هسع بيجي!
عمر بدور
….
وقف أمام سيخ الشاورما، بلع ريقه. كانت النار تأكل منه قبل أن تُحمِّر شرائح الدجاج المبهرة والمنمقة والمصفطة. كانت الدهون تنزل على جنبات السيخ الماثل أمامه، وكلما ارتقى بنظره إلى الأعلى شاهد القاعدة تكبر، وعندما يعيد الكرة يرى أسفل القاعدة يضيق حتى يتلاشى مع حركة السكين الطويلة والمشحاف الذي يجمع به ما تناثر من قطع الدجاج هنا وهناك ويقلبها يميناً وشمالاً.
كانت نظراته تُتابع المشهد وهو يفكر في صوت طفله عندما طلب منه وجبة شاورما. كانت يده تتحسس “الفراطات” التي لملمها من هنا وهناك، بحث في كافة الأدراج، ويَمَّمَ وجهه تحت النملية وعلى أطراف الأرفف في المطبخ، حرك الكراسي يميناً وشمالاً، فتح شنطة امرأته وصرخ فيها: “دوري، بحبشي، شوفي بلكي لقيتي عشر قروش هون والا هون”..
والله يا زلمة ما في بالدار إلي ترن!.
بلكي يا مرة.. قومي قومي عزلي الدار ونظفي، يمكن تلاقي إشي مزحلق تحت هالكراسي والا تحت التخت! قومي يا مرة، والله شكلي راح افقع من القهر…
أخرج ما في جيبه من النقود: شلن، وبرايز، وربعين، وهاي النص اللي لقيتها البنت تحت التخت.. يعني هيك صار معي ليرتين وشلن.
مد يده على خجل واستحيام، وقال للموظف وعينه على سيخ الشاورما: “بدي وجبة الله يخليك، خليه يرتبها ويزيد عليها البطاطا والسرفيس”.
نظر الموظف إليه وقال: “يا حج، الوجبة سعرها ليرتين وربع، ارتفع سعرها!”.
تغيرت سحنته وارتبك، وبدأ يفتش في جيبه عشوائياً وهو ينظر حوله.. شاهدت كل سواد الليل في وجهه، وترغرغت دمعة بين جنبيه، وارتعشت أصابعه وهو يتناول “الفراطات”.
فجأة توقف، وأعاد النقود إلى الموظف: “اعطيني الوجبة بدون بطاطا وبدون سرفيس الله يخليك…”.
استلم ورقة الدور وتحرك قليلاً فاصطدم بهذا واعتذر من هذه، ووقف في صف طويـ…..ـل.
تهافت جسده عندما وصل إلى الكاونتر، وترنحت يداه، وسقط إلى الأرض وهو يتكئ على ركبتيه.
كانت الصور تتابع بين عينيه؛ ابنه وابنته يقفون على عتبة البيت وهم ينظرون إلى الشارع يتحسسونه.
كلما أحسوا باقتراب الأرجل قالوا: “بابا…”.
ساعة، ساعتان، أظلم المكان فسحبتهم أمهم وقالت: “تعالوا جوا، الدنيا ليلت؛ هسا بيجي!!”.
…
وللحديث بقية
هذا المحتوى هسع بيجي! / عمر بدور ظهر أولاً في سواليف.




