جسور نهر الليطاني في جنوب لبنان.. أهمية استراتيجية وأبعاد إنسانية
يمثّل نهر الليطاني في جنوب لبنان، نقطة استراتيجية هامة في الحرب الإسرائيلية على لبنان، إذ يطالب الجيش الإسرائيلي بإبعاد مقاتلي "حزب الله" إلى ما وراء النهر.
ومؤخراً أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء لسكان جنوب نهر الليطاني، وتم تحذير مئات الآلاف للانتقال إلى شمال النهر، قبل أن يتم توسيع نطاق هذه الأوامر لاحقاً.
وأصدر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأحد، تعليمات بتسريع هدم المنازل اللبنانية في "قرى الخطوط الأمامية"، زاعماً أن الخطوة "تأتي بهدف إنهاء التهديدات"، ودمر جسرين على نهر الليطاني (القاسمية وطيرفلسيه).
وبلغ عدد النازحين المسجلين في مراكز الإيواء 134 ألفاً و236 شخصاً، موزعين على 644 مركزاً، فيما وصل عدد العائلات النازحة إلى 33 ألفاً و117 عائلة، وسط تفاقم الأوضاع الإنسانية والحاجة المتزايدة إلى الدعم.
بؤرة صراع متكرر
يعود دور نهر الليطاني في الصراع، إلى عقود مضت، وتشكل هذا الدور بفعل جولات متكررة من القتال على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية.
وحتى عام 2000، احتلت إسرائيل شريطاً من جنوب لبنان أطلقت عليه اسم "المنطقة الأمنية"، في خضم حربها ضد "حزب الله"، لكن بعد انسحاب إسرائيل، ظلت المنطقة الواقعة جنوب الليطاني إحدى أقوى قواعد عمليات الجماعة اللبنانية، حيث يحظى الحزب بدعم واسع النطاق بين أبناء تلك المنطقة، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".
وقد شكّل هذا الواقع أساساً لوقف إطلاق النار الذي أنهى حرباً كبرى بين إسرائيل و"حزب الله" في عام 2006. وبموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، كان من المفترض أن تكون المنطقة الواقعة بين حدود إسرائيل والليطاني والتي تمتد شمالًا لمسافة تتراوح بين 15 و20 ميلاً تقريباً خالية من مقاتلي "حزب الله".
وجعل القرار من النهر، الحد الأعلى لمنطقة عازلة تسيطر عليها قوات الجيش اللبناني، بدعم من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة "يونيفيل".
إلا أن هذا الاتفاق فشل إلى حد كبير، ورغم أن الحدود ظلت هادئة نسبياً لعقدين من الزمن، زعمت إسرائيل أن "حزب الله" كان يُحصّن الأسلحة والمقاتلين جنوب النهر، فيما اتهمت الحكومة اللبنانية و"حزب الله" إسرائيل، بالبقاء في المناطق الحدودية المتنازع عليها وانتهاك السيادة اللبنانية مراراً.
وبعد اندلاع الحرب مجدداً في أكتوبر 2023، تعهدت الحكومة اللبنانية في العام التالي بنزع سلاح "حزب الله" بموجب اتفاق هش آخر لوقف إطلاق النار، بدءاً من مناطق جنوب الليطاني، إلا أن هذا الاتفاق فشل أيضاً في معظمه.
وزعمت الحكومة اللبنانية، إحراز تقدم في الأشهر الأخيرة، لكن مسؤولين إسرائيليين اتهموا "حزب الله" بإعادة بناء قدراته العسكرية بوتيرة أسرع من قدرة الدولة اللبنانية على تفكيكها.
وزادت جولة القتال الأخيرة التي اندلعت مع بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، من الشكوك حول مدى استدامة جهود نزع سلاح "حزب الله"، والآن، مع تصاعد حدة الصراع، يبدو أن إسرائيل تتجه نحو فرض نسختها الخاصة من منطقة عازلة.
جسور نهر الليطاني
تتوزع جسور نهر الليطاني على طول مجرى النهر الذي يمتد إلى نحو 170 كيلومتراً.
أبرز جسور نهر الليطاني:
- جسر القاسمية: يُعرف بـ"شريان الجنوب"، ويقع على طريق ساحلي شمال مدينة صور بنحو 10 كيلومترات ويربط العاصمة بيروت بمدينتي صيدا وصور والمناطق الحدودية. وبجانبه يقع جسر روماني أثري يعود للقرن الثالث أو الرابع الميلادي.
- جسر الخردلي: يربط مدينة النبطية بمنطقة مرجعيون والقطاع الشرقي، ويُعد نقطة لوجستية حيوية للتنقل بين التلال الجنوبية.
- جسر قعقعية: يربط بين قضاءي النبطية وبنت جبيل.
- جسر طيرفلسيه- الزرارية: يربط قرى قضاء صور بقرى قضاء صيدا والنبطية.
- جسور أخرى: تشمل برغز ومشغرة والقرعون ودير ميماس.
تتجاوز أهمية جسور الليطاني كونها مجرد معابر إسمنتية، لتشمل أبعاداً استراتيجية وإنسانية.
أبعاد استراتيجية لجسور نهر الليطاني
1. الأهمية العسكرية والأمنية:
- خطوط إمداد: تُعتبر هذه الجسور الممرات الأساسية لنقل التعزيزات العسكرية والأسلحة والعتاد.
- عمق استراتيجي: في النزاعات العسكرية (مثل الحرب الدائرة حالياً في مارس 2026)، تستهدف إسرائيل هذه الجسور لعزل جنوب الليطاني عن بقية لبنان، بهدف قطع طرق إمداد "حزب الله" ومنع وصول المقاتلين إلى الجبهة الأمامية.
2. أهمية اقتصادية ولوجستية:
- الربط التجاري: هي الممرات الوحيدة لنقل المحاصيل الزراعية من سهول الجنوب والبقاع الغربي إلى الأسواق المركزية في بيروت وصيدا.
- الوصول للخدمات: يعتمد سكان مئات القرى الجنوبية على هذه الجسور للوصول إلى المستشفيات والجامعات والمراكز الإدارية في المدن الكبرى.
3. أهمية إنسانية:
- حركة النزوح والإغاثة: في أوقات الحروب، تشكل هذه الجسور الممرات الوحيدة لفرار المدنيين نحو مناطق أكثر أماناً في الشمال، كما أنها المسارات الضرورية لوصول قوافل المساعدات الإنسانية والطبية إلى القرى المعزولة.
- عزل السكان: يؤدي تدمير هذه الجسور إلى "سياسة عقاب جماعي"، حيث يُحاصر المدنيون في مناطق العمليات العسكرية ويحرمون من الإمدادات الأساسية كالغذاء والدواء.




