختفين، وأجرى مقابلات مع المعارضين. وباستخدام بطاقة هوية المدافع الهولندي ويم ريسبيرغن، تمكن باريند من دخول حفل العشاء الذي أُقيم بعد البطولة وسأل فيديلا، الذي بدا في حيرة من أمره، عن المختفين (فتمتم بإجابة تتعلق بالطعام). كان الجنرال قد قال إن على لاعبيه «واجب إثبات جودة الرجل الأرجنتيني»، وهي عبارة كان من الممكن، لو تم تغيير صيغتها، أن تكون صادرة مباشرة عن موسوليني في عام 1934 أو هتلر في عام 1936. يقول ويلسون: «من المستحيل أن تنظر إلى لقطات فيديلا وهو يبتسم، وترى شعره المصفف بعناية يتلألأ تحت الأضواء الكاشفة، وهو يسلم الكأس إلى دانييل باساريلا دون أن تشعر بالغثيان». قدّرت اللجنة الأرجنتينية لحقوق الإنسان أن 48 معارضًا قُتلوا خلال بطولة عام 1978. لذا، فإن «الغسيل الرياضي» الذي يلطخ اللعبة المعاصرة ليس تطورًا حديثًا على الإطلاق.
الدكتاتور الأرجنتيني خورخيه فيديلا وهو يستعد لتسليم كأس العالم لمنتخب الأرجنتين عام 1978.
لم يقتصر تأثير السياسة على كرة القدم على الاستعراضات القومية للبلدان المضيفة. في أواخر آذار 1938، مباشرة بعد «الأنشلوس» أو ضم النمسا، وقبل حوالي عشرة أسابيع من انطلاق أول كأس عالم في فرنسا، تلقت الفيفا برقية من الاتحاد النمساوي لكرة القدم، جاء فيها: «نأسف لإلغاء التسجيل في كأس العالم. الاتحاد النمساوي لكرة القدم لم يعد موجودًا». كان ذلك التدخل الأكثر وضوحًا للنظام العالمي المتغير في بطولة عام 1938، لكنه لم يكن الوحيد. فقد اختيرت فرنسا لتكون الدولة المضيفة لأن الفيفا اعتقدت أنها أقل احتمالًا لاستغلال البطولة مقارنة بأحد القوى الفاشية، ولم تشارك إسبانيا بسبب الحرب الأهلية، وانسحبت اليابان عقب غزوها للصين. واحتج المنفيون المناهضون للفاشية على وصول المنتخب الإيطالي ووجهوا الشتائم للاعبيه طوال المباريات. وكان منتخب الأنشلوس الألماني منقسمًا: فقد عُرض على قائد «الفوندرتيم» النمساوي، والتر ناوش، منصب مدرب إذا طلق زوجته اليهودية، ولذلك هرب إلى سويسرا. فازت إيطاليا على المجر المرشحة للفوز بنتيجة 4-2 في النهائي، حيث أدى اختيار بعض اللاعبين المثير للجدل إلى انتشار شائعة بأن المجريين تخلوا عن المباراة عمدًا لكسب ود إيطاليا من أجل مراجعة معاهدة تريانون.[4] كانت هذه آخر بطولة كأس العالم قبل عام 1950، عندما انتقلت البطولة (ومعها العديد من مجرمي الحرب) إلى البرازيل. كان أوتورينو باراسي، وهو مسؤول رياضي إيطالي ساعد في تنظيم كأس العالم عام 1934، قد تعهد برعاية كأس «جول ريميه»، وبعد أن غزت ألمانيا إيطاليا في أيلول 1943، هرّب الكأس إلى أقاربه في فوجيا بجنوب إيطاليا، لتبقى مخبأة لمدة عامين في برميل من زيت الزيتون البكر. وعندما طلب الاتحاد البرازيلي مشورته التنظيمية في عام 1950، تمكن من تسليم الكأس.
بطبيعة الحال، كانت ألمانيا الغربية عام 1974 مسرحًا لعدة مناوشات في إطار الحرب الباردة، حيث تأهلت ألمانيا الشرقية للمرة الوحيدة في تاريخها، لكن الاتحاد السوفييتي غاب عن البطولة لأنه رفض، لأسباب أيديولوجية، المشاركة في مباراة كان يفترض أن تجمعه بتشيلي، البلد المضيف. كان من المقرر إقامة المباراة في استاد «إستاديو ناسيونال» في العاصمة سانتياغو في تشرين الثاني 1973، بعد شهرين من الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال أوغستو بينوشيه. في الأسابيع التي تلت الانقلاب، سيق آلاف السجناء السياسيين إلى الملعب، وتعرض الكثيرون منهم للتعذيب، وقُتل ما يصل إلى 300 شخص. في تقريرها الاستقصائي، المتسق مع تجاهلها المعاصر لحقوق الإنسان، قالت الفيفا إن «الأشخاص الموجودين هناك ليسوا سجناء، بل مجرد محتجزين لم يتم تحديد هويتهم بعد»، مضيفة أن «العشب على أرض الملعب في حالة ممتازة». أرسل الاتحاد السوفييتي لكرة القدم برقية إلى الفيفا يؤكد فيها أن رياضييه لن يلعبوا في «ملعب ملطخ بدماء الوطنيين التشيليين»، لكن رئيس الفيفا حينها، ستانلي روس، أصر على إقامة المباراة في ذلك المكان. في أواخر تشرين الثاني، بعد نقل «المحتجزين» إلى معسكر في صحراء أتاكاما، انطلقت المباراة التي سدد فيها اللاعبون التشيليون الكرة نحو شباك خالية، وحُكم لهم بالفوز بنتيجة 2-0. يقول ويلسون: «كان هناك إحساس بأن الجغرافيا السياسية لم تكن حاضرة في كأس العالم بهذا القدر منذ ثلاثينيات القرن العشرين كما كانت في عام 1974، في زمن الانقلابات التي قادتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والمخبرين الشيوعيين، والإرهاب الداخلي».
منتخب تشيلي يلعب وحيدًا بعدما رفض منتخب الاتحاد السوفييتي مواجهته في كأس العالم 1974، في الملعب الذي شهد مجزرة بحق معارضي انقلاب بينوشيه العسكري.
عام 1978، في مباراتها الأخيرة في دور المجموعات، كانت الأرجنتين بحاجة إلى تسجيل أربعة أهداف على الأقل في مرمى البيرو والفوز بفارق ثلاثة أهداف على الأقل لتتقدم على البرازيل وتتأهل في البطولة. فازت الأرجنتين بنتيجة 6-0. قبل انطلاق المباراة، زار الجنرال فيديلا وهنري كيسنجر غرفة ملابس الفريق الضيف، وتمنيا الحظ السعيد للبيروفيين المرتبكين بأسلوب ساخر لا لبس فيه، على غرار زعماء المافيا. يُعتقد أن المباراة تم التلاعب بنتائجها كجزء من «عملية كوندور»، وهي اتفاقية بين الأنظمة الديكتاتورية في أمريكا الجنوبية، دعمتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، للتعاون ضد المعارضين. كان فيديلا قد اتفق مع القائد العسكري البيروفي، فرانسيسكو موراليس بيرموديز، على أن تعذب الأرجنتين 13 معارضًا بيروفيًا إذا حققت النتيجة المطلوبة. لكن بعد أربع سنوات، لم تكن «السياسة الواقعية» في صالح لاعبي الأرجنتين. ففي نيسان 1982، غزت الأرجنتين جزر فوكلاند، أو المالفيناس، التي تعدها أراض محتلة، والتي تسيطر عليها بريطانيا منذ عام 1841. ضغطت بريطانيا من أجل استبعاد الأرجنتين من كأس العالم الذي أُقيم في صيف ذلك العام في إسبانيا، لكن الأخيرة رفضت، ممتنعةً عن دعم قرار أممي يعتبر الأرجنتين معتدية، وذلك على خلفية سيطرة بريطانيا على جبل طارق، ورفضها الاعتراف بالسيادة الإسبانية فيه. كان هناك حديث في بريطانيا عن مقاطعة البطولة، لكن مارغريت تاتشر، التي لم تكن تعرف الكثير عن كرة القدم أو سجلات منتخبات الاتحاد البريطاني في البطولات، رأت أن أداء هذه المنتخبات سيرفع معنويات القوات. في النهاية، خرجت اسكتلندا من الدور الأول للمجموعات، بينما خرجت إنجلترا وأيرلندا الشمالية من الدور الثاني. بالنسبة للأرجنتين، كانت كرة القدم والحرب أمرين لا ينفصلان. كان خوسيه ليونيداس أرديلس، وهو طيار في سلاح الجو يبلغ من العمر 28 عامًا قتل في الحرب حين أسقطت طائرته، ابن عم لاعب خط الوسط أوزفالدو أرديلس. وكان التلفزيون الحكومي الأرجنتيني يخلط لقطات من معارك أخرى، تُستخدم للإيحاء بأنهم كانوا ينتصرون، مع مقاطع من بطولة 1978 التي توجت بالانتصار. قبل انطلاقه إلى إسبانيا، وقف الفريق أمام لافتة كُتب عليها «المالفيناس أرجنتينية»، بينما علق مدربهم، مينوتي، قائلًا: «لكل رجل دوره في النضال. في هذه اللحظات، هناك وحدة وطنية في مواجهة الاستعمار والإمبريالية البريطانية». في أوروبا، شاهد اللاعبون تقارير إخبارية كشفت زيف ادعاءات المجلس العسكري. يوم الافتتاح، خسرت الأرجنتين أمام بلجيكا، وفي اليوم التالي سقطت مدينة بورت ستانلي بيد البريطانيين، واستسلمت الأرجنتين (ثم أُقصيت في الدور الثاني).
في بعض الأحيان، كان اللاعبون أنفسهم الضحايا المباشرين للظروف السياسية. في ألمانيا الغربية عام 1974، وفي اللحظة التي كان فيها البرازيلي ريفيلينو على وشك تنفيذ ركلة حرة، انطلق مدافع زائير [الكونغو الديمقراطية اليوم] مويبو إيلونغا من الحائط الدفاعي وأرسل الكرة إلى الطرف الآخر من الملعب. «لماذا فعل ذلك بحق السماء؟» سأل معلق البي بي سي جون موتسون في حيرة شديدة، قبل أن يعزو ذلك، بالتعالي الذي يُبديه عادةً تجاه الدول الناشئة في عالم كرة القدم، إلى «لحظة غريبة من البراءة الأفريقية». كان الرئيس موبوتو مهتمًا بقدرة كرة القدم على تعزيز نظامه، وتباهى بحقيقة أن زائير كانت أول دولة أفريقية سوداء تتأهل لكأس العالم، بل وساعد حتى في تصميم زيهم الرسمي. لكن المنازل والسيارات والمكافآت المالية التي وُعد بها اللاعبون لم تتحقق، وبعد هزيمة أمام اسكتلندا ثم 9-0 أمام يوغوسلافيا، حذر المسؤولون الحكوميون اللاعبين من أنهم إذا استقبلوا أكثر من ثلاثة أهداف في المباراة الأخيرة من دور المجموعات ضد البرازيل، فلن يروا عائلاتهم أبدًا. من جانبها، كانت البرازيل تعلم أن الفوز بثلاثة أهداف سيضمن تأهلها، وكانت متقدمة 3-0 عندما مُنحت ركلة حرة في الدقيقة 79. «أصابني الذعر»، يتذكر إيلونغا. «ظننت أنني أستطيع إضاعة بعض الوقت إذا ركلت الكرة بعيدًا، وشعرت بالسخافة لأن الجماهير واللاعبين البرازيليين بدأوا يضحكون.. [لكننا] كنا نلعب من أجل حياتنا». استُرجعت الكرة، وربما بعد أن ضاعت بضع ثوانٍ حاسمة من الوقت، انتهت المباراة بنتيجة 3-0. تأهلت البرازيل، ولم يُعدم لاعبو زائير. كانت أول مشاركة للعراق في كأس العالم في المكسيك 1986، وكان رئيس الاتحاد العراقي لكرة القدم هو عدي حسين، نجل صدام، الذي غيّر ألوان المنتخب الوطني لتتطابق مع ألوان فريقه الخاص، «الرشيد»، واحتفظ بقائمة تتضمن تعليمات حول عدد المرات التي يجب ضرب كل لاعب فيها بناءً على أدائه. قبل كأس العالم 1994 في الولايات المتحدة، نُقل لاعبو كولومبيا معصوبي الأعين إلى مزرعة فاخرة في الجبال حيث ناقشوا المكافآت مع قادة كارتل كالي. وفي مباراتهم الثانية، هزمتهم الولايات المتحدة 2-1 بعد هدف عكسي سجله أندريس إسكوبار. بعد عشرة أيام، قُتل بالرصاص في موقف للسيارات خارج مدينة ميديلين. في هذه السياقات، فإن مقولة اللاعب والمدرب الاسكتلندي بيل شانكلي الشهيرة، والمبتذلة بالفعل، لا تبدو مبالغة: «يعتقد البعض أن كرة القدم مسألة حياة أو موت، لكنني أؤكد لكم أنها أهم من ذلك بكثير».
لاعب زائير، مويبو إيلونغا، يركل الكرة قبيل تنفيذ ركلة حرة مباشرة للبرازيل في كأس العالم 1974.
***
بالطبع، كانت هناك لحظات عديدة اندلعت فيها مشاعر الفرح البريء. وربما تكون بطولة إيطاليا 1990 أفضل مثال على الفجوة بين كرة القدم الفعلية والمشهد المسرحي المحيط بها. فقد كان متوسط الأهداف في كل مباراة هو الأدنى على الإطلاق بـ2.21 هدفًا، وفي مباراتين فقط تمكنت الفرق المتأخرة من قلب النتيجة والفوز، وانتهى ثلث المباريات بنتيجة 1-0. (كل هذا دفع الفيفا إلى تغيير قانون التسلل وحظر التمريرة الخلفية). لكن متوسط الحضور، الذي بلغ 48,368 متفرجًا، كان الأعلى على الإطلاق، وتضاعف عدد المشاهدين عبر التلفزيون عالميًا مقارنة بكأس العالم في المكسيك عام 1986 ليصل إلى 26.6 مليار مشاهد. يلاحظ ويلسون: «كان المستوى الكروي نفسه مروعًا إلى حد كبير، بل ربما كان الأسوأ في أي نهائيات لكأس العالم، إلا أن تلك الحقيقة كانت هامشية تقريبًا. على أنغام بافاروتي، كانت إيطاليا 1990 أكثر بطولات كأس العالم إثارةً للمشاعر وأكثرها دراماتيكيةً على الإطلاق».
يسرد كتاب ويلسون تقلبات ذلك الصيف بالنسبة لمشجعي إنجلترا، التي خرجت حينها من نصف النهائي بعد خسارتها أمام ألمانيا الغربية بركلات الترجيح، لكنه يجمع مع تحليله الكروي تحليلًا طبقيًا يستعرض كيف أن اللعبة كانت تتجه نحو الطبقات العليا بعد فظائع هيسيل وهيلزبره [حالتا تدافع حصلتا عامي 1985 و1989، وقتل فيهما 39 و97 مشجعًا على التوالي]، وردود فعل مارغريت تاتشر تجاه أعمال الشغب، وانهيار الطبقة العاملة الإنجليزية، ولكن أيضًا الفكاهة الاحتفالية للمشجعين، بموسيقاهم ومجلاتهم الشعبية. فرض تقرير تايلور لعام 1990 [الذي عرض نتائج التحقيق في حادثة هيلزبره] أن تصبح جميع المقاعد في الملاعب في الدرجتين الأعلى. كل هذا، كما يرى ويلسون، «ناسب الجمهور الأحدث والأكثر رقيًا الذي جذبه كأس العالم في إيطاليا عام 1990، بأوبراه وخلفيته الفنية الكلاسيكية». ثم وضع «مخطط مستقبل كرة القدم» الصادر عن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم عام 1991 اللعبة في المسار المناسب «للانتقال إلى فئة أعلى من أجل مواكبة المستهلك من الطبقة الوسطى الميسورة».
على الجانب الآخر من البحر الإيرلندي، هناك دليل أوسع نطاقًا، وإن كان أقل اعترافًا به، على قوة كرة القدم عبر الأجيال. لم تكن أيرلندا قد تأهلت قط إلى كأس العالم، لكن جاك تشارلتون، مدرب إنجلترا عام 1966، قادها إلى إيطاليا في عام 1990، واستغلت ماري روبنسون أجواء التفاؤل والعالمية التي ولدها ذلك التأهل عندما انتُخبت رئيسة لإيرلندا في وقت لاحق من ذلك العام. كان تعيين إنجليزي كمدرب أمرًا مهمًا للغاية، نظرًا للأهمية التاريخية للرابطة الرياضية الغيلية، التي روجت لرياضتي الهيرلينغ وكرة القدم الغيلية، فيما اعتُبرت كرة القدم «لعبة العسكر». أيدت الكنيسة الكاثوليكية الرابطة إلى درجة أنها حظرت لعب كرة القدم في أراضي الكنيسة، كما ضرب عناصر من اتحاد «الإخوة المسيحيين» اللاعبين الدوليين المستقبليين راي تريسي وإيون هاند لممارستهما كرة القدم. بحسب ويلسون، سمحت مشاركة أيرلندا في كأس العالم بإيطاليا عام 1990 للشباب الأيرلندي بالشعور بالانتماء إلى حدث عالمي بطريقة لم توفرها الرياضات الغيلية. كتب الكاتب الأيرلندي ديكلان لينش أن ما حققه تشارلتون كان تحررًا «من كل ذلك الهراء الذي نردده عن الشعراء العظماء والوطنيين العظماء والقديسين العظماء». وعندما سجل نيل كوين هدف التعادل في المباراة ضد هولندا، قال الروائي رودي دويل: «كنت سعيدًا لكوني أيرلنديًا. لم أشعر بذلك من قبل أبدًا». وصلت أيرلندا إلى ربع النهائي، حيث خسرت أمام البلد المضيف. بحلول ذلك الوقت، توقفت الحافلات في دبلن عن العمل أثناء المباريات، وأُلغيت حفلات ميك جاغر وبرينس في لانسداون رود. وتوافد ربع مليون شخص في دبلن لاستقبال الفريق. وقد ساعد في ذلك أن تشارلتون، الذي كان يرتدي قبعة ويحمل صنارة صيد في إحدى يديه وكأس بيرة في الأخرى، كان إنجليزيًا مختلفًا تمامًا عن أولئك الذين خُلدوا في أغاني الثوار الأيرلنديين. وكما قال لينش: «كان هذا هو النوع من الإنجليز الذين يمكننا أن نتلقى الأوامر منه».
كما كان فوز إيطاليا في إسبانيا عام 1982 بمثابة جرعة مضاد اكتئاب جماعية، بعد العقد الأول من «سنوات الرصاص» [الفترة ما بين أواخر الستينيات وأواخر الثمانينيات التي شهدت فيها إيطاليا اضطرابات سياسية]. عام 1978، تعرض رئيس الوزراء السابق ألدو مورو للاختطاف والإعدام على يد «الكتائب الحمراء»، وعام 1980، أسفرت مذبحة بولونيا (وهي تفجير إرهابي نفذته جماعات اليمين المتطرف في محطة للسكك الحديدية) عن مقتل 85 شخصًا. لكن مع فوز المنتخب بالبطولة، كان هناك إحساس واضح بأن النزعة الإقليمية والانقسامات الفئوية قد خمدت، حيث تابع 95% من مشاهدي التلفزيون المباريات، ونُظمت احتفالات ضخمة في الشوارع. فكما تساءل أومبرتو إيكو عام 1978: «هل من الممكن أن تحدث ثورة في يوم الأحد الذي تُقام فيه مباراة كرة قدم؟». كان ساندرو بيرتيني شخصية موحدة تحظى بالاحترام لتواضعه، وهو الذي خاض الحرب العالمية الأولى وشارك في المقاومة المناهضة للفاشية خلال الحرب العالمية الثانية، ثم أصبح رئيسًا لإيطاليا عام 1978 عن عمر يناهز 81 عامًا. سافر بيرتيني إلى إسبانيا لحضور المباراة النهائية، والتُقطت صوره وهو يحتفل بالهدف الثالث الذي سجله أليساندرو ألتوبيلي، ثم وهو يلعب الورق مع الفريق، وكأس العالم بجانبهم، على متن رحلة العودة.
الرئيس الإيطالي ساندرو بيرتيني يلعب الورق على متن الطائرة مع المدرب إنزو بيرزوت والمهاجم فرانكو كاوزيو والحارس دينو زوف، بعد فوز إيطاليا بكأس العالم 1982.
يحقق النجاح في كأس العالم مكاسب محلية، لكنها عادةً ما تكون قصيرة الأمد. ولا يوجد مثال يوضح ذلك أفضل من فرنسا. لطالما ارتقى مستوى كرة القدم الفرنسية بفضل المهاجرين الذين اعتبروا أن الطبيعة المحفوفة بالمخاطر للعبة تستحق المخاطرة الاقتصادية، فقد كان معظم اللاعبين هواة يمارسون مهنًا أخرى. العظيم ريمون كوبا، الذي كان جزءًا من فريق ريال مدريد الأسطوري ولعب دورًا محوريًا في بروز فرنسا في الخمسينيات، كان ابنًا لمهاجرين بولنديين. أما جوست فونتين، الذي لا يزال الرقم القياسي الذي سجله في كأس العالم 1958 في السويد بـ13 هدفًا هو الأعلى في بطولة واحدة، فقد وُلد في مراكش لأم إسبانية، بينما كان روجر بيانتوني من أصل إيطالي (كما كان ميشيل بلاتيني). أدى فوز المنتخب الفرنسي المتنوع عرقيًا عام 1998 إلى موجة من التفاؤل الداعي إلى الاندماج: شاهد 26 مليون فرنسي المباراة النهائية (التي انتهت بنتيجة 3-0 ضد البرازيل)، وكان المليون شخص وأكثر الذين خرجوا إلى شارع الشانزليزيه أكبر حشد يشهده الشارع منذ التحرير. تحول المدرب، إيمي جاكيه، من «ريفي ممل إلى رمز لفرنسا العميقة»،[5] واعتبر هذا الإنجاز انتصارًا للـ«بلاك-بلان-بور» (أسود-أبيض-عربي).[6] وفي حين هاجم السياسي اليميني جان-ماري لوبان «الطبيعة المصطنعة» للمنتخب، كتبت مجلة «ليكسبرس» أن «الشعب الفرنسي، كل الشعب الفرنسي، تماهى مع هذا الفريق لأنه كان فريقًا متعدد الأعراق». في افتتاحية صحيفة «ليبراسيون»، خالف لوران جوفرين التيار السائد عندما وصف الإحساس الجديد بالانسجام العرقي في فرنسا بأنه «وهم مفيد»، لكن هذا استنتاج يؤيده ويلسون: «فازت فرنسا بكأس العالم، ورغم أن ذلك غيّر كرة القدم الفرنسية، إلا أنه لم يغير فرنسا نفسها».
في كأس العالم 2010، أوقف المنتخب الفرنسي تدريباته احتجاجًا على قرار الاتحاد الفرنسي لكرة القدم بطرد المهاجم الأسود نيكولاس أنيلكا لأسباب تأديبية. كان الانتقاد المحلي للاعبين ذا طابع عنصري واضح، حيث رُبط عدم انضباطهم بمشكلة ضواحي المهاجرين التي نشأ منها الكثيرون منهم. في تصريح شهير، كان نيكولا ساركوزي، بصفته وزيرًا للداخلية، قد رد على أعمال الشغب التي وقعت عام 2005 بالتعهد بتطهير البلاد من «الرعاع»، وفي البرلمان، وصف السياسيون البيض اللاعبين بالـ«كايد»، [التي يرجع أصلها لكلمة «قائد»، وتستخدم شعبيًا في فرنسا لوصف زعماء العصابات]. في تلك البطولة، خرجت فرنسا دون أن تفوز بأي مباراة. وعلق أنيلكا قائلًا: «عندما تخسر فرنسا، يبدأ الناس على الفور بالحديث عن لون بشرة اللاعبين ومعتقداتهم الدينية». تلاشت لحظة الـ«بلاك-بلان-بور». وكان من اللافت للنظر أنه عندما فازت فرنسا بكأس العالم للمرة الثانية في روسيا عام 2018، لم يكن هناك أي من الضجة المحتفلة بتعدد الأعراق التي سادت قبل عقدين من الزمن: انتشر بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي منشور أدرج 19 اسمًا من أصل 23 لاعبًا في التشكيلة إلى جانب أعلام بلدان أصول عائلاتهم، رد عليه بنجامين ميندي، اللاعب الأسود المسلم، بمنشور حمل الأسماء نفسها مع 19 علمًا فرنسيًا. في النهاية، لم يتغير الكثير: في مونديال السويد عام 1958، بعدما خسرت فرنسا في نصف النهائي أمام البرازيل، التي فازت باللقب في النهاية، وفاز رايموند كوبا بجائزة الكرة الذهبية، اعتبرته الصحافة الفرنسية رمزًا لـ«المهاجر الصالح». عام 1954، عندما لم تتمكن فرنسا من تجاوز مرحلة المجموعات، كانت هتافات الجماهير تقول: «كوبا، عد إلى المنجم».
وجه زين الدين زيدان مضاءً على بوابة النصر في شارع الشانزيليزيه في باريس بعد فوز فرنسا بكأس العالم 1998.
***
كانت أول بطولة كأس العالم تُقام خارج أوروبا أو الأمريكتين هي نسخة عام 2002، التي استضافتها اليابان وكوريا الجنوبية، والتي يراها ويلسون «مهرجانًا للعولمة»:
في كل مكان تقريبًا، بدا أن تعقيدات مفهوم القومية في القرن الحادي والعشرين كانت واضحة للعيان. عندما فازت السنغال على فرنسا في المباراة الافتتاحية للبطولة، كان جميع لاعبي التشكيلة الأساسية للسنغال يلعبون في أندية فرنسية، في حين لم يكن سوى لاعب واحد من المنتخب الفرنسي يلعب في فرنسا.
كان عشرة من لاعبي المنتخب البرازيلي الفائز بالبطولة يلعبون خارج البلاد، في حين أرجعت ألمانيا (رغم وصولها إلى النهائي) تراجع مستواها إلى تدفق اللاعبين غير الألمان إلى دوريها. ومن أصل 32 دولة مشاركة، ستة فقط لم يكن لديها لاعب يلعب في الدوري الإنجليزي الممتاز. كان لدى اليابان وتونس لاعبون مولودون في البرازيل، بينما كان لدى بولندا مهاجم وسط ولد في نيجيريا، وكادت نيجيريا أن تختار مهاجمًا وسطًا وُلد في أوزبكستان. حتى إنجلترا كان لديها مدرب أجنبي.
إن عولمة كرة القدم، التي كانت هذه البطولة إيذانًا بها، هي الوضع الطبيعي الجديد. مع هجرة اللاعبين، وصناديق الاستثمار الخاصة، ورأس المال النفطي، ووسائل الإعلام العابرة للحدود التي تشكل ملامح هذه الرياضة، لم يعد يبدو غريبًا، كما يكتب ويلسون، «أن يمتلك أمريكي ناديًا في غرب لندن، ويعين مدربًا إيطاليًا للإشراف على فريق يضم لاعبين من فرنسا وأوكرانيا والسنغال والإكوادور، ولا أن يحظى هذا النادي بمتابعة شغوفة في الهند وأستراليا وغرب إفريقيا».
لكن استغلال البلدان النامية كان عاملًا محددًا في إدارة الفيفا قبل أن يصبح ذلك واضحًا في اللعبة نفسها بوقت طويل. عندما ترشح البرازيلي جواو هافيلانج لرئاسة الفيفا عام 1974، فعل ذلك بصفته أول رئيس غير أوروبي (مع أنه كان ابن تاجر أسلحة بلجيكي) ومن خلال الترويج لخط سياسي ما بعد استعماري. وبدعم من هورست داسلر، رئيس مجلس إدارة شركة «أديداس»، قام بجولة حول العالم، وتوقف لفترة طويلة في أفريقيا، وكان بيليه الوجه الإعلاني له، واعدًا بتوسيع كأس العالم، ولا سيما مشاركة الدول الأفريقية. هكذا بدأت مفارقة مستمرة حتى اليوم، حيث أصبحت أهداف الفيفا في التوسع والتعددية، وهي أهداف لا يمكن الاعتراض عليها، هي ذاتها الأساس لفسادها الهيكلي وإفلاتها من المساءلة.
عرض هافيلانج تغطية نفقات المندوبين من الدول الفقيرة، وهو أمر كان يمكن الدفاع عنه بوضوح من منظور التمثيل، لكنه قدم أيضًا بَدلات سخية. وبشكل غير مسبوق، حضر جميع المندوبين الأفارقة البالغ عددهم 37 مندوبًا إلى المؤتمر الذي عُقد في فرانكفورت عام 1974، وأفاد شهود عيان بأن مساعدي هافيلانج كانوا يمررون مظاريف إلى المندوبين قبل التصويت. لم يتضح أبدًا بشكل كامل من أين كانت تأتي هذه الأموال، لكن المصدر الأرجح كان شركة «أورويك»، شركة هافيلانج المتخصصة في التخلص من النفايات والمواد الكيميائية، والتي يُعتقد أنها كانت تعمل كواجهة لغسل الملايين من الدولارات التي سرقها السياسيون البرتغاليون الفارون بعد وفاة الدكتاتور سالازار. ومنذ ذلك الحين، أصبحت سلطة هافيلانج مطلقة.
منذ عهد هافيلانج وخليفته سيب بلاتر، كانت الحيلة السحرية للفيفا تتمثل في تبرير جشعها اللامحدود بزعم خدمة تنمية اللعبة. وعندما كان بلاتر يسعى لخلافة هافيلانج في عام 1998، قام بجولة حول العالم على متن طائرة خاصة. أفاد أحد المندوبين الأفارقة أنه تلقى عرضًا بمبلغ 100,000 دولار من دبلوماسي صومالي متواطئ؛ ويُعتقد أن 18 دولة أفريقية على الأقل باعت أصواتها لبلاتر. مع اشتداد المنافسة في الاقتراع ضد السويدي لينارت يوهانسون، اقترب رجال أنيقو الملبس يتحدثون العربية من المندوبين في باريس وعرضوا عليهم حقائب تحتوي على 50,000 دولار نقدًا مقابل التصويت لصالح بلاتر. فاز بلاتر، ثم أعلن أنه بالإضافة إلى «نفقاتهم السخية بالفعل»، سيتقاضى أعضاء اللجنة التنفيذية راتبًا قدره 50,000 دولار. يقول ويلسون أن ذلك مثل «نظام المحسوبية الذي ساد في عهد هافيلانج، مُعززًا ليتناسب مع عصر جديد». بعد ذلك، أطلق بلاتر مشروع «جول» في مختلف أنحاء أفريقيا، وهو «برنامج للتنمية والمساعدة» مخصص للاتحادات الوطنية. كانت ليبيريا في عهد تشارلز تايلور أول المستفيدين من هذا المشروع. كان صهر تايلور رئيس الاتحاد الليبيري لكرة القدم، وتلقى 50,000 دولار ليدرس إدارة الرياضة في الولايات المتحدة. أما في ليبيريا نفسها، كان الفريق يعاني من نقص شديد في الموارد لدرجة أنه عندما تأهل لكأس الأمم الأفريقية في مالي عام 2002، اضطر نجمه البارز، جورج وياه، إلى دفع ثمن الزي الرياضي من ماله الخاص. وبعد عام، وجهت محكمة خاصة تابعة للأمم المتحدة اتهامات إلى تايلور «بجرائم القتل والاغتصاب الجماعي والبتر والتشويه واستعباد الأشخاص وإجبار الأطفال على الخدمة كجنود ومهاجمة العاملين في المجال الإنساني وسرقة ما يقدر بنحو 100 مليون دولار من بلده».
سيب بلاتر، الرئيس السابق للفيفا، بعدما أغرقه متظاهر بالمال في إشارة لفساده، أثناء مؤتمر صحفي في زيورخ عام 2015.
في فهرس كتاب ويلسون، أكثر بندين فرعيين شيوعًا تحت عنوان «الفيفا» هما «الرشاوى» و«الفساد». شغل تشاك بلازر منصب الأمين العام للكونكاكاف (اتحاد كرة القدم لأمريكا الشمالية والوسطى ومنطقة البحر الكاريبي) من عام 1990 إلى عام 2011، وكان عضوًا في اللجنة التنفيذية للفيفا من عام 1996 إلى عام 2013. كان يمتلك شقتين في برج ترامب، واحدة له والأخرى لقططه. عام 2011، عندما بدأ مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ومصلحة الضرائب الأمريكية التحقيق في قضايا الاحتيال داخل الكونكاكاف، وبالتالي في الفيفا، انقلب بلازر على زملائه ووافق على ارتداء جهاز تنصت خلال الاجتماعات. في أيار 2015، وبناءً على الأدلة التي جمعها مكتب التحقيقات الفيدرالي، داهمت الشرطة السويسرية فندقًا في زيورخ واعتقلت سبعة مسؤولين في الفيفا، واعترف بلازر بارتكاب جرائم الابتزاز، والاحتيال الإلكتروني، والتهرب الضريبي، وغسل الأموال. كُلف المحامي الأمريكي مايكل غارسيا ومساعده السويسري كورنيل بوربيلي بكتابة تقرير حول القضية، وحين قدما تقريرهما المكون من 353 صفحة، كان النص بمثابة جرد قاتم للفساد المنهجي والرشوة المتفشية في المنظمة. تم تسليم تقرير غارسيا إلى الفيفا عام 2014، لكن لجنتها القضائية حجبته، واكتفت بإصدار ملخص من 42 صفحة اعتبره غارسيا مضللًا للغاية لدرجة أنه استقال. لم يُنشر التقرير إلا بعد ثلاث سنوات، بعد أن حصلت صحيفة «بيلد» الألمانية على نسخة منه.
وبحلول ذلك الوقت، كان بلاتر قد مُنع من ممارسة كرة القدم لمدة ثماني سنوات. وخلفه جياني إنفانتينو، الذي ترشح باعتباره «مرشح الإصلاح»، في مفارقة تبدو ساخرة اليوم. ففي غضون أشهر من توليه المنصب، خضع لاستجواب من قبل مجلس التحقيق التابع للجنة الأخلاقيات في الفيفا (نعم، للفيفا لجنة أخلاقيات) للاشتباه في انتهاكه مدونة أخلاقيات الفيفا (نعم، للفيفا مدونة أخلاقيات) بسبب عدة حالات من إساءة استخدام النفقات. وبعد إعادة انتخابه دون منافس عامي 2019 و2023، أعلن إنفانتينو للتو عن نيته الترشح مرة أخرى. يبدو فوزه مجرد إجراء شكلي، فقد أيده بالفعل الاتحادان الأفريقي والجنوب-أمريكي لكرة القدم. حصل إنفانتينو العام الماضي على راتب تجاوز 6 ملايين دولار.
لم يسبق أن بدت «اللعبة الجميلة» أكثر جمالًا على أرض الملعب، وأكثر قبحًا خارجها. قد تدفعنا ضمائرنا لبذل قصارى جهدنا لفصل هذين الجانبين عن بعضهما، لكن الفيفا بقيادة إنفانتينو جعلت ذلك مستحيلًا.
الهوامش
[1] المعركة التي هزم فيها الجيش الفرنسي بقيادة نابليون عام 1815 أمام تحالف من قوات بريطانية وبروسية، ومثلت نهاية الحروب النابليونية.
[2] غوتردامرونغ، مقطوعة موسيقية ملحمية لريتشارد فاغنر، تروي أسطورة المعركة النهائية الكبرى التي تُهزم فيها الآلهة القديمة وينتهي فيها العالم القديم غرقاً في الماء.
[3] نسبة للمور، وهو الوصف الأوروبي لمسلمي الأندلس ذوي الأصول العربية والأمازيغية، الذين هاجر كثير منهم إلى أمريكا اللاتينية بعد سقوط الأندلس.
[4] المعاهدة التي وقعتها المجر مع الحلفاء الغربيين بعد الحرب العالمية الأولى في باريس عقب الحرب العالمية الأولى، والتي عوقبت فيها المجر بتقليص مساحتها، حيث خسرت أكثر من ثلثي أراضيها، ذهب جزء بسيط منها لإيطاليا.
[5] «La France profonde» مصطلح صكه عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل ديون، يشير إلى وجود روح أو طبيعية فرنسية عميقة وخاصة، توجد بشكل خاص في ثقافة المدن الطرفية الفرنسية وفي حياة الريف الفرنسي، لا تعبر عنها باريس وغيرها من المدن الكبرى.
[6] «black-blanc-beur» شعار مناهض العنصرية، يحيل إلى تعبير «Bleu-Blanc-Rouge» أو «أزرق-أبيض-أحمر» الذي يشير لألوان العلم الفرنسي.
→كأس العالم انطلقت عام 1930 وتعتبر الحدث الرياضي الأكثر شعبية في العالم.
→البطولة الحالية تضم 48 فريقًا وتقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مع عدد قياسي من المباريات.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note:
نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة حبر.
خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي.
نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق.
هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by حبر.
Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086).
We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking.
Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.
هذا الخبر ضمن تغطية خبر لقسم معرفة وثقافة.
نقدّم لك تحليلات ذكية وملخصات يومية لأهم الأخبار من مصادر موثوقة متعددة.
المصدر: حبر.
يوجد 6 مقالات مرتبطة بهذا الموضوع.
This article is part of Khabr's coverage of Knowledge.
We provide AI-powered analysis, summaries, and multi-source aggregation to keep you informed.
Source: حبر.
Tags: World Cup, history, football.
🍪 نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وعرض الإعلانات المخصصة. باستخدامك للموقع، فإنك توافق على سياسة ملفات تعريف الارتباط وسياسة الخصوصية.
We use cookies to enhance your experience and show personalized ads. By using this site, you agree to our Cookie Policy and Privacy Policy.
🔍
FREEFree 1GB Internet + Free International Calls
$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges