أراضي المشاع أسيرة الورثة
د. أيوب أبودية
في كثير من الدول، لا سيما في المجتمعات التي تحتفظ بالأرض جيلاً بعد جيل، تتكرر ظاهرة خطيرة تتمثل في تفتت الملكية نتيجة الميراث. وقد لفت انتباهي مؤخراً في الأردن وجود سندات تسجيل (كواشين) تضم عشرات، بل أحياناً مئات المالكين لقطعة أرض واحدة، بعد أن توفي المالك الأصلي وانتقلت الحصص إلى الأبناء ثم الأحفاد، حتى أصبحت قطعة الأرض الواحدة أشبه بشركة مساهمة خاصة تضم مئات الشركاء، ولكن دون مجلس إدارة أو قدرة على اتخاذ قرار.
هذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على أصحاب الأرض، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني بأكمله. فكل عملية بيع أو استثمار أو تقسيم أو رهن تتطلب موافقات قانونية من عدد كبير من الشركاء، وقد يكون بعضهم مجهول الإقامة، أو مقيماً في الخارج، أو متوفى ولم تُنجز معاملات حصر الإرث الخاصة به. وهكذا تتحول ملايين الدونمات إلى أراضٍ جامدة، لا تُباع ولا تُستثمر ولا تُنتج قيمة اقتصادية، بينما تتحمل دوائر الأراضي عبئاً إدارياً هائلاً في متابعة هذه الملفات المعقدة.
وليس الأردن استثناءً. ففي ألمانيا عانت بعض الولايات الشرقية بعد إعادة توحيد البلاد من مشكلة الملكيات المتعددة التي أعاقت التنمية، مما استدعى إبداع برامج خاصة لتجميع الملكيات. وفي اليابان أصبحت ملايين الأمتار المربعة من الأراضي مهجورة لأن الورثة لم يسجلوا انتقال الملكية، فأُقرت تشريعات تُلزم الورثة بالتسجيل خلال مدة محددة. كما تواجه إيطاليا واليونان وبعض دول البلقان مشكلات مشابهة بسبب تفتت الأراضي الزراعية عبر الأجيال، الأمر الذي أدى إلى انخفاض كفاءة الإنتاج الزراعي وصعوبة تنفيذ المشاريع الكبرى. ويمكننا التعلم من هذه التجارب.
ومن هنا يمكن طرح فكرة تستحق النقاش. لماذا لا تعلن دائرة الأراضي أن أي قطعة أرض يتجاوز عدد شركائها حداً معيناً، كعشرين شريكاً مثلاً، تصبح عرضة لاستملاكها وفق تعويض عادل أو حتى الاستملاك بتعويض رمزي تحدده القوانين؟
إن مجرد وجود مثل هذا التشريع سيدفع الشركاء إلى إعادة تنظيم ملكياتهم، وشراء حصص بعضهم البعض، أو بيع الأرض وتقسيم ثمنها قبل الوصول إلى هذا الحد. وبهذا تنشط السوق العقارية، وتتراجع الملكيات المجمدة، وتزداد إيرادات الدولة من رسوم التسجيل والبيع، كما تتمكن الحكومة من استملاك بعض الأراضي التي يستحيل عملياً إدارتها أو استثمارها بسبب كثرة الشركاء، وتحولها الى مشاريع خضراء، كملاعب ومتنزهات وطنية.
وقد تكون هناك بدائل أخرى، مثل السماح لنسبة بسيطة من الشركاء باتخاذ قرارات البيع، أو تقديم حوافز لتجميع الحصص. فالمشكلة ليست في الميراث، فهو حق شرعي وقانوني، وإنما في غياب الآليات التي تمنع تحوّل هذا الحق إلى عائق أمام التنمية.
إن الأرض التي لا يستطيع أصحابها الاتفاق على استثمارها تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها الاقتصادية، بينما الأرض التي تتمتع بملكية واضحة ومرنة تصبح محركاً للإنتاج والاستثمار. فحسن إدارة الملكية لا يقل أهمية عن ملكية الأرض نفسها، لأن الثروة الحقيقية ليست في امتلاك الأرض، بل في قدرتها على خدمة المجتمع وتنمية الاقتصاد.
خلاصة القول إن المشكلة ليست في كثرة الورثة، بل في غياب نظام يمنع تحوّل الأرض إلى أسيرة للخلافات والتعقيدات. فحين تتجمد الملكية تتجمد معها التنمية، وحين تحل القوانين الجديدة المشكلة تتحرك أسواق الأراضي، وبالتالي تتحرك معها عجلة الاقتصاد الوطني.
هذا المحتوى أراضي المشاع أسيرة الورثة ظهر أولاً في سواليف.





