صحفيون يناقشون حدود الحرية الإعلامية في سوريا
تتشكل ملامح المرحلة الجديدة من عمر سوريا، ومن ضمنها تصاغ الحرية في العمل الإعلامي، ضمن مسار الحريات التي كانت أحد أبرز الشعارات التي نادى بها السوريون عند انطلاق الثورة السورية في آذار 2011.
وبعد سقوط النظام، الذي حكم سوريا بالقمع والشمولية، وقيد العمل الصحفي الإعلامي، تتجه الأنظار إلى المستوى الذي تقدمه الإدارة السورية الجديدة، في ظل انفتاح غير مسبوق، من خلال فتح الأبواب أمام المنصات الإعلامية والمؤسسات الصحفية، فضلًا عن ما عرف بـ”المؤثرين” والنشطين على وسائل التواصل الاجتماعي مرئيًا.
بالمقابل، فإن حدود وضوابط هذا العمل، وهذه الحرية، مازالت ضبابية في سوريا، في ظل غياب للتشريعات الكافية، التي تنظم العمل الإعلامي في سوريا، والذي أدى، في أحد أشكاله، إلى بروز خطاب أجج الشارع الممتلئ بالخطاب الطائفي والتحريضي من جانب، وإلى إغلاق منصات إعلامية، بدعوى عدم استكمالها الأوراق اللازمة للترخيص من جانب، واتهام بعضها بالتحريض على الكراهية، والتي نفته هذه المنصات.
وبحسب ما رصدته عنب بلدي، عبر استطلاع حاز على أكثر من 50 تعليق من مستخدمي منصة “فيسبوك”، فقد تراوحت تعليقات رواد التواصل الاجتماعي، ما بين معارضين لقرار الوزارة، وآخرين مؤيدين له.
ودعا معلقون إلى ضبط العمل الإعلامي في سوريا وتنظيمه والابتعاد عن العشوائية.
“هاشتاغ” و”جسور نيوز” تردان على قرار المنع.. رابطة الصحفيين تدعو لـ”وساطة مهنية”
“الصرخة الأولى”
مدير قناة “حلب اليوم” محمد سرحيل، قال إن “الحرية هي الصرخة الأولى التي صدحت بها حناجر السوريين، هي منبر افتقدناه منذ عقود، هي الشعار الذي تحلّقنا حوله”.
وبعد سقوط النظام، تثار الأسئلة حول سقف الحريات في الفضاء الإعلامي الذي نحتاجه في سوريا، إذ انفتحت الأبواب التي كانت مغلقة في ظل نظام الأسد، وتحسن المشهد بشكل ملحوظ.
وبحسب منظمة “فريدوم هاوس“، المعنية بقياس الحريات والديمقراطية حول العالم، والمستندة إلى الحريات السياسية والمدنية و من ضمنها الإعلامية، فإن مستوى الحريات في سوريا تحسن في عام 2025 خمس درجات عن العام الذي سبقه.
وكانت سوريا حصلت في العام 2024 على درجة واحدة، على مقياس الحرية في العالم، وفق تصنيف “فريدوم هاوس”.
بالرغم من تقدم سوريا إلا أنها مازالت ضمن خانة “غير حرة” بتصنيف “فريدوم هاوس”، التي أشارت إلى أنها في طور التعافي من عقود من الحكم الاستبدادي الأسري.
وأوضحت أنا قادتها الجدد (سوريا) أشرفوا على تقدم متواضع في إعادة بناء المؤسسات السياسية، وتخفيف القيود المفروضة على الحقوق الأساسية، مما ساهم في زيادة النقاط.
وذكرت أن الحكومة الانتقالية والمواطنون يواجهون “تحديات جسيمة” في بناء نظام ديمقراطي بعد أكثر من نصف قرن من الديكتاتورية.
وأضافت أن الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2011، دمرت المؤسسات العامة والبنية التحتية، بينما يزيد الاستقطاب الطائفي والعنف المستمر من تعقيد الجهود المبذولة لإنشاء آليات عدالة انتقالية ذات مصداقية وإرساء سيادة القانون.
“الإعلام الهادف”
وفي هذا السياق، عقدت مؤسسة “كاف للإعلام” ملتقى بعنوان “الإعلام الهادف” في محافظة حلب، بحضور عدد من الإعلاميين والباحثين والمختصين في القطاع الإعلامي، بالإضافة إلى مسؤولين حكوميين، أبرزهم مديرا الثقافة والإعلام في المحافظة.
الملتقى، الذي حضرته عنب بلدي، في 6 من نيسان الحالي، ناقش عدة محاور، ركزت على دور الرسالة الإعلامية في حفظ هوية المجتمع وثقافته الأصيلة، وحمايته من التضليل.
وبالرغم من توجه الإسلامي للمؤسسة المنظِمة، ومعظم الحضور، إلا أن المحاضرِين والقائمين على الملتقى أكدوا أن “الإعلام الهادف” لا يقتصر على المنصات ذات التوجه الإسلامي، بل يندرج على كل وسيلة إعلامية لها هدف تنموي ومجتمعي “إيجابي”.
وناقشت الجلسات التي تكونت من محورين رئيسيين على أبرز مشكلات الساحة الإعلامية الحالية ومخاطرها، وكيفية الارتقاء بالإعلام الهادف في سوريا.
سرحيل رأى أن ملتقى “الإعلام الهادف”، خطوة أولى، نحو “إعلام مسؤول هادف”، يبني الأسرة والدولة والمجتمع.
وتأتي أهمية “هندسة الوعي” في فضاء الإعلام الجديد، وفق سرحيل، إذ لا يراه واجبًا دينيًا وأخلاقيًا ووطنيًا، لا سيّما في مرحلة “حساسة” في إعادة بناء سوريا ببشرها قبل حجرها.
وهنا يكمن التحدّي، بحسب سرحيل، في ظل “التخريب الكبير” الذي دأب عليه النظام عبر عقود، لا سيّما في الأعوام الأخيرة.
“حرية عشوائية”
سرحيل، قال لعنب بلدي إن الحرية التي يحتاجها السوريون اليوم، ليست كما يراد لها أن تكون من قبل البعض، موضحًا أنها أصبحت، عند البعض، “مجرّد شعار وستار”، بل “سيفّا مسلّطًا على رقاب المخالفين” وفق تعبيره.
من جانبه، الأكاديمي والمتخصص في الإعلام والتواصل، معاوية الدمشقي، وصف الحالة في سوريا بـ”الحريات العشوائية”، مشيرًا إلى ما أسماه سوء فهم من قبل الجمهور السوري، حول ماهية آلية الحرية وكيف تستخدم.
مدير مديرية الإعلام في حلب، عبد الكريم ليلة، أكد أنه يؤمن بحرية الرأي والتعبير، وأن الحرية هي أحد قيم الثورة السورية، ولكن بالمقابل، فإن الحرية المطلقة لا يمكن أن تتحقق، سواء بالإعلام أو بغير الإعلام، وفق وصفه.
وبحسب ما يراه سرحيل، فإن سوريا أمام “فرصة تاريخيّة”، قد لا تتكرّر، مؤكدًا أنه يريد حرية لا قمعًا، لكن بالمقابل، لا يريد أي فوضى إعلاميّة، مشيرًا إلى أن الإعلام كما أنه لا يزدهر في بيئة القمع، فإنه لا يستقيم في بيئة الفوضى أيضًا.
ما الإعلام الذي نحتاجه اليوم؟
مدير قناة “حلب اليوم”، سرحيل، يرى أن ما تحتاجه سوريا اليوم هو التركيز على حرية الإعلام المسؤول، الذي ينتقد دون أن يكذب، والذي لا يفجر في الخصومة ولا يشتم.
ويريد سرحيل إعلامًا يحترم القيم والأخلاق، ولا يقتحم خصوصيات الناس، ويجعلها مائدة ولقمة سائغة تلوكها أفواه الملايين، قائلًا إن “الحرية لا تعني أن أسلط قلمي أو لساني زورًا أو بهتانًا على من أريد بدون أن أتحمل نتائج ما أفعل”.
كذلك قال ليلة إن الإعلام ليس هدفه التشهير والابتزاز، وإنما يحمل رسالة سامية، يسعى إلى تحقيقها عبر المنصات الإعلامية سواء كانت رسمية أو مستقلة.
وحول ضبط المشهد الإعلامي، قال الأكاديمي والمدرس في جامعة “حلب” إن الحرية الإعلامية، لها ضوابط تلتزم بتشريعات إعلامية، تكون السلطة هي أحد مصادر هذه التشريعات.
مسار التشريعات الإعلامية الأخرى تتمثل بالمجتمع والعرف المجتمعي، وفق ما يراه الدمشقي، منوهًا إلى ضرورة مراعاتها عند وضع تشريعات إعلامية ناظمة، تقوم عليها أجهزة القضاء والسلطة القضائية.
وذلك لكي تضبط هذه الحريات، ولا تكون سلاحًا مدمرًا للمجتمع أولًا، وللثقافة ثانيًا، وتؤدي إلى أزمات جنائية ما بين أفراد المجتمع، وفق الدمشقي.
ما المطلوب الآن؟
المطلوب الآن، وفق ما يراه الدمشقي، ضبط الحريات الموجودة في سوريا من النواحي القضائية، بالتعاون مع وزارات العدل والثقافة والإعلام، من خلال مختصين يتابعون ويدرسون هذا المجتمع.
ودعا إلى وضع القوانين الناظمة لحماية الأفراد أولًا، ثم المؤسسات، وفرض منظومة قضائية تحدد ماهية الجرائم الإلكترونية أو الاعتداءات على الأفراد وعلى المجتمعات والمؤسسات.
وقال إن الضوابط غير معلومة لدى الجمهور، لمعرفة ماهو مسموح وماهو ممنوع، لذلك يجب توضيحها كي يصار إلى تطبيقها على الواقع.
وسبق أن قال الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إن مستوى حرية التعبير في سوريا اليوم واسع، ولكن في الوقت نفسه هناك حالة من الفوضى الإعلامية نتيجة غياب الضوابط الواضحة.
وأضاف الرئيس الشرع، خلال لقاء جمعه بصحفيين وإعلاميين، أن “كل من يخطر بباله أمر يتحدث به في الإعلام، وقد يهاجم الناس على أساس طائفي دون أن يحاسبه أحد، وقد يؤثر ذلك في وضع أمني بالغ الحساسية، فهو ينشر دون معرفة، والتعطش لحاجة الشفافة وممارسة الحريات، يجب أن يكون له برنامج”.
مدونة السلوك
مدير مديرية الإعلام في حلب، عبد الكريم ليله، نوه في حديثه إلى عنب بلدي إلى أن وزارة الإعلام سعت مؤخرًا بالمشاركة مع المؤسسات الإعلامية والفاعلين والمهتمين بالعمل الإعلامي، للوصول إلى مدونة السلوك.
وقال إن المدونة تحفظ حقوق الإعلاميين والمجتمع أيضًا، وتحفظ حقوق الصحفيين فيما بينهم، والحقوق بين الصحفيين وبين المجتمع.
ويأمل ليله أن تصل سوريا إلى الحرية المطلوبة، من حرية الرأي والتعبير، إلى حرية العمل السياسي، مؤكدًا ارتباط الملفين ببعضهما، إذ يرى أنه لا يمكن أن تطلق حرية الإعلام بشكل منفصل عن باقي مؤسسات المجتمع، سواء في التربية أو الثقافة أو حتى السلطة السياسية.
وحول ضوابط الحرية الإعلامية، قال إن هناك مساحة تحافظ عليها وزارة الإعلام، بين الضوابط وبين الحرية، مشيرًا إلى ثوابت مشتركة يتم الاتفاق عليها حاليًا.
وهذا ما تم السعي له في المدونة، بأن يكون هناك اتفاق اتفاق اخلاقي، وفق ليلة، مؤكدًا أن هذا يرتبط برفع مستوى الوعي في كل المجالات، وكل قطاعات المجتمع السوري، للايمان بأهمية الإعلام بالدرجة الأولى.
وأطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، وقُدمت هذه المدونة باعتبارها مرجعًا معياريًا يهدف إلى تنظيم العمل الإعلامي وتعزيز مبادئ الدقة والمسؤولية المهنية.
وتسعى المدونة التي شاركت في صياغتها عدة وسائل إعلام، من ضمنها عنب بلدي، إلى تنظيم العمل الإعلامي وفق مبادئ مهنية وأخلاقية توازن بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية، بما يسهم في حماية المصلحة العامة وتعزيز السلم الأهلي.
كما تحظر المدونة نشر أو ترويج خطاب الكراهية أو التحريض على العنف أو التمييز الطائفي أو العرقي، مؤكدة أن دور الإعلام يتمثل في تعزيز قيم التعايش والاحترام المتبادل بين مكونات المجتمع.




