... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
232024 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8010 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

م. محمد الحواتمة : الأردن.. حيث ينتهي العبث وتبدأ الحقيقة.

أخبارنا
2026/03/28 - 06:08 506 مشاهدة

لم يكن الأردن يوماً دولةً تقاس بمساحتها، ولا رقماً يضاف إلى جداول القوى، بل كان دائماً حالةً مختلفة، تفهم بالتاريخ قبل الحاضر وبالوعي قبل الانفعال. منذ آلاف السنين وهذه الأرض ليست مجرد مكان، بل عقدة حضارات، وممراً للأنبياء ونقطة ارتكاز لكل من مر من هنا. من صخور البتراء التي نحتها الأنباط بعبقرية لا تزال تدهش العالم، إلى تل ذيبان الاثري في مأدبا إلى أعمدة جرش التي ما زالت شامخة كأنها ترفض أن تكون مجرد آثار، كان الأردن دائماً شاهداً على أن الزمن قد يمر، لكنه لا يكسر هذه الأرض.
ومع بزوغ فجر الإسلام، لم يكن الأردن على هامش التحولات، بل كان في قلبها. هنا كتبت صفحات من أعظم لحظات التاريخ، من معركة مؤتة حيث وقف القليل بثباتٍ أسطوري أمام جيوش تفوقه عدداً، إلى معركة اليرموك التي أعادت رسم ملامح المنطقة، وصولاً إلى معركة الكرامة التي لم تكن مجرد معركة، بل كانت لحظة كسر لصورة ظنها البعض لا تهزم. هذه ليست قصصاً تروى للتفاخر، بل جذورٌ عميقة تفسر لماذا لا يفهم الأردني إلا إذا فهم تاريخه.
وعندما قامت الدولة الحديثة، لم تبنَ على وفرة، بل على رؤية. جاء الملك عبدالله الأول بن الحسين ليؤسس دولةً في قلب منطقة مضطربة، واضعاً حجر الأساس لكيانٍ يعرف معنى التوازن. ثم حمل الراية الملك الراحل طيب الله ثراه الحسين بن طلال، الذي لم يكن ملكاً عابراً، بل قائد مرحلةٍ طويلة من التحديات، قاد الأردن خلالها بين الحروب والأزمات، دون أن يفقد بوصلته. واليوم، يواصل الملك عبدالله الثاني بن الحسين حفظه الله ورعاه هذه المسيرة، في زمنٍ تتهاوى فيه دول وتضيع فيه المعايير، ليبقى الأردن ثابتاً متماسكاً، يعرف كيف يقف حين يتراجع الآخرون.
اقتصادياً لم يكن الطريق مفروشاً بل كان مليئاً بالعقبات. بلد محدود الموارد، يواجه شح المياه، وضغوطاً إقليمية وأعباءً تفوق إمكانياته ومع ذلك لم يسقط. لأن الاقتصاد في الأردن لم يكن يوماً قائماً على الثروات، بل على الإنسان. على عقل الطالب، وعرق العامل، وإصرار الشاب الذي يرفض أن يكون جزءاً من الهزيمة. من السياحة التي تعيد الحياة للمكان، إلى التعليم الذي يصنع المستقبل، ومن الخدمات إلى الابتكار، استطاع الأردن أن يصنع نموذجاً في الصمود، لا في الرفاه. وهذا بحد ذاته إنجاز لا يُرى بالأرقام فقط، بل يلمس في تفاصيل الحياة اليومية.
وفي قلب هذا كله، يقف الجيش العربي الأردني، ليس كقوة عسكرية فقط، بل كقيمة. جيشٌ يحمل تاريخاً لا يكتب بالحبر، بل بالفعل. لم يكن يوماً جيش استعراض ولا قوة تستخدم للضغط، بل درعاً حقيقياً، صامتاً في قوته، حاضراً في لحظة الحسم. هذا الجيش الذي تربى على أن الدفاع عن الأردن ليس مهمة، بل شرف، لا ينتظر أمراً ليعرف واجبه ولا يحتاج إلى تفسير ليعرف حدوده وإلى جانبه، شعبٌ لا يقاس بعدده، بل بوعيه، شعبٌ يعرف أن الوطن ليس خياراً يمكن التراجع عنه، بل قدرٌ يحمل في القلب.
ومن هنا، حين ترفع أصوات التهديد من هنا وهناك، من الكيان الصهيوني الذي اعتاد أن يرى نفسه فوق القانون ومن إيران التي تلوح بالقوة وتوسع خطابها، فإن الرسالة الأردنية لا تأتي بالصراخ، بل بالوضوح. الأردن ليس ساحةً لتبادل الرسائل، ولا ممراً لمشاريع الآخرين ولا نقطة ضعف في معادلاتكم. من يعتقد أن بإمكانه أن يختبر هذا الوطن، فهو لم يقرأ تاريخه، ولم يفهم حاضره، ولن يتحمل مستقبله.
الأردن لا يهدد، لأنه لا يحتاج أن يثبت نفسه لأحد. لكنه أيضاً لا يقبل أن يفرض عليه واقع لا يشبهه. هناك خطوط لا تكتب في البيانات، بل تفهم من الموقف وحدود لا ترسم على الخرائط فقط، بل ترسم في الوعي الجمعي لشعب يعرف أن الكرامة ليست شعاراً، بل أسلوب حياة. ومن يخطئ في قراءة هذا الهدوء سيكتشف متأخراً أنه لم يكن هدوء ضعف، بل هدوء ثقة.
في زمنٍ أصبحت فيه بعض الدول تبحث عن دورٍ بأي ثمن، يبقى الأردن دولة تعرف دورها جيداً، ولا تقبل أن يفرض عليها غيره. لا تنجر إلى الفوضى، لكنها لا تسمح لها أن تقترب. لا تبحث عن المواجهة، لكنها لا تتهرب منها. هذه المعادلة هي ما يجعل الأردن صعباً على من لا يفهمه، ومستحيلاً على من يحاول كسره.
الأردن ليس قصة تكتب وتنتهي، بل قصة مستمرة. قصة وطنٍ تعلم كيف يصمد، كيف يوازن، كيف يبقى. هنا لا تقاس الأمور بالصوت العالي، بل بالفعل الهادئ. هنا لا تصنع القرارات تحت الضغط، بل تبنى على وعيٍ عميق. وهنا، تحديداً، يكمن الفرق.
في النهاية، الأردن ليس ساحة بل حد. ليس رقماً بل معادلة. ليس طرفاً بل حقيقة. ومن لا يفهم هذه الحقيقة اليوم، سيفهمها غداً ولكن بعد أن يدرك أن هذا الوطن، ببساطة، لا يُختبر.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤