د.علي النحلة الحياصات : لماذا أكتب بغضب؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
يعاتبني بعض الأصدقاء والقراء لأن بعض مقالاتي تُكتب بنبرة غاضبة، وكأن الغضب في الكتابة عيبٌ بحد ذاته. والحقيقة أنني لا أرى الأمر كذلك دائمًا. فهناك لحظات يصبح فيها الغضب موقفًا أخلاقيًا قبل أن يكون أسلوبًا كتابيًا، خصوصًا عندما يشعر الإنسان أن مجتمعه يسير في الاتجاه الخاطئ بينما يتظاهر الجميع بأن الأمور بخير.
لا أريد رسم صورة سوداوية أو الادعاء بأن كل شيء ينهار، لكنني أعتقد أننا نعيش حالة تراجع مجتمعي تستحق التوقف عندها. وأقول مجتمعي لا سياسي، لأن السياسة في النهاية ليست سوى انعكاس للبيئة التي تنتجها وتحميها وتمنحها الشرعية. لذلك فإن المشكلة ليست في بعض القرارات أو الشخصيات العامة فقط، بل في المناخ الاجتماعي الذي يتعامل مع الظواهر السلبية وكأنها أمور عادية أو حتى واجبة التصفيق.
خذوا مثلًا الجدل الذي أثاره شعار «استحوا وعيب» لوزارة البيئة. بالنسبة لي، لم تكن المشكلة في الشعار نفسه بقدر ما كانت في آلية إنتاج القرار، وفي تحول استشارة «المؤثرين» إلى بديل عن التفكير المؤسسي المتخصص القادر على فهم خصائص المجتمع الأردني. والأكثر لفتًا للانتباه أن معظم النقاش المجتمعي انشغل بالشعار وردود الفعل عليه، بينما غابت الأسئلة المتعلقة بكيفية صناعة القرار أصلًا. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، حين يصبح المجتمع أسير الضجيج الذي يُصنع على وسائل التواصل الاجتماعي بدل أن يناقش جوهر القضايا المطروحة أمامه.
وينطبق الأمر نفسه على كثير من النماذج التي تُقدَّم بوصفها قيادات مجتمعية أو رموزًا عامة. فمن الصعب إقناع الناس بأن مسؤولًا حكوميا «سابقا او حاليا أو نائبًا أو أكاديميًا» يتباهى بطلب يد عروس يمثل نموذجًا متقدمًا للحياة العامة أو يعكس مفهوم الدولة الحديثة. فالمشكلة ليست في الواقعة نفسها بقدر ما هي في الاحتفاء بها وتقديمها باعتبارها إنجازًا أو قيمة تستحق الإعجاب.
وإذا كان هناك ما يثير القلق أكثر من ذلك، فهو أننا بعد أكثر من مئة عام على تأسيس الدولة الأردنية ما زلنا نتحدث عن «كتابة السردية الأردنية»، وكأننا ما زلنا في مرحلة البحث عن أنفسنا وعن ذاتنا. فالسرديات الوطنية لا تُصنع بقرارات اللجان، ولا تُبنى على الروايات التاريخية المتداولة أو القصص غير الموثقة، بل تنشأ من تراكم الخبرة التاريخية والذاكرة الجمعية والبحث العلمي الجاد. ولهذا فإنني لا أزال متحفظًا على فكرة كتابة السردية بالطريقة التي أسمع عنها بين الحين والآخر، لأن السردية التي تُكتب بقرار قد تُفرض لفترة، لكنها لا تكتسب شرعيتها إلا بقبول الناس لها وقدرتها على الصمود أمام أسئلة الأجيال القادمة.
ولنا في التاريخ عبرة، فكل دولة أو سلطة سعت إلى تقديم روايتها الخاصة عن نفسها وعن تاريخها، لكن الزمن كان دائمًا يعيد فتح النقاش ويتفحص تلك الروايات. وما كان يبدو يومًا حقيقة نهائية أصبح لاحقًا مادة للبحث والمراجعة والنقد. لذلك فإن قوة أي سردية لا تكمن في الجهة التي تكتبها، بل في قدرتها على الصمود أمام المعرفة الجديدة والأسئلة الصعبة.
لهذا أكتب بغضب. ليس غضبًا من أشخاص بعينهم أو من جهة محددة، بل من حالة عامة تبدو وكأنها تتعايش مع التراجع وتتكيف معه. غضب من مجتمع ينشغل أحيانًا بالهامش ويترك الجوهر، ويكافئ الاستعراض أكثر مما يكافئ الكفاءة، ويستهلك النقاشات السهلة بدل أن يواجه الأسئلة الصعبة.
وسأواصل الكتابة بغضب ما دمت أعتقد أن النقد الصادق أكثر فائدة من التصفيق المجاني، وأن الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو معالجتها. وربما أعود في سلسلة من المقالات على شكل «خربشات أردنية»، علّها تفتح بابًا للنقاش حول ما نحن عليه، وما الذي نريد أن نكونه.
فالمشكلة ليست أننا وصلنا إلى القاع، بل أننا أصبحنا نتعامل معه وكأنه وضع طبيعي.
ولا نريد أن نبقى نحفر بالقعر حتى ينقعر.




