"جمال" ما عاد مضطراً للانتظار!
• إلى رحمة الله "جمال زهران".
•معرفتي به تعود لسنوات قليلة من خلال التردّد على وسط البلد بمعيّة الصديق "جهاد الرنتيسي".
•يطيب لي الجزم بأنّه قد كان يكنّ لي مقداراً لا بأس به من الودّ، أو لعلّ هذا هو الانطباع الذي تولّد لديّ نتيجة إصراره كلّ مرّة على السؤال عن حالي وآخر أعمالي.
هذا الخبر من jo24. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: jo24 | Source: jo24![]()
إلى رحمة الله "جمال زهران".
معرفتي به تعود لسنوات قليلة من خلال التردّد على وسط البلد بمعيّة الصديق "جهاد الرنتيسي".
يطيب لي الجزم بأنّه قد كان يكنّ لي مقداراً لا بأس به من الودّ، أو لعلّ هذا هو الانطباع الذي تولّد لديّ نتيجة إصراره كلّ مرّة على السؤال عن حالي وآخر أعمالي.
درويش؛ هذا هو النعت الذي أورثتنا إيّاه دماثة وتراحميّة اللغة العربيّة بشقيّها الفصحى والعاميّة لنصف به أمثاله.
وقد يصفه شخص متنطّع ما بـ "الشخصيّة الهامشيّة"!
كيف يكون هامشيّاً وهو الذي يكاد أن يكون معلماً ثابتاً في المثلث المقتضب ما بين "كشك الطليعة" و"درج الكلحة" و"مقهى السنترال".. ونحن العابرون عَرَضَاً شخصيّات مركزيّة لمجرد أنّنا زبائن ونمتلك مقداراً قلّ أو كَثُر من الملاءة الماليّة!
أعلم، دون أن أعرف تفاصيل أو أسعى لمعرفتها، أنّه قد كانت له مثلنا جميعاً حياة وانهماكات وحضور ذهن.. قبل أن يستبدّ به المرض وتُزري به السنين.
آخر مرّة قابلته أواخر الشتاء المنصرم أهداني ديوانه الشعريّ حديث الصدور، ولا أدري هل كانت له أعمال أخرى قبل هذا.
عنوان الديوان: "ما تبقى من الروح"، ومن الواضح أنّه منذ ذلك اللقاء وحتى سماعي بنبأ وفاته أمس لم يكن قد تبقّى من الروح الكثير!
الديوان الزهيد ذو المواصفات الطباعيّة الزهيدة ليس من النوع الذي يُكتَب ليُقرَأ بل من النوع الذي يُكتَب من أجل البوح و"الفضفضة" وإقناع النفس بأنّ لها جدوى في الحياة [وإلى حدّ كبير من أجل حفظ ماء الوجه]!
بل إنّ في الديوان قصيدة بعنوان "نصوص ليست للقراءة"!
في هذه القصيدة يستحضر "جمال" أسماء أشخاص رحلوا، أو غادروه، لا أدري، فأنا لا أعرفهم.
يستحضر "زياد بركات" الذي يقول:
"... لنبدأمن عند ما انتهى إليه كنفانيونذكر ما قاله يوسف إدريس بحديث صحفيّلم يبق من غسّان سوى يدهبعد الانفجار".
ويستحضر "عماد ملحم"، الذي قبل أن يودّعه يجادله دقائق حول "اليسار الثوريّ"، هذا الذي "ذهبتْ أيامه أدراج الريح"، متحسّراً على عشر سنوات من "العمر الضائع" كتبها على جدران الأقبية والزنازين، ويا ليته أودعها ثغر حبيبة روحه، ويا ليته هجع على صدرها طويلاً.
ويستحضر "خالد سلام"، هذا الذي:
"يضحك ساخراً ببراءةمن القوالب الجامدةجوزف ستالين سفّاحولينينكان أكثر ديمقراطيّةً منهوالماركسيّة منهجٌ للتحليلواسأله ما العمل؟فيجيب: تخلّيت عنهاوما عيب الليبراليّةوالمنهج التكامليّ"
ويستحضر "سعيد" بائع الهريسة الذي فتح حساباً لجيوبهم الخاوية.
ويستحضر "ناجح" ـ مَن هو ناجح؟ ـ هذا الذي:
"يدعوني للمقهىونتذكّر طرقات دمشقويذكر لنا مقهى الهافاناالدمشقيّات، وشهواتي العارمةوسنوات عمر قضاهاتحت وقع النظريّات".
وقبلها، في قصيدة بعنوان "أقدار"، يستحضر "جمال" أباه، ذلك "العجوز الطيب" الذي اختلسه الموت أولاً، والذي "كان يداعب ساحل يافابرقة البراءة الحالمة.. ويحفر الأرض بساعديه".
ويستحضر أخاه الذي ساقه الموت إلى "غربة الحياة.. وموتاً عبثاً بلا ثمن أو أُنْس".
ويستحضر أمّه "التي كستْ أيام العائلة فرحاً وحبوراً" قبل أن يسرقها منه الموت "محض صدفة مع النهايات".
ويستحضر شقيقتيه "يسرى" و"سلوى" اللتين رحلتا، بغتة، وبلا رحمة، إلى العالم الآخر.
ويستحضر "أحمد أمير".. و"توماس الحمد".. و"إياد حلّوش".. و"سيد بنات".
ويستحضر "كثيرون، اعتذر خجلاً من الذاكرةزرعتها أوطان النسيانسُرقوا من الحياةلأضحى وحيداًبلا أصدقاءفي انتظار رهبة الموت"!
والذي يستفزُّ في هذا الديوان أنّ الشعر الذي يكتبه "جمال زهران" لا يقلّ سويّةً عن كتابات شعراء يحتكرون الساحة حاليّاً، وتضجّ بهم الأسماع والأبصار، ويوصفون بالكبار.. أو أنّ شعر كثير من الشعراء الكبار ليس بأفضل سويّةً من شعر "جمال زهران" ـ اختر العبارة التي تروق لك!
ولو أنّ "جمال" كان شخصاً يُتزلَّفُ إليه، صاحب مال أو جاه أو سلطان يمكن للمرء أن يخرج منه بـ "سبّوبة" أو "تنفيعة" أو "تلحيسة أصابع"، أو صاحب حظوة لدى السلطة، أو "مشبّك مع الأجهزة"، أو جزءاً من منظومة الانحيازات والاستقطابات والجهويّات والشلليّات و"العصبجيّات".. لرأينا النقّاد الأوغاد ومحرّري الصفحات الثقافيّة والمجلات الأدبيّة الأوغد يتحفوننا بمطوّلات على غرار: المشهديّة في شعر جمال زهران.. المكان في شعر جمال زهران.. وجوه وأسماء في شعر جمال زهران!
ولكن للأسف "جمال زهران" كان "درويشاً" كما قلنا، أو "هامشيّاً"، أو "جرذاً وحيداً" كما يصف هو نفسه في قصيدة بعنوان "لا تتثاءب"، أو حتى "حماراً" كما يعترف في قصيدته بعنوان "كم كنتُ حماراً":
"لا تندهشيا صديقفقد علاني الغباروصرتُغريب الدارحينما أهدرتُأحبّائي وأشيائي الحميمةأنا الحماربهيئة إنسانمثلاًالفتاة ممشوقة القامةوذات العيون الخضراءتركتني ميّتاًعلى الرصيفوأخرىرافقتُهافي الهواء الطلقوتلاشت شبحاًمع الريحوإنّني أعترفُأنا الحمارُهطلت عليّ فرص ذهبيّةلكنّنيلم أحتفلبإشراقات الحياةالعملالزوجةالمنزلتهتُ في الدروب إليهاوأضحيتُ بلا أسنانتحمّلتُ عذابات الروحوأطلقتُ نهيقاًفاجراً حزيناًوعلمتُ متأخراًأنّهم باعونيبثمن بخسٍلقاء اللاشيء"!
إلى رحمة الله "جمال زهران"، لعلّك تلقى هناك أحبابك، وتلقّى رفاقك، رفاقك الحقيقيّين، وتلقى عمّانك، وتلقى "العبدلي"، هذا الذي "تغيّر كثيراً" كما تغيّر كثير من الرفاق الذي مرّوا به، وأضحوا مثله:
"... كوماًمن قمامة الإهمالوأنا أعبرهمنذ نعومة أظفاريأفتّش فيهعن سيدة الحلمالتي القت بيمن السرفيسعلى قارعة الطريق".
رحمك الله يا "جمال زهران"، ووهبك سرفيساً "سكارسا" إلى الجنّة!
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





