لبنان الرسمي آخر من يعلم والحزب تبلغ بوجود أجواء تفاوض جدية
بين نار الميدان وضباب السياسة، يقف لبنان على حافة معادلة قاتلة: حرب مفتوحة بلا أفق، وسلطة غائبة عن لحظة تقرير المصير. في الأسبوع الخامس من المواجهة، لا تبدو الأزمة مجرد صراع عسكري، بل اختبارًا قاسيًا لميزان القوة، ولمن يملك حق التفاوض باسم البلاد، الدولة أم المقاومة.
بينما دخلت الحرب الإسرائيلية على لبنان أسبوعها الخامس، لم تنضج بعد المبادرات الدبلوماسية، ولا ما تردّد عن أفكار تسلّمها حزب الله في الأسابيع الأولى من اندلاعها. وكان اللافت طوال تلك الفترة غياب السلطة عن بعض المبادرات أو الأفكار التي طُرحت، حتى وإن لم تحقق المرجو منها. بل إن الدول التي تتحرك على خط الوساطة باتت تتوجّه مباشرة إلى حزب الله، لا إلى أركان السلطة، فيما يأخذ الحزب على السلطة رفضها استثمار ورقة المقاومة في سبيل تقوية موقفها التفاوضي.
بعد أسابيع من اندلاع الحرب، وفي ذروة التحرّك الفرنسي نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، تحرّكت قبرص على خط نقل الرسائل، حيث اجتمع وفد قبرصي مع حزب الله مستطلعًا مطالبه لوقف الحرب. ونبّه الوفد حينها إلى احتمال اندلاع حرب إسرائيلية بلا هوادة، معتبرًا أن إسرائيل تخوض حربًا مصيرية، داعيًا لبنان إلى التنبّه لذلك وتجنّبه. كما حذّر من خطورة جبهة الحدود مع سوريا في حال قررت إسرائيل فتحها. كانت الحرب في بدايتها، فاستمع حزب الله من دون أن يكون لديه ما يقوله. لاحقًا، تحرّكت مصر، التي سلّمت باعتبار الحزب أن الكلمة للميدان في هذه المرحلة.
في الأسبوع الخامس، ترنّحت المبادرات أمام تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران، ومنحها مهلة تنتهي قريبًا، ما يوحي بمزيد من التصعيد في لبنان وإيران معًا. وقد شهد لبنان تصعيدًا بوتيرة عالية، ارتبط باستهداف حزب الله بارجة في عرض البحر، ما أظهر امتلاكه قدرات بحرية، بالرغم من الحديث السابق عن تدميرها. في المقابل، يعكس ردّ الفعل الإسرائيلي وعدوانه المتواصل أن الميدان لم يعد مريحًا لقواته، التي تعجز عن التوغّل وفق ما كان مخططًا، كما أظهرت وسائل إعلامها، فضلًا عن صليات الصواريخ التي تستهدف الداخل الإسرائيلي.
لا يزال حزب الله يعتبر أن للميدان كلمته الفصل في السياسة وعلى مستوى المفاوضات، مسجّلًا مآخذه على السلطة التي لم تستفد من ورقة المقاومة. وقد كان لافتًا ما قاله رئيس الجمهورية في بكركي: "لم يصلنا أي جواب حول التفاوض"، مشيرًا إلى ما سبق أن أرسله إلى حزب الله من أفكار لتجنّب عدوان إسرائيلي واسع. فردّ الحزب ضمنيًا بأن الجواب أتى عبر تسخين جبهة الجنوب.
حتى الآن، لم يزر لبنان أي طرف مبادر للحل، في ظل تسليم عام بأن المواجهات، سواء في إيران أو لبنان، خالفت التوقعات، ما يستدعي التروّي في الاستنتاجات السياسية المرتبطة بنتائج الحرب. وعُلم أن السفير الأميركي ميشال عيسى، الذي غادر لبنان، لم يتجاوب مع طلب أوساط رسمية بالتدخل للوساطة مع إسرائيل.
وتعبّر أوساط دبلوماسية غربية عن صدمتها من مسار الجبهة، التي خالفت التقديرات القائلة إن الحرب على إيران لن تستغرق سوى أيام، وأن حزب الله عاجز عن الصمود. وقد شكّل صمود إيران، إلى جانب قدرة حزب الله العسكرية، مفاجأة لعدد من الدول الغربية الحليفة لإسرائيل، بينها بريطانيا.
وتبدي هذه الأوساط خشيتها من توسّع الحرب في لبنان عبر استهدافات إضافية، وتوسيع نطاق المنطقة الأمنية التي تعتزم إسرائيل فرضها. كما تحذّر من ضغوط لدفع سوريا إلى الانخراط في الجبهة، وهو ما أشار إليه الوفد القبرصي، متحدثًا عن مساعٍ إسرائيلية في هذا الاتجاه، لولا رفض تركيا.
وتندرج ضمن الرسائل التي يتلقّاها لبنان معلومات عن نية إسرائيل تدمير شريط يتراوح بين خمسة وسبعة كيلومترات، وتحويله إلى منطقة مكشوفة يُمنع الدخول إليها بشكل مطلق.
أما في ما يتعلّق بإطالة أمد الحرب، فترى الأوساط الدبلوماسية الغربية أن المسار مرتبط بما ستؤول إليه الأوضاع في إيران، التي، بالرغم من الضغوط، لا تزال قائمة ولم يسقط نظامها. ومع ذلك، فإن ربط المسارين اللبناني والإيراني ليس محسومًا، وهو ما تسعى إليه إسرائيل ولا تعارضه الولايات المتحدة.
في المقابل، يبدو هذا الربط حتميًا في حسابات إيران، التي أكدت تلازم الجبهات من خلال الضربات المتزامنة، ومن خلال نوعية الأسلحة التي يستخدمها حزب الله، التي لم يسبق له استخدامها في مواجهات سابقة.
وتكشف الكواليس عن ضغوط متزايدة على لبنان، إذ طلبت الولايات المتحدة من السلطة اتخاذ موقف علني معادٍ لحزب الله، وهو ما يتجنبه رئيسا الجمهورية ومجلس النواب. كما طُلب من لبنان رفع سقف موقفه في الأمم المتحدة، بدل الاكتفاء بقرارات مجلس الوزراء، وهو ما جرى الالتفاف عليه عبر تخفيف لهجة كلمة ممثل لبنان في مجلس الأمن.
يتعرض لبنان لضغوط مزدوجة، بالنار والسياسة، ضمن شروط يُفترض الالتزام بها قبل أي مفاوضات، أبرزها نزع سلاح حزب الله، وتقليص حضوره السياسي والأمني، وبسط سلطة الجيش على الجنوب.
وينقسم الداخل اللبناني حيال مسار التسوية المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة إلى موقفين: الأول يمثّله حزب الله، الذي يربط المسار بطهران؛ والثاني موقف رسمي لا يرغب، في قرارة نفسه، بخروج الحزب سالمًا من الحرب، ويبدو مستعدًا للتفاوض مع إسرائيل بأي ثمن، وهو ما يُعدّ موقفًا ضعيفًا ومثيرًا للاستغراب في الأوساط الدبلوماسية.
وتتقاطع هذه المعطيات مع معلومات أُبلغ بها لبنان مؤخرًا، تفيد بأنه أمام خيارين: إما سيناريو غزة، أو الذهاب إلى تفاوض مشروط، مع تأكيد أن إسرائيل لن تنهي حربها قبل التخلص من سلاح حزب الله.
في المقابل، يؤكد حزب الله أن لبنان سيكون جزءًا من أي اتفاق، في ظل حديث عن وقف مؤقت لإطلاق النار في الشرق الأوسط، يُفضي لاحقًا إلى اتفاق نهائي. المفارقة أن لبنان الرسمي لا يبدو مطّلعًا على تفاصيل ما يجري بحثه، فيما تشير معلومات إلى أن الحزب تبلغ بوجود أجواء تفاوضية جدية، وأن دونالد ترامب يميل إلى التفاوض، خلافًا لما توحي به مواقفه الإعلامية.
غادة حلاوي - المدن
The post لبنان الرسمي آخر من يعلم والحزب تبلغ بوجود أجواء تفاوض جدية appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





