من أوراق نوري عبد الرزاق البريسترويكا والغلاسنوست
يواصل د. عبد الحسين شعبان تقليبه وتنقيبه في أوراق نوري عبد الرزاق المثقّف الرؤيوي الكبير والمجدّد المستنير كما يسمّيه، وهو إحدى الشخصيات الشيوعية البارزة، التي احتّلت مواقع دولية عليا بجدارة كبيرة في ظروف الصراع الدولي المحتدم بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، ونال في العام 1974 وسام لينين.
وتحتوي المذكرات على معلومات مهمة مثلما تكشف عن رؤية قيمية وإنسانية، يحاول صديقه شعبان إبرازها في مسعى منه لقراءة تاريخنا المعاصر بروح منفتحة ومنهج موضوعي، من خلال المساهمين في صنعه أو المشاركين فيه أو الشاهدين عليه.
ويمثّل هذا الجهد الأكاديمي الثقافي المعرفي التاريخي الذي يقوم به شعبان، وهو مفكّر مرموق وباحث رصين منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن، زادًا غنيًا للباحثين ومادةً مهمة للدارسين لتحويل الذاكرة الشفوية إلى إحدى مصادر التاريخ بعد تدقيقها وتأطيرها وتنسيقها وإبعادها عن الغرض لتتواءم مع الوقائع والوثائق التاريخية.
هيئة تحرير الوطن
بعد تولّي ميخائيل غورباتشوف منصب الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي العام 1985، بدأت مرحلة جديدة عُرفت باسم البريسترويكا، وهي تعني "إعادة البناء"، أما الغلاسنوست فتعني "الشفافية"؛ الأولى كان القصد منها إعادة بناء الدولة والمجتمع؛ والثانية إفساح مجال أكبر لحريّة التعبير وتنشيط الحياة السياسية والفكرية.
وقد أُقرّت تلك السياسة في المؤتمر السابع والعشرين للحزب الشيوعي السوفيتي (شباط / فبراير 1986)، واعتُمدت كسياسة رسمية لتحديث الاقتصاد والمجتمع لتجاوز حقبة الركود التي عاشها الاتحاد السوفيتي، وانتهاج سياسة خارجية جديدة للتخفيف من حدّة التوتّر الدولي الذي شهده الصراع الأيديولوجي العالمي في فترة الحرب الباردة (1946 – 1989).
ظلّ العالم كلّه يترقّب التوجّه السوفيتي الجديد، خصوصًا في الغرب، بما يشتبك مع العلاقات الدولية التي يحتاج إرساءها إلى المزيد من التفاهم والتعاون في موضوع الأسلحة النووية، خصوصًا وأن الولايات المتحدة كانت قد رصدت نحو تريليوني دولار لبرنامج "حرب النجوم"، وهو ما لم يكن بقدرة الاتحاد السوفيتي مجاراتها فيه.
جيل الدولة بعد جيل الثورة
يُعتبر غورباتشوف من الجيل الثاني للقيادات الشيوعية، وهو من جيل الدولة وليس من جيل الثورة، فضلًا عن ذلك فإنه قياسًا بأقرانه من القيادات يُعتبر "شابًا" حيويًا وديناميكيًا، وحمل معه برنامجًا طموحًا للتغيير دون أن تكون الظروف الموضوعية والذاتية ملائمة لتحقيقه، إذا افترضنا حُسن النيّة فيه.
حصل غورباتشوف على شهادة الإجازة في الحقوق العام 1955 من جامعة موسكو، وخلال دراسته الجامعية انضمّ إلى الحزب الشيوعي وتدرّج في مواقعه السياسية والإدارية، وأصبح عضوًا في المكتب السياسي العام 1979، ثم أمينًا عامًا للحزب بعد وفاة 3 أمناء عامين من كبار السن (في غضون ثلاث سنوات)، وهم على التوالي بريجينيف (توفي في 10 تشرين الثاني / نوفمبر 1982)؛ أندروبوف (توفي في 9 شباط / فبراير 1984)؛ وتشيرنينكو (توفي في 10 آذار / مارس 1985)، وأعقبه غورباتشوف الذي ظلّ على قيد الحياة، لكن الاتحاد السوفيتي هو الذي اختفى عن الوجود.
استبشار واستدراك
يقول نوري: كان الاستبشار كبيرًا في بداية مجيء غورباتشوف وطاقمه، حيث كان الاتحاد السوفيتي قد وصل إلى أزمة خانقة في الاقتصاد وإدارة البلاد وترهّل النظام، بحيث كان من الاستحالة السير على نفس النهج السابق، وهكذا أصبحت الرغبة في التغيير فرض عين وليس فرض كفاية كما يٌقال، فما الذي حصل؟
يستدرك نوري بالقول: لكن الأحداث أثبتت أن هذه القيادة ليست أكثر إخلاصًا للمبادئ والقيم الاشتراكية، على افتراض أن من سبقتها كانت محافظة وتقليدية.
وإذا أصبح التغيير مطلبًا مشروعًا ولا غنى عنه للأسباب المذكورة، إلّا أن الأمر كان يحتاج إلى تهيئة الظروف المناسبة، والعمل بالتدرّج وبطول نفس لتوفير كوادر كافية ومقتنعة بالتغيير ومؤمنة بضرورة تحقيقه، وذلك بتظافر جهود الدولة والإدارة والحزب والمنظمات النقابية والاجتماعية وعموم المجتمع، أي أن التغيير لا يبقى فوقيًا وإنما بمشاركة فاعلة من القاعدة في الآن.
يقول نوري: كانت البريسترويكا والغلاسنوست (إعادة البناء والشفافية) ضرورية، ولا بدّ منها لتنشيط الجدل والنقاش والحوار، في إطار تجديد وتطوير التجربة الاشتراكية وليس إلغائها أو تعريضها للتفكّك دون خطة ودون منهج وتدرّج وتسلسل، بحيث يكون التغيير على مراحل، وهذا ما لم تفعله القيادة الجديدة، فضلًا عن أنها اصطدمت بالحرس القديم الذي اتّجه بعضه إلى الوقوف ضدّ الانقلاب لعدم قناعته به، والبعض الآخر اعتقد أنه سيشمله، ولذلك وقف ضدّه، وثمة مجموعات أخرى كانت تؤمن بالتغيير، ولكن ليس عن طريق تقديم التنازلات المفتوحة للغرب بهدف إرضائه.
عدم الحصانة وبناء الجسور
إن البحث عن إزالة بؤر التوتّر أو الحد من سباق التسلّح لا يعني تقديم تنازلات دون حساب للطرف الآخر، بقدر ما يعني البحث عن حلول مشتركة واتفاقات من شأنها توفير بيئة أفضل لإقامة السلام وإدامته، وهو ما يقصده نوري حين يقول: في الفترة الأولى نشطت البريسترويكا في طرح أفكار جديدة، لكنّها بالتدرّج ضحّت بالنظام الاشتراكي الذي كان يمكن تطويره وتخليصه من الأخطاء والنواقص، خصوصًا بمعالجة أسبابها في ظلّ الأجواء الجديدة وحريّة التعبير وتشجيع النقد الإيجابي، لكن ذلك قاد، بسبب التراخي وعدم الحصانة وعدم تهيئة مستلزمات التغيير، إلى تصدّع كيانية النظام الاشتراكي من داخله، ووجدَتْها قوى الردّة فرصة مناسبة للانقضاض عليه وتقويضه، وهي فرصة تاريخية، ويضيف نوري أن غورباتشوف لعب دورًا شائنًا في هذا المجال.
وكان الغرب قد قاد صراعًا أيديولوجيًا وحربًا نفسية واستخدم وسائل القوّة الناعمة لعقود من الزمن، وفقًا لنظرية بناء الجسور، التي اعتمدها ترست الأدمغة (مجمّع العقول الذي كان يعمل بمعيّة الرؤساء الأمريكيين لبلورة وسائل الصراع مع النظام الاشتراكي تنفيذًا لمصالح المجمّع الصناعي الحربي).
ونظرية بناء الجسور تقوم على فكرة مفادها "عبور الأفكار والسلع والبضائع ونمط الحياة الغربي لخلخلة الاتحاد السوفيتي من داخله" باستغلال عناصر الضعف الداخلية ومنها البيروقراطية الحزبية واحتكار العمل السياسي والنقابي والاجتماعي، فضلًا عن الأزمات الاقتصادية الحادة وشحّ الحريّات، وكانت تلك تربة خصبة فرّخت فيها القوى المضادة وبذرت فيها بذورها حتى تحقّق لها ما أرادت (أنظر كتابنا كيسنجر وبريجينسكي: ترست الأدمغة والاستراتيجية الأمريكية، دار الرافدين، بيروت - بغداد، 2024).
التضامن وحركة التحرّر
يقول نوري: في العام 1989 نظّمت اللجنة السوفيتية للتضامن مؤتمرًا عالميًا حول البريسترويكا وحركة التحرّر العالمية، وحضر المؤتمر شخصيات ومثقفين وساسة وباحثين من مختلف دول العالم، إضافة إلى لجان السلم والتضامن، وكانت معظم المداخلات تشير إلى أن البريسترويكا ستدعم حركات التحرّر الوطني العالمية.
وحينها طُلب منّي التعليق على المداخلات والأبحاث المقدّمة، فكان رأيي أن البريسترويكا ستقلّل من فرص الدعم لحركات التحرّر، والأمر لا يتعلّق بالرغبة، بل بالظروف الموضوعية، لأن الاهتمام الأكبر سينصبّ على العلاقة بالغرب، ويكون الاهتمام بحركات التحرّر أقل من السابق لانخفاض المعيار الأيديولوجي.
وقد أثار هذا الرأي استغرابًا، وطُلب منّي تفسيره، وبرّرته بأنه إذا كانت العلاقات مع الغرب تتطلّب تقديم تنازلات باعتبار قضية صيانة السلم العالمي هي القضية المركزية، فإن هذه التنازلات ستشمل حركات التحرّر العالمية، وقد سارت الأيام بهذا الاتجاه.
البريسترويكا والصهيونية
كان سقوط جدار برلين في 9 تشرين الثاني / نوفمبر 1989 مرحلة فاصلة في تاريخ الفكر والممارسة الاشتراكية، وقادت إلى تحلّل الاتحاد السوفيتي بالتدرّج، ثم أُطيح به في العام 1991 بعد أن كرّت مسبحة الدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية الواحدة تلو الأخرى.
ويوازي هذا الانهيار حربًا عالمية ثالثة، لكن دون جيوش، وبدلًا من كون الصراع بين الشرق والغرب، تحوّل ليصبح بين الشمال والجنوب، وهذا الأخير كما يقول نوري في آلياته ومواصفاته المختلفة أشدّ تعقيدًا من غيره وأقلّ وضوحًا من فترة الحرب الباردة، خصوصًا بهيمنة الولايات المتحدة، كقطب أوحد، على النظام الدولي الجديد.
وفي ختام هذه الحلقة من أوراق نوري أودّ أن أشير إلى مسألة مهمة وهي استغلال الصهيونية العالمية لشعار البريسترويكا والغلاسنوست، فنشطت إلى حدود كبيرة مستفيدةً من أجواء حريّة التعبير والنقد، وقادت حملة لهجرة اليهود من الاتحاد السوفيتي إلى إسرائيل، حيث شملت نحو مليون يهودي.
وساهم الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص في الحملة تحت مزاعم إنسانية، وكان الهدف منها تعزيز المشروع الصهيوني ومدّه بالعنصر البشري، الذي كان شديد الحاجة إليه لمواجهة القنبلة الديموغرافية الفلسطينية، حيث كانت مدينة فيينا المحطة الرئيسية التي ينتقل منها اليهود السوفييت إلى إسرائيل.
الجدير بالذكر أن تلك الفترة شهدت أيضًا هجرة اليهود الفلاشا من أثيوبيا، "بعضهم عبر السودان" إلى إسرائيل، وقد اعترف مسؤولون إسرائيليون لأول مرّة أن إسرائيل قامت بنقل الآلاف من اليهود "الفلاشا" سرًا من أثيوبيا إليها، وذلك منذ العام 1985.
وتُعيد هجرة اليهود السوفييت ويهود الفلاشا إلى الأذهان تواطؤ القوى الإمبريالية والرجعية مع الصهيونية العالمية في تهجير يهود البلاد العربية لدعم وجود إسرائيل بشريًا بعد قيامها في العام 1948، وقد كانت وستبقى بحاجة إلى هذا الدعم البشري باستمرار.
نشرت في صحيفة الوطن الجديد في 26 آذار / مارس 2026.




