من كل بستان زهرة -130-
•يدعو المقال إلى أهمية التسامح والمحافظة على العلاقات الطيبة بين المحبين.
•يشدد على ضرورة التغافل لأجل الراحة النفسية وعدم التعلق بالأمور السلبية.
•يبرز حقارة الدنيا وسرعة فنائها ويحث على استغلال الوقت في طلب العلم.
المصدر: سواليف | Source: سواليفمن كل بستان زهرة -130-
ماجد دودين
*******************
قُرْبُ الرَّحِيلِ إِلَى دِيَارِ الْآخِرَةْ … فَاجْعَلْ إِلَهِي خَيْرَ عُمْرِي آخِرَهْ
وَارْحَمْ مَبِيتِي فِي الْقُبُورِ وَوَحْدَتِي … وَارْحَمْ عِظَامِي حِينَ تَبْقَى نَاخِرَهْ
فَأَنَا الْمِسْكِينُ الَّذِي أَيَّامُهُ … وَلَّتْ بِأَوْزَارٍ غَــــــدَتْ مُتَوَاتِـــــــــــرَهْ
فَلَئِنْ رَحِمْتَ فَأَنْتَ أَكْرَمُ رَاحِمٍ … وَبِحَارُ جُودِكَ يَا إِلَهِي زَاخِرَهْ
***************
عن عبد الله بن دينار: (احذروا ثلاثا فإنهنّ معلقات بالعرش: النعمة تقول يا رب كُفرت، والأمانة تقول يا رب أُكلت، والرحم تقول يا رب قُطعت).
*****************
قال اليزيدي النحوي: رأيتُ الخليل بن أحمد جالساً على حصير، فأوسعَ لي، فكرهتُ أن أُضيِّق عليه
فقال لي: يا يزيدي:” لا يضيق سَمُّ خياطٍ (ثقب الإبرة) على متحابيْن، ولا تتسع الدنيا لمتباغضيْنِ.”
أخذ هذا المعنى أحمد بن عبد ربه فقال:
صِل مَن هَوِيتَ وَإِن أَبدى مُعاتَبَةً فَأَطيَبُ العَيشِ وَصلٌ بَينَ إِلفَينِ
وَاقطَع حَبائِلَ خِلٍّ لا تُلائِمُهُ فَرُبَّما ضاقَــــــــــــتِ الدُنيــا بِاِثنَينِ
البيت الأول: يدعو إلى التسامح والحفاظ على المودة؛ فالحبيب إذا عاتبك أو بدر منه جفاء، فالأولى بك وصله ومسامحته، لأن استمرار الود والتوافق بين المحبين هو أساس متعة الحياة.
البيت الثاني: يضع قاعدة في العلاقات الاجتماعية؛ وهي أنه إذا كان الصديق أو الخليل طبعه لا يتلاءم مع طبعك، فالأفضل قطع العلاقة به، فالدنيا بفسحتها قد تضيق وتصبح جحيماً إذا جمعت بين شخصين متنافرين.
********************
التخطّي: ذروة التغافل مع علمك بالخطأ، لذا تغافل وتخطّى لراحة البال والحال
والتّغافل من أسس الرجولة والشّهامة، مالم يْمس الشرف أو الكرامة…
تغافَل لأجل العافية والسلامة…المتغافل حافل وكافل … وبه يكسب الكريم ويدفع اللئيم.
قال الله سبحانه وتعالى (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) سورة الأعراف.
********************
من روائع لغة القرآن الكريم، معنى كلمة (أَبًّا) في قوله تعالى في سورة عبس} وَفَاكِهَةً وَأَبًّا {
الفاكهة: ما يتفكّه فيه الإنسان، من تين وعنب وخوخ ورمان، وغير ذلك.
والأب: ما تأكله البهائم والأنعام، من حشائش ونباتات لا يتغذى عليها الإنسان، ولهذا قال: { مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ } التي خلقها الله وسخرها لكم، فمن نظر في هذه النعم أوجب له ذلك شكر ربه، وبذل الجهد في الإنابة إليه، والإقبال على طاعته، والتصديق بأخباره.
*******************
حقارة الدنيا وسرعة فنائها
قال أبو الحسن التهامي:
حُكْمُ المَنِيَّةِ فِي البَرِيَّةِ جَارِ * مَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ قَرَارِ
بَيْنَا يُرَى الإِنْسَانُ فِيهَا مُخْبِرًا * حَتَّى يُرَى خَبَرًا مِنَ الأَخْبَارِ
طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا * صَفْوًا مِنَ الأَقْذَارِ وَالأَكْدَارِ
وَمُكَلِّفُ الأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا * مُتَطَلِّبٌ فِي المَاءِ جَذْوَةَ نَارِ
وَإِذَا رَجَوْتَ المُسْتَحِيلَ فَإِنَّمَا * تَبْنِي الرَّجَاءَ عَلَى شَفِيرٍ هَارِ
فَالعَيْشُ نَوْمٌ وَالمَنِيَّةُ يَقْظَةٌ * وَالمَرْءُ بَيْنَهُمَا خَيَالٌ سَارِ
فَاقْضُوا مَآرِبَكُمْ عِجَالًا إِنَّمَا * أَعْمَارُكُم سَفَرٌ مِنَ الأَسْفَارِ
وَتَرَاكَضُوا خَيْلَ الشَّبَابِ وَبَادِرُوا * أَنْ تُسْتَرَدَّ فَإِنَّهُنَّ عَوَارِ
****************
حُضُور مجَالِس الْعلم:
إِذا حضرت مجْلِس علم فَلَا يكن حضورك إِلَّا حُضُور مستزيد علما وَأَجرا لَا حُضُور مستغن بِمَا عنْدك طَالبا عَثْرَة تشيعها أَو غَرِيبَة تشنعها فَهَذِهِ أَفعَال الأرذال الَّذين لَا يفلحون فِي الْعلم أبدا فَإِذا حضرتها على هَذِه النِّيَّة فقد حصلت خيرا على كل حَال وَإِن لم تحضرها على هَذِه النِّيَّة فجلوسك فِي مَنْزِلك أروح لبدنك وَأكْرم لخلقك وَأسلم لدينك فَإِذا حضرتها كَمَا ذكرنَا فالتزم أحد ثَلَاثَة أوجه لَا رَابِع لَهَا وَهِي إِمَّا أَن تسكت سكُوت الْجُهَّال فَتحصل على أجر النِّيَّة فِي الْمُشَاهدَة وعَلى الثَّنَاء عَلَيْك بقلة الفضول وعَلى كرم المجالسة ومودة من تجَالس فَإِن لم تفعل ذَلِك فاسأل سُؤال المتعلم فَتحصل على هَذِه الْأَرْبَع محَاسِن وعَلى خَامِسَة وَهِي استزادة الْعلم وَصفَة سُؤال المتعلم أَن تسْأَل عَمَّا لَا تَدْرِي لَا عَمَّا تَدْرِي فَإِن السُّؤَال عَمَّا تدريه سخف وَقلة عقل وشغل لكلامك وَقطع لزمانك بِمَا لَا فَائِدَة فِيهِ لَا لَك وَلَا لغيرك وَرُبمَا أدّى إِلَى اكْتِسَاب العداوات وَهُوَ بعد عين الفضول فَيجب عَلَيْك أَن لَا تكون فضوليا فَإِنَّهَا صفة سوء فَإِن أجابك الَّذِي سَأَلت بِمَا فِيهِ كِفَايَة لَك فاقطع الْكَلَام وَإِن لم يجبك بِمَا فِيهِ كِفَايَة أَو أجابك بِمَا لم تفهم فَقل لَهُ لم أفهم واستزده فَإِن لم يزدك بَيَانا وَسكت أَو أعَاد عَلَيْك الْكَلَام الأول وَلَا مزِيد فَأمْسك عَنهُ وَإِلَّا حصلت على الشَّرّ والعداوة وَلم تحصل على مَا تُرِيدُ من الزِّيَادَة.
كتاب الأخلاق والسير في مداواة النفوس – ابن حزم.
********************
مداواة النُّفُوس وَإِصْلَاح الْأَخْلَاق
لَذَّة الْعَاقِل بتمييزه وَلَذَّة الْعَالم بِعِلْمِهِ وَلَذَّة الْحَكِيم بِحِكْمَتِهِ وَلَذَّة الْمُجْتَهد لله عز وَجل بِاجْتِهَادِهِ أعظم من لَذَّة الْآكِل بِأَكْلِهِ والشارب بشربه والواطئ بِوَطْئِهِ والكاسب بِكَسْبِهِ واللاعب بلعبه والآمر بأَمْره وبرهان ذَلِك أَن الْحَكِيم والعاقل والعالم وَالْعَامِل واجدون لسَائِر اللَّذَّات الَّتِي سمينا كَمَا يجدهَا المنهمك فِيهَا ويحسونها كَمَا يحسها الْمقبل عَلَيْهَا وَقد تركوها وأعرضوا عَنْهَا وآثروا طلب الْفَضَائِل عَلَيْهَا وَإِنَّمَا يحكم فِي الشَّيْئَيْنِ من عرفهَا لَا من عرف أَحدهمَا وَلم يعرف الآخر إِذا تعقبت الْأُمُور كلهَا فَسدتْ عَلَيْك وانتهيت فِي آخر فكرتك باضمحلال جَمِيع أَحْوَال الدُّنْيَا إِلَى أَن الْحَقِيقَة إِنَّمَا هِيَ الْعَمَل للآخرة فَقَط لِأَن كل أمل ظَفرت بِهِ فعقباه حزن إِمَّا بذهابه عَنْك وَإِمَّا بذهابك عَنهُ وَلَا بُد من أحد هذَيْن الشَّيْئَيْنِ إِلَّا الْعَمَل لله عز وَجل فعقباه على كل حَال سرُور فِي عَاجل وآجل أما العاجل فقلة الْهم بِمَا يهتم بِهِ النَّاس وَإنَّك بِهِ مُعظم من الصّديق والعدو وَأما فِي الآجل فالجنة تطلبت غَرضا يَسْتَوِي النَّاس كلهم فِي استحسانه وَفِي طلبه فَلم أَجِدهُ إِلَّا وَاحِدًا وَهُوَ طرد الْهم فَلَمَّا تدبرته علمت أَن النَّاس كلهم لم يستووا فِي استحسانه فَقَط وَلَا فِي طلبه فَقَط وَلَكِن رَأَيْتهمْ على اخْتِلَاف أهوائهم ومطالبهم وتباين هممهم وإراداتهم لَا يتحركون حَرَكَة أصلا إِلَّا فِيمَا يرجون بِهِ طرد الْهم وَلَا ينطقون بِكَلِمَة أصلا إِلَّا فِيمَا يعانون بِهِ إزاحته عَن أنفسهم فَمن مُخطئ وَجه سَبيله وَمن مقارب للخطأ وَمن مُصِيب وَهُوَ الْأَقَل من النَّاس فِي الْأَقَل من أُمُوره فطرد الْهم مَذْهَب قد اتّفقت الْأُمَم كلهَا مذ خلق الله تَعَالَى الْعَالم إِلَى أَن يتناهى عَالم الِابْتِدَاء ويعاقبه عَالم الْحساب على أَن لَا يعتمدوا بسعيهم شَيْئا سواهُ وكل غَرَض غَيره فَفِي النَّاس من لَا يستحسنه إِذْ فِي النَّاس من لَا دين لَهُ فَلَا يعْمل للآخرة وَفِي النَّاس من أهل الشَّرّ من لَا يُرِيد الْخَيْر وَلَا الْأَمْن وَلَا الْحق وَفِي النَّاس من يُؤثر الخمول بهواه وإرادته على بعد الصيت وَفِي النَّاس من لَا يُرِيد المَال ويؤثر عَدمه على وجوده ككثير من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام وَمن تلاهم من الزهاد والفلاسفة وَفِي النَّاس من يبغض اللَّذَّات بطبعه ويستنقص طالبها كمن ذكرنَا من المؤثرين فقد المَال على اقتنائه وَفِي النَّاس من يُؤثر الْجَهْل على الْعلم كأكثر من ترى من الْعَامَّة وَهَذِه هِيَ أغراض النَّاس الَّتِي لَا غَرَض لَهُم سواهَا وَلَيْسَ فِي الْعَالم مذ كَانَ إِلَى أَن يتناهى أحد يستحسن الْهم وَلَا يُرِيد طرده عَن نَفسه فَلَمَّا اسْتَقر فِي نَفسِي هَذَا الْعلم الرفيع وانكشف لي هَذَا السِّرّ العجيب وأنار الله تَعَالَى لفكري هَذَا الْكَنْز الْعَظِيم بحثت عَن سَبِيل موصلة على الْحَقِيقَة إِلَى طرد الْهم الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوب للنَّفس الَّذِي اتّفق جَمِيع أَنْوَاع الْإِنْسَان الْجَاهِل مِنْهُم والعالم والصالح والطالح على السَّعْي لَهُ فَلم أَجدهَا إِلَّا التَّوَجُّه إِلَى الله عز وَجل بِالْعَمَلِ للآخرة وَإِلَّا فَإِنَّمَا طلب المَال طلابه ليطردوا بِهِ هم الْفقر عَن أنفسهم وَإِنَّمَا طلب الصَّوْت من طلبه ليطرد بِهِ عَن نَفسه هم الاستعلاء عَلَيْهَا وَإِنَّمَا طلب اللَّذَّات من طلبَهَا ليطرد بهَا عَن نَفسه هم فَوتهَا وَإِنَّمَا طلب الْعلم من طلبه ليطرد بِهِ عَن نَفسه هم الْجَهْل وَإِنَّهَا هش إِلَى سَماع الْأَخْبَار ومحادثة النَّاس من يطْلب ذَلِك ليطرد بهَا عَن نَفسه هم التوحد ومغيب أَحْوَال الْعَالم عَنهُ وَإِنَّمَا أكل من أكل وَشرب من شرب ونكح من نكح وَلبس من لبس وَلعب من لعب واكتن من اكتن وَركب من ركب وَمَشى من مَشى وتودع من تودع ليطردوا عَن أنفسهم أضداد هَذِه الْأَفْعَال وَسَائِر الهموم.
*******************
قالوا في اللسان: «عَثْرَةُ القَدَمِ أَسْلَمُ مِنْ عَثْرَةِ اللِّسَانِ»، لأنه كما قيل في المثل الآخَرِ: «عَثْرَةُ الرِّجْلِ عَظْمٌ يُجْبَرُ، وَعَثْرَةُ اللِّسَانِ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ»، ولذلك قالوا أيضًا: «كَلْمُ اللِّسَانِ أَنْكَى مِنْ كَلْمِ الحُسَامِ»، [نَكَى ونَكَأَ الجُرْحَ: قَشَرَه قبل أن يبرأَ، ومعناه: أنَّ الجرح الذي يُحدثه اللسانُ أشدُّ إيلامًا مِن جرح السيف].
هذا، وقد رمق شعراؤنا سماءَ هذه الأمثال فنظموها في أبياتٍ من الشعر فقالوا عن الأوَّل والثاني:
يَمُوتُ الفَتَى مِنْ عَثْرَةٍ بِلِسَانِهِ * وَلَيْسَ يَمُوتُ المَرْءُ مِنْ عَثْرَةِ الرِّجْلِ
فَعَثْرَتُهُ مِنْ فِيهِ تَرْمِي بِرَأْسِهِ * وَعَثْرَتُهُ بِالرِّجْلِ تَبْرَا عَلَى مَهْلِ
وقالوا عن الثالث:
جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامٌ * وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ
وَقَدْ يُرْجَى لِجُرْحِ السَّيْفِ بُرْءٌ * وَجُرْحُ الدَّهْرِ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ
وقد حذَّر الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ من خطر اللسان فقال:
احْفَظْ لِسَانَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ * لَا يَلْدَغَنَّكَ إِنَّهُ ثُعْبَانُ
كَمْ فِي المَقَابِرِ مِنْ قَتِيلِ لِسَانِهِ * كَانَتْ تَهَابُ لِقَاءَهُ الأَقْرَانُ
وصدق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذْ يقول: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ» [رواه مسلم (٧٦٧٣)]. [«مجمع كنوز الأمثال» كمال خلايلي (٢٣٢)]
*****************
قال حافظ إبراهيم رحمه الله مبيِّنًا قيمةَ الأخلاق:
إِنِّي لَتُطْرِبُنِي الخِلَالُ كَرِيمَةً * طَرَبَ الغَرِيبِ بِأَوْبَةٍ وَتَلَاقِ
وَيَهُزُّنِي ذِكْرُ المُرُوءَةِ وَالنَّدَى * بَيْنَ الشَّمَائِلِ هَزَّةَ المُشْتَاقِ
مَا البَابِلِيَّةُ فِي صَفَاءِ مِزَاجِهَا * وَالشُّرْبُ بَيْنَ تَنَافُسٍ وَسِبَاقِ
وَالشَّمْسُ تَبْدُو فِي الكُؤُوسِ وَتَخْتَفِي * وَالبَدْرُ يُشْرِقُ مِنْ جَبِينِ السَّاقِي
بِأَلَذَّ مِنْ خُلُقٍ كَرِيمٍ طَاهِرٍ * قَدْ مَازَجَتْهُ سَلَامَةُ الأَذْوَاقِ
فَإِذَا رُزِقْتَ خَلِيقَةً مَحْمُودَةً * فَقَدِ اصْطَفَاكَ مُقَسِّمُ الأَرْزَاقِ
فَالنَّاسُ هَذَا حَظُّهُ مَالٌ، وَذَا * عِلْمٌ وَذَاكَ مَكَارِمُ الأَخْلَاقِ
وَالمَالُ إِنْ لَمْ تَدَّخِرْهُ مُحَصَّنًا * بِالعِلْمِ كَانَ نِهَايَةَ الإِمْلَاقِ
وَالعِلْمُ إِنْ لَمْ تَكْتَنِفْهُ شَمَائِلٌ * تُعْلِيهِ كَانَ مَطِيَّةَ الإِخْفَاقِ
لَا تَحْسَبَنَّ العِلْمَ يَنْفَعُ وَحْدَهُ * مَا لَمْ يُتَوَّجْ رَبُّهُ بِخَلَاقِ
الأُمُّ مَدْرَسَةٌ إِذَا أَعْدَدْتَهَا * أَعْدَدْتَ شَعْبًا طَيِّبَ الأَعْرَاقِ
*****************
الشغف بالكتاب
كتاب «الجمهرة» لابن دريدٍ مرجعٌ من مراجع أهل الأدب، أملاه بحلبٍ تلميذُه أبو عبد الله الحسينُ بن أحمد بن خالويه المتوفَّى في سنة (٣٧٠ﻫ) على جهابذةٍ مشاهيرَ منهم أحمد بن عبد الرحمن بن قابوس، وكانت عند تلميذه أبي عليٍّ القالي بمنزلة الروح من الجسد، حتى إنه أعطِيَ فيها ثلاثمائة مثقالٍ ذهبًا فأبى! فلمَّا اشتدَّت حاجتُه إلى الإنفاق على عياله باعها بأربعين مثقالًا!!!
وكتب عليها هذه الأبيات:
أَنِسْتُ بِهَا عِشْرِينَ عَامًا وَبِعْتُهَا * وَقَدْ طَالَ وَجْدِي ـ بَعْدَها ـ وَحَنِينِي
وَمَا كَانَ ظَنِّي أَنَّنِي سَأَبِيعُهَا * وَلَوْ خَلَّدَتْنِي فِي السُّجُونِ دُيُونِي
وَلَكِنْ لِعَجْزٍ وَافْتِقَارٍ وَصِبْيَةٍ * صِغَارٍ عَلَيْهِمْ تستهلُّ شُؤُونِي
فَقُلْتُ ـ وَلَمْ أَمْلِكْ سَوَابِقَ عَبْرَتِي ـ * مَقَالَةَ مَكْوِيِّ الفُؤَادِ حَزِينِ
وَقَدْ تُخْرِجُ الحَاجَاتُ يَا أُمَّ مَالِكٍ * كَرَائِمَ مِنْ رَبٍّ بِهِنَّ ضَنِينِ
فلمَّا رأى الذي اشتراها هذه الأبياتَ كاد يذوب أسًى وعطْفًا على صاحبها، ثمَّ أرسلها إليه ومعها أربعون مثقالًا ذهبًا أخرى، فلمَّا وصلتْه كان كأنما رُدَّتْ إليه روحُه.
******************
إنَّ شانئك هو الأبتر
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ [الكوثر: ٣]، أي: مبغضك. والأبتر: المقطوع النسلِ، الذي لا يولد له خيرٌ ولا عملٌ صالحٌ، فلا يتولَّد عنه خيرٌ ولا عملٌ صالحٌ.
قيل لأبي بكر بن عيَّاشٍ: «إنَّ بالمسجد قومًا يجلسون ويُجلس إليهم»، فقال: «من جلس للناس جلس الناسُ إليه، ولكنَّ أهل السنَّة يموتون ويحيا ذكرُهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرُهم؛ لأنَّ أهل السنَّة أحيَوْا ما جاء به الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم فكان لهم نصيبٌ من قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، وأهل البدعة شنؤوا ما جاء به الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، فكان لهم نصيبٌ من قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣].
فالحذَرَ الحذرَ ـ أيُّها الرجل ـ من أن تكره شيئًا ممَّا جاء به الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم أو تردَّه لأجل هواك، أو انتصارًا لمذهبك أو لشيخك، أو لأجل اشتغالك بالشهوات أو بالدنيا، فإنَّ الله لم يوجِب على أحدٍ طاعةَ أحدٍ إلَّا طاعةَ رسوله والأخذَ بما جاء به، بحيث لو خالف العبدُ جميعَ الخلق واتَّبع الرسولَ ما سأله الله عن مخالفة أحدٍ، فإنَّ من يطيع أو يطاع، إنما يطاع تبعًا للرسول، وإلَّا لو أمر بخلاف ما أمر به الرسول ما أطيع، فاعلم ذلك واسمع وأطع، واتَّبع ولا تبتدع، تكن أبتر مردودًا عليك عملُك، بل لا خير في عملٍ أبتر من الاتِّباع ولا خير في عامله، والله أعلم.
****************
سحبان وائلٍ رضي الله عنه
هو سحبان بن زفر بن إياسٍ الوائليُّ، وائل باهلة، فصيح العرب، وخطيبٌ يُضرب به المثل في البيان والفصاحة، فكانوا إذا أرادوا مَدْحَ إنسانٍ بذلك قالوا: «هو أخطب أو أبلغ أو أفصح من سحبان وائلٍ» أدرك الجاهلية، وأسلم، وهو أوَّل من قال: أمَّا بعد، وأوَّل من آمن بالبعث من الجاهلية، وأوَّل من توكَّأ على عصا، مات سنة أربعٍ وخمسين، وحكى الأصمعيُّ قال: «كان إذا خطب يسيل عرقًا، ولا يعيد كلمةً، ولا يتوقَّف، ولا يقعد حتَّى يفرغ»، وممَّا روي من خطبه البليغة قولُه:
«إنَّ الدنيا دار بلاغٍ، والآخرة دار قرارٍ، أيُّها الناس فخُذوا من دار ممرِّكم لدار مقرِّكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسرارُكم، وأخرجوا من الدنيا قلوبَكم قبل أن تخرج منها أبدانُكم، ففيها حَيِيتم، ولغيرها خُلقتم، إنَّ الرجل إذا هلك قال الناس: ما ترك؟ وقالت الملائكة: ما قدَّم؟ قدِّموا بعضًا يكون لكم، ولا تخلِّفوا كلًّا يكون عليكم».
[«بلوغ الأرب» للألوسي (٣/ ١٥٦) و«جمهرة خطب العرب» لأحمد زكي صفوت (٢/ ٤٨٢) و«جواهر الأدب» لأحمد الهاشمي (٣٠٨) و«خزانة الأدب» لعبد القادر بن عمر البغدادي (١٠/ ٣٩٧)]
********************
ليس في الشريعة قشور
«لا يجوز التعبير عن الشريعة بأنها قشرٌ مع كثرة ما فيها مِن المنافع والخيور، وكيف يكون الأمر بالطاعة والإيمان قشرًا؟ وأنَّ العلم الملقَّب بعلم الحقيقة جزءٌ من أجزاء علم الشريعة، ولا يُطلِق مثلَ هذه الألقابِ إلَّا غبيٌّ شقيٌّ قليل الأدب، ولو قيل لأحدهم: «إنَّ كلام شيخك قشورٌ» لأنكر ذلك غايةَ الإنكار، ويُطلِق لفظَ القشور على الشريعة، وليست الشريعةُ إلَّا كتابَ الله وسنَّةَ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، فيُعزَّر هذا الجاهل تعزيرًا يليق بمثل هذا الذنب». [«فتاوى العزِّ بن عبد السلام» (٧١ ـ ٧٢)]
********************
تأثير الصحبة
«اعلموا إخواني أنِّي فكَّرتُ في السبب الذي أخرج أقوامًا من السنَّة والجماعة، واضطرَّهم إلى البدعة والشناعة، وفتح باب البليَّة على أفئدتهم، وحجب نور الحقِّ عن بصيرتهم، فوجدتُ ذلك من وجهين: أحدهما: البحث والتنقير وكثرة السؤال عمَّا لا يغني ولا يضرُّ العاقلَ جهلُه، ولا ينفع المؤمنَ فهمُه. والآخر: مجالسة من لا تُؤْمَن فتنتُه، وتُفسد القلوبَ صحبتُه». [«الإبانة الكبرى» لابن بطَّة (١/ ٣٩٠)]
******************
حِفْظِ الوَقْتِ
قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- عَنِ الوَقْتِ وَحِفْظهِ وَاتِّقَاءِ إِضَاعَتِهِ: «رَأَيْتُ العَادَاتِ قَدْ غَلبَتْ عَلَى النَّاسِ في تَضْيِيعِ الزَّمَانِ، فَهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فَلاَ يَنْفَكُّونَ عَنْ كَلاَمٍ لاَ يَنْفَعُ وَغِيبَةٍ، وَأَقَلُّهُ ضَيَاعُ الزَّمَانِ، وَقَدْ كَانَ القُدَمَاءُ يُحَذِّرُونَ مِنْ ذَلِكَ…..؛ وَاعْلَمْ أَنَّ الزَّمَانَ أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَضِيعَ مِنْهُ لَحْظَةٌ فَكَمْ يُضَيِّعُ الآدَمِيُّ مِنْ سَاعَاتٍ يَفُوتُهُ فِيهَا الثَّوَابُ الجَزِيلُ … وَالَّذِي يُعِينُ عَلَى اغْتِنَامِ الزَّمَانِ الانْفِرَادُ وَالعُزْلَةُ مَهْمَا أَمْكَنَ وَالاِخْتِصَارُ عَلَى السَّلاَمِ أَوْ حَاجَةٍ مُهِمَّةٍ لِمَنْ يَلْقَى، وَقِلَّةُ الأَكْلِ فَإِنَّ كَثْرَتَهُ سَبَبُ النَّوْمِ الطَّوِيلِ وَضَيَاعِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي سِيَرِ السَّلَفِ وَآمَنَ بِالجَزَاءِ بَانَ لَهُ مَا ذَكَرْتُهُ» [«الآداب الشّرعيّة» لابن مفلح: (3/ 474)].
هذا المحتوى من كل بستان زهرة -130- ظهر أولاً في سواليف.
→يدعو المقال إلى أهمية التسامح والمحافظة على العلاقات الطيبة بين المحبين.
→يشدد على ضرورة التغافل لأجل الراحة النفسية وعدم التعلق بالأمور السلبية.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة سواليف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by سواليف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.



