يطرح توجّه مجلس التعليم العالي لدراسة تحوّل الجامعات الخاصة إلى شركات مساهمة عبر صناديق استثمارية منظمة، خطوةً جوهرية نحو إعادة هيكلة قطاع التعليم العالي على أسس اقتصادية حديثة، فإدراج هذه الجامعات في سوق الأوراق المالية لا يهدف فقط إلى توفير التمويل، بل يفرض معايير صارمة من الإفصاح والشفافية، مما يعزّز الحوكمة ويحوّل التعليم من قطاع استهلاكي مغلق إلى قطاع استثماري منتج ومستدام.
أوساط أكاديمية وصفت تحويل الجامعات الخاصة إلى شركات مساهمة مدرجة بأنه يُمثّل نقلة نوعية من اقتصاد “الريع التعليمي” القائم على تحصيل الرسوم، إلى اقتصاد استثماري إنتاجي يخضع لمنطق السوق والمنافسة.
وفي إضاءة على أهمية هذا الموضوع، أكد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة “عبد الرحمن محمد” لـ “الوطن” أن لهذه الدراسة أهمية للطالب في ضمان استمرارية الخدمة التعليمية بتوافر تمويل مستقر يُقلّل مخاطر تعثّر الجامعات أو توقّف برامجها، وتحسين جودة التعليم لأن شرط الإدراج المالي يستلزم تطوير المناهج والمخابر والبنية التحتية لرفع التصنيف والتنافسية، ناهيك عن حماية حقوق الطالب من خلال رقابة هيئات سوق المال، التي تفرض شفافية أكبر على الأداء المالي والإداري للجامعة.
وعن الأهمية للجامعات، قال أستاذ التمويل والمصارف: تنويع مصادر التمويل بعيداً عن الرسوم الدراسية فقط، عبر طرح أسهم أو سندات تخفّف الضغط على السيولة، إضافةً إلى رفع مستوى الحوكمة بالانفصال بين الملكية والإدارة، وإنشاء مجالس إدارة مهنية ورقابة داخلية مستقلة، والاندماج والتوسّع بإتاحة المجال لتكوين كيانات تعليمية كبرى قادرة على المنافسة الإقليمية وجذب الشراكات الدولية.
وأشار إلى انعكاس هذا الموضوع على جذب الاستثمار المحلي والأجنبي لقطاع التعليم، وتحويله إلى رافد للاقتصاد الوطني بدلاً من كونه عبئاً عليه، والحد من هجرة العملة الصعبة بتطوير بديل تعليمي وطني قوي ينافس الجامعات الخارجية، وبناء اقتصاد معرفي بربط مخرجات التعليم بسوق العمل، وتوفير كوادر مؤهّلة تخدم خطط التنمية وإعادة الإعمار.
وختم بالقول: إن التحدّي الحقيقي يكمن في ضبط التوازن بين أهداف الربحية ورسالة التعليم، وهذا يستلزم إطاراً تنظيمياً رقابياً قوياً من مجلس التعليم العالي وهيئات السوق المالية معاً، ولا سيما أن التجارب الدولية تُظهر أن هذه الصيغة، إذا أُحسن تطبيقها، تخلق قطاعاً تعليمياً أكثر صلابة وشفافية وقدرة على الصمود في وجه الأزمات، وتجعل من الاستثمار في العقول المحرّك الأهم للاقتصاد السوري مستقبلاً.



