🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
214610 مقال 125 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 1447 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

حين يصبح التدخين ثقافة والنفايات سلوكاً والفرجة مشروعاً للحياة: قراءة فلسفية في أزمة الوعي الجمعي

معرفة وثقافة
jo24
2026/06/06 - 17:56 502 مشاهدة


كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني - 

لا تُقاس قوة المجتمعات بما تمتلكه من مبانٍ شاهقة وطرق حديثة وملاعب وأسواق فحسب، بل بما تمتلكه من وعي قادر على تحويل الإنسان من مستهلك للحياة إلى صانع لها. فالأمم لا تصنع تاريخها بما تستهلكه من موارد، وإنما بما تنتجه من أفكار وقيم وإنجازات. ولهذا فإن التاريخ لم يحتفظ بأسماء الشعوب التي عاشت يومها فقط، بل خلد الشعوب التي استطاعت أن تنظر إلى المستقبل بعين المسؤولية وأن تؤجل بعض رغباتها الآنية من أجل بناء غدٍ أفضل. ومن هنا تبرز المعضلة الكبرى التي تواجه مجتمعنا اليوم، حيث أصبح التدخين ظاهرة شبه عامة بين قطاعات واسعة من الشباب، وغدت اللامبالاة تجاه البيئة سلوكاً مألوفاً، وتحولت الشوارع والساحات العامة إلى أماكن تتراكم فيها القوارير البلاستيكية والنفايات، بينما استُبدلت الأسئلة المصيرية المتعلقة بالتعليم والتنمية والإنتاج والمعرفة والانتماء بانشغال شبه دائم بمباريات كرة القدم وأخبارها وتفاصيلها اليومية. وهذه الظواهر، على اختلاف مظاهرها، ليست أحداثاً منفصلة أو مصادفات اجتماعية عابرة، بل تعبيرات متعددة عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الوعي الجمعي واتجاهاته وأولوياته.

ولا يمكن فهم انتشار التدخين بين الشباب باعتباره مجرد عادة صحية سيئة أو قراراً شخصياً معزولاً، لأن الظواهر الاجتماعية الكبرى تتجاوز دائماً التفسيرات المباشرة والبسيطة. فعندما يتحول التدخين إلى سلوك واسع الانتشار، فإنه يكشف عن حالة ثقافية يصبح فيها الإضرار بالنفس أمراً عادياً ومقبولاً اجتماعياً. ويعكس ذلك تراجع قيمة الاستثمار في المستقبل لصالح إشباع رغبات آنية وسريعة. فالمدخنون يعلمون في الغالب الأضرار الصحية والاقتصادية التي يسببها التدخين، ويعرفون مخاطره على القلب والرئتين وجودة الحياة، لكنهم يستمرون فيه لأن الحاضر يطغى على المستقبل في حساباتهم النفسية والسلوكية. وعندما تتكرر هذه الحالة على نطاق واسع، فإن المجتمع يبدأ تدريجياً بفقدان إحدى أهم خصائصه الحضارية، وهي القدرة على التضحية الآنية من أجل مكاسب طويلة الأمد. وتزداد المفارقة تعقيداً عندما يُنظر إلى التدخين من زاوية الاقتصاد السياسي. فالحكومة التي تفرض ضرائب مرتفعة على منتجات التبغ تجد نفسها أمام تناقض أخلاقي وسياسي بالغ الحساسية؛ فهي من جهة تعلن التزامها بحماية الصحة العامة ومكافحة التدخين، ومن جهة أخرى تحصل على إيرادات مالية كبيرة من استمرار استهلاك هذه المنتجات. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الحكومات تشجع التدخين بصورة مباشرة، لكن اعتماد جزء من الإيرادات العامة على الضرائب المفروضة على التبغ قد يضعف الحافز السياسي لاتخاذ إجراءات جذرية وسريعة تحد من انتشاره. وهنا تنشأ مفارقة تستحق التأمل. فكل مدخن جديد لا يمثل فقط شخصاً يعرض صحته للخطر، بل يمثل أيضاً مورداً ضريبياً إضافياً للخزينة العامة. ومن الناحية الفلسفية يبدو الأمر وكأن المجتمع والحكومة يقعان معاً في الفخ ذاته؛ فكلاهما يضحي بالمستقبل من أجل منفعة آنية. فالمدخن يضحي بصحته مقابل متعة مؤقتة، بينما قد تنشأ لدى بعض صناع القرار إغراءات للحفاظ على مورد مالي قائم بدلاً من السعي إلى القضاء على أسبابه. ولذلك فإن نجاح السياسات العامة لا ينبغي أن يقاس بحجم الضرائب المحصلة من السجائر، بل بقدرتها على بناء مجتمع لا يحتاج أصلاً إلى دفع هذا الثمن الصحي والاقتصادي الباهظ. ومن المنظور الفلسفي، يمثل التدخين الجماعي نوعاً من الانتصار الرمزي للغريزة على العقل. فالعقل بطبيعته ينظر إلى النتائج والعواقب البعيدة، بينما تنجذب الغريزة إلى اللذة الفورية. وكلما اتسعت المسافة بين المعرفة والسلوك ازدادت أزمة الإنسان عمقاً. ولذلك فإن المجتمع الذي يعرف أفراده أضرار التدخين ثم يمارسونه بكثافة ليس مجتمعاً يفتقر إلى المعلومات، بل مجتمعاً تعاني فيه المعرفة من ضعف قدرتها على توجيه السلوك. فالمشكلة ليست في غياب الحقائق، بل في غياب الإرادة التي تحول تلك الحقائق إلى أفعال.

وتتجلى الأزمة نفسها في العلاقة مع البيئة. فعندما يلقي الفرد قارورة بلاستيكية فارغة في الشارع أو الحديقة أو على جانب الطريق، فإنه لا يرمي مجرد قطعة من البلاستيك، بل يرمي معها جزءاً من إحساسه بالمسؤولية العامة. فالنظافة ليست قضية جمالية فقط، وإنما هي تعبير عن احترام الإنسان للمكان الذي يعيش فيه وللآخرين الذين يشاركونه هذا المكان. والبيئة ليست شيئاً منفصلاً عن الإنسان، بل هي الامتداد المادي لحياته اليومية. ولذلك فإن الاعتداء على البيئة هو في جوهره اعتداء غير مباشر على الذات والمجتمع معاً.

لقد أدرك الفلاسفة منذ زمن طويل أن الحضارة تبدأ عندما يشعر الإنسان بأن ما هو مشترك بين الناس لا يقل أهمية عما يملكه بشكل شخصي. وعندما تختفي هذه القناعة، يصبح الشارع شارع الدولة، والحديقة حديقة الحكومة، والمدينة مسؤولية الآخرين. وهنا ترتقي ظاهرة خطيرة تتمثل في انفصال الفرد عن المجال العام. فهو يعتني بمنزله لكنه لا يهتم بالشارع، ويحافظ على ممتلكاته الخاصة لكنه لا يكترث بالممتلكات العامة. وهذا الانفصال بين الخاص والعام يعد أحد أهم مؤشرات التراجع المدني في أي مجتمع، لأنه يعكس تآكل الشعور بالمواطنة وتحول الانتماء من قيمة عملية إلى مجرد شعار لفظي. ولا تقتصر الأزمة على التدخين والبيئة، بل تمتد أيضاً إلى طريقة استهلاك الوقت والاهتمامات. فالرياضة في ذاتها قيمة إنسانية مهمة، وكرة القدم نشاط ترفيهي مشروع قادر على جمع الناس ومنحهم قدراً من المتعة والانتماء. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الفرجة إلى بديل عن الفعل، وعندما يصبح الاهتمام بالمباريات بديلاً عن الاهتمام بقضايا التعليم والاقتصاد والبحث العلمي والإنتاج. فهناك فرق جوهري بين مجتمع يمارس الرياضة ومجتمع يكتفي بمشاهدتها، وبين مجتمع يصنع الإنجازات ومجتمع يكتفي بالتصفيق لإنجازات الآخرين. ومن زاوية فلسفية أعمق، يمكن النظر إلى الإفراط في الانشغال بالمباريات بوصفه شكلاً من أشكال الهروب الجماعي من الأسئلة الكبرى. فالإنسان يميل أحياناً إلى الانغماس في تفاصيل يومية بسيطة عندما يعجز عن مواجهة التحديات المعقدة التي تحيط به. ولذلك قد تتحول المباريات والبطولات إلى مساحة واسعة للهروب النفسي من التفكير في المستقبل أو في المشكلات البنيوية التي يعاني منها المجتمع. وعندما يحدث ذلك على نطاق واسع، يصبح الترفيه وسيلة لتجميد الوعي بدلاً من أن يكون وسيلة لتجديده، ويصبح الانفعال بنتائج الآخرين بديلاً عن السعي إلى صناعة نتائج خاصة بالمجتمع نفسه.

ويكمن الرابط العميق بين التدخين وإهمال البيئة والانشغال المفرط بالفرجة الرياضية في فكرة واحدة تتمثل في سيطرة الحاضر على المستقبل. فالمدخن يضحي بصحته المستقبلية من أجل متعة آنية، ومن يرمي النفايات يتجاهل الأثر التراكمي لسلوكه على البيئة التي سيعيش فيها هو وأبناؤه، ومن يستهلك معظم وقته في متابعة المباريات يستهلك مورداً لا يمكن تعويضه وهو الزمن. وفي الحالات الثلاث تتراجع الرؤية بعيدة المدى لصالح الإشباع الفوري، وتتراجع المسؤولية لصالح الراحة، ويتراجع البناء لصالح الاستهلاك. ولهذا فإن علاج هذه الظواهر لا يبدأ بالعقوبات أو الحملات الإعلامية وحدها، على أهميتها، بل يبدأ بإعادة بناء مفهوم المواطنة والمسؤولية والغاية. فالمجتمعات لا تتقدم عندما يتغير سلوك الأفراد فقط، وإنما عندما تتغير رؤيتهم لأنفسهم ولدورهم في الحياة. فالشاب الذي يرى نفسه شريكاً في صناعة المستقبل لن يستهين بصحته، ولن يتعامل مع البيئة بإهمال، ولن يسمح للترفيه بأن يبتلع طموحه وقدرته على الإنجاز. وعندما يدرك الفرد أن الشارع جزء من بيته، وأن صحته جزء من ثروة وطنه، وأن وقته جزء من مستقبله، فإن سلوكه سيتغير بصورة تلقائية أكثر مما تفعله القوانين والعقوبات. وإن المجتمع الذي يستهلك صحته بالدخان، ويملأ فضاءه بالنفايات، ويقضي معظم وقته في متابعة ما يصنعه الآخرون، يواجه خطراً يتجاوز هذه الظواهر نفسها؛ إنه خطر فقدان البوصلة الحضارية. فالأمم العظيمة لا تُبنى على ما يستهلكه الناس، بل على ما ينتجونه، ولا على ما يشاهدونه، بل على ما ينجزونه. وعندما يستعيد الشباب شعورهم بأنهم مسؤولون عن مستقبلهم وعن بيئتهم وعن مجتمعهم، يتحول الدخان إلى هواء أنقى، وتتحول النظافة إلى ثقافة يومية، ويتحول الترفيه من غاية في ذاته إلى وسيلة لاستعادة الطاقة اللازمة للعمل والإبداع. وعندها فقط ينتقل المجتمع من موقع المتلقي للأحداث إلى موقع صانعها، ومن هامش التاريخ إلى قلبه، ومن استهلاك الحاضر إلى بناء المستقبل.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free