من يضبط فضاءنا الإعلامي؟
تجنباً للإطالة، ورغبةً في مراعاة ميل القارئ للاختصار، لم تتسع زاويتي السابقة للحديث عن الحريات في الغرب عموماً، واكتفيت بتفنيد “ترند” ترخيص المؤسسات الإعلامية، الذي جرى عرضه دليلاً على التضييق على الحريات في سورية.
ماذا عن الحريات وفضائها وضوابطها؟
الأسبوع الماضي، أعلنت النيابة العامة في باريس الإفراج عن النائبة الفرنسية الفلسطينية في البرلمان الأوروبي ريما حسن، بعد توقيف احتياطي، على أن تمثل أمام القضاء في تموز المقبل، بتهم تتعلق بـ”تمجيد الإرهاب عبر الإنترنت”.

ليست هذه الحالة استثناءً، بل واحدة من عشرات الأمثلة التي يمكن سوقها بسهولة، في دول تُصنّف على أنها من الأكثر حماية للحريات العامة والإعلامية.
تريد مثالاً آخر، ليس ملتبساً بمبررات الساسة وخصوماتهم؟
في تظاهرات السترات الصفراء، أقدم محتج على تعليق دمية تمثل الرئيس Emmanuel Macron في مشهد يحاكي الشنق، وهو ما اعتبرته السلطات إهانةً وتحريضاً رمزياً على العنف، لتتم ملاحقته قضائياً وفرض غرامة عليه.
هذه الأمثلة واستحضارها، ليس بهدف الطعن بتجربة الحريات في الغرب، ولا التقليل من قيمتها، بل للإشارة والتوضيح أن الدول التي تُقدَّم بوصفها الأكثر حماية للحريات، تضع حدوداً عندما يتحول التعبير إلى إهانة مباشرة أو إيحاء بالعنف، وهو ما يعيد النقاش إلى جوهره: ليس كل ما يُقال يُترك دون مساءلة، حتى في أكثر البيئات انفتاحاً.
تفكيك “وهم” الحريات بلا ضوابط، المتكرر في النقاش اليومي السوري، يعني في أحد جوانبه انفلات الفضاء العام، وما أراه حرية نقد وقول قد يشكل انتهاكاً عند الغير، وأن الدولة الديمقراطية التي ترفع يدها كلياً عن الفضاء العام، ليس صحيحا.
هذا الطرح، رغم جاذبيته، لا يصمد أمام أي اختبار واقعي.
لا توجد دولة، مهما بلغ مستوى حرياتها، تقبل بترك المجال العام دون قواعد. الفارق ليس في وجود الضوابط، بل في طبيعتها وآليات تطبيقها ومدى خضوعها للمساءلة.
وهنا تحديداً تبدأ الإشكالية في الحالة السورية.
في سوريا، لا يُقرأ مفهوم “الضبط” بوصفه إجراءً تنظيمياً، بل يُستدعى فوراً كمرادف للقمع. وهذا ليس انطباعاً عابراً، بل نتيجة تجربة طويلة ومكلفة، ما زالت آثارها حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية: مدن مدمرة، بيوت فارغة، ملايين المهجرين، وآلاف المغيبين حتى اللحظة. الخيار يبدو قاسياً لدى الجميع: لا نريد عودةً إلى “مملكة الصمت”، تجنباً لتكرار ما حدث.
الإشكالية أن القفز إلى النقيض، أي المطالبة بحرية بلا أي ضابط، لا يقل خطورة. فالإعلام، بطبيعته، ليس نشاطاً فردياً معزولاً، بل فعل عام يؤثر في الرأي العام والسلم الأهلي، ويملك القدرة على التحريض بقدر ما يملك القدرة على التنوير.
غياب أي إطار ناظم لا يعني بالضرورة حرية، بل قد يعني فوضى، وربما فوضى يدفع ثمنها المجتمع كله.
الإعلام شأن عام، والصحفي بحكم ممارسته اليومية والتصاقه بالقضايا والشخصيات العامة، يقترب أن يكون منها: “من عاشر القوم أربعين يوماً صار منهم”.
الحريات الصحفية، تحديداً، وحرية الصحفي تبقى الأكثر إثارة للجدل. فهي سلطة رابعة، تراقب وتنتقد وتكشف، ولا يفترض بها أن تكون مريحة للسلطة. لكن في المقابل، لا يمكن إخراجها كلياً من أي شكل من أشكال المساءلة، وخاصة حين تتحول بعض المنصات أو الحسابات إلى أدوات تعبئة أو تحريض، تحت غطاء الحرية الصحفية.
مقاربة مدونة السلوك وميثاق الشرف الإعلامي التي صدرت عن وزارة الإعلام مهمة، وكل يوم تحتاج إلى مراجعة وقراءة ونقاش. وهي تذهب حتى لحماية الجمهور في الفيديو والصورة التي تحولت منافسة للخبر.
الباب الثامن منها يتعلق بالتصوير وحماية خصوصية الناس.
لا يجوز استخدام الصور أو مقاطع الفيديو الخاصة المنشورة على حسابات الأفراد في شبكات التواصل الاجتماعي دون موافقة صريحة من أصحابها.
كما يُحظر تصوير أو نشر صور للأشخاص داخل منازلهم، أماكن عملهم، المشافي، المدارس، وأماكن العبادة، إلا بعد الحصول على موافقة صريحة.
هذه قواعد عامة، لا تقييد للحريات الصحفية، ويمكن لها حماية الصحفي والمؤسسة من الدعاوى القضائية وخسارة المهنة والسمعة.
الحالة السورية أكثر تعقيداً، فجزء كبير من الفاعلين في المشهد الإعلامي، من صحفيين ومؤثرين، يعملون خارج الجغرافيا السورية، وبالتالي خارج نطاق أدوات الدولة التقليدية في المتابعة والمحاسبة.
التحدي الحقيقي: كيف يمكن الحديث عن تنظيم في ظل فضاء عابر للحدود؟ وكيف يمكن إقناع الناس به، وهم لم ينسوا بعد كلفة القمع؟
الحرية تعني الضوابط لا الفوضى
هذا التعقيد لا يعفي الدولة من مسؤولياتها داخل ما تستطيع الوصول إليه. بل إن المشكلة الأبرز لا تكمن فقط في ضعف القدرة على الضبط، بل في انتقائيته.
إذ يظهر، في أكثر من مناسبة، تفاوت واضح في التعامل مع الفاعلين الإعلاميين: تشدد في بعض الحالات، مقابل تساهل أو غض نظر في حالات أخرى، وخاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات قريبة من الخطاب السياسي الرسمي أو غير بعيدة عنه.
هذا النوع من الازدواجية هو الأخطر، لأنه لا يضرب فقط فكرة الضبط، بل يضرب شرعيته. ودائماً ما يُطرح سؤال: لماذا يُحاسَب فلان ولا يُحاسَب غيره؟
الدولة تعني تطبيق القانون، لا أن تخجل من محاسبة من هو محسوب على خطها السياسي.
المعادلة بسيطة: لا تتبنى، اتركه يغرد. لا تريد محاسبته؟ غير قادر؟ خارج الحدود؟ لكن لا تختبئ خلفه، لأنك بذلك أول من يكسر قواعد القانون.
فحين يشعر الجمهور أن القواعد لا تُطبّق على الجميع، لا يفقد ثقته بها فقط، بل يفقد شعوره بالعدالة وبالدولة.
أكثر من ذلك، الشخصيات العامة في أجهزة الدولة حين تُظهر تفاعلاً (ولو بسيطاً) مع محتوى مسيء أو تحريضي، فإن ذلك يُقرأ كاصطفاف. الناس تراقب: هل يُقبل من وزير أو مدير عام أن يضع إعجاباً أو تفاعلاً لمؤثر يقذع أو يشتم أو يهدد السلم المجتمعي؟
هذا يساهم تدريجياً في نقل مركز التأثير من المؤسسات إلى الأفراد. فالمؤثر، أو الصحفي النشط على المنصات، يصبح في نظر شريحة من الناس أكثر حضوراً، وربما أكثر مصداقية من الخطاب الرسمي نفسه.
تساهل الدولة مع البعض، أو فتح المنابر لهم، أو تجاهل تجاوزاتهم، لا يعني الحياد، بل يساهم في إعادة تشكيل المشهد لمصلحتهم.
وعند أول خلاف، لا يبقى الخلاف محصوراً بينهم وبين الجمهور، بل يمتد لينال من الدولة ذاتها، التي تبدو في نظر كثيرين شريكاً بالصمت، فتتزعزع الثقة التي تسعى إلى بنائها مع مواطنيها.





