د. حازم قشوع
ليست الرموز في مفهومنا الديني مجرد إشارات غيبية معزولة عن الواقع، بل هي مفاتيح لفهم حدود الإنسان ومساراته، كما هي مرايا تعكس طبيعة التحولات الكبرى في الحياة. ومن بين هذه الرموز، تقف سدرة المنتهى بوصفها حدًا فاصلاً بين عالمين: عالم الإدراك البشري وعالم الغيب المطلق.
فسدرة المنتهى، كما وردت في معراج النبي الهاشمي العدناني عليه السلام، ليست مجرد شجرة في السماء، بل تمثل نقطة الانتهاء المعرفي؛ حيث يتوقف العقل عندها ويبدأ التسليم القدري. إنها الحد الذي لا يتجاوزه بشر، حتى إن جبريل عليه السلام قال: «لو تقدمتُ لاحترقت». وهنا تتجلى دلالة عميقة: أن لكل منظومة سقفًا، حتى الملائكة، ولكل قدرة حدودًا مهما عظم علوّها، وهو ما يبيّن أن المعرفة ليست مطلقة بيد الإنسان مهما بلغ شأنه وعلومه.
وعلى الضفة الأخرى، يمكن استحضار مفهوم "شجرة الفاصل" بوصفه تعبيرًا معاصرًا عن ذات المعنى، ولكن في سياق الحياة السياسية والفكرية. فشجرة الفاصل ليست نصًا دينيًا، بل استعارة تشير إلى تلك اللحظة التي تفصل بين مرحلتين: بين مساحة الاستقرار ومنطقة التحول، بين النظام والفوضى، وبين القرار والتردد في العلوم السياسية أو المعرفية. ذلك لأن هناك دائمًا "سدرة منتهى" تقف عندها الدول، حدًا لا يمكن تجاوزه دون كلفة كبرى، كما أن هناك "شجرة فاصل" تُجبر صانع القرار على الاختيار، فتكون نقطة انتقال من حالة إلى أخرى. وهي اللحظات التي تصنع التاريخ، لأنها تكشف من يمتلك الجرأة للعبور، ومن يكتفي بالوقوف عند الحد، انتظارًا لدور أو اكتفاءً بتكليف محدود.
وعليه، فإن الربط بين سدرة المنتهى وشجرة الفاصل يقودنا إلى فهم أعمق: أن الحياة، سواء في بعدها الإيماني أو السياسي، تقوم على إدراك الحدود واحترامها، وعلى القدرة
في الوقت ذاته، على اتخاذ القرار عند مفترق الطرق. فسِدرة المنتهى تعلّمنا التواضع أمام المطلق، وشجرة الفاصل تعلّمنا الحسم داخل الممكن، وما بينهما يجري نهر الحياة، حيث يتشكل وعي الإنسان العارف بحدوده… والصانع لمساره.
وإسقاطًا على هذا المعنى، لم تعد سدرة المنتهى في هذا السياق مجرد رمز غيبي، بل تحولت إلى تعبير يبيّن سقف القوة الذي بلغته مشاريع الإقليم. كما لم تعد شجرة الفاصل استعارة أدبية، بل أصبحت لحظة سياسية حادة تُجبر الدول على اتخاذ قرارات لا تقبل التأجيل، لا سيما أن الإقليم اليوم يقف عند هذه الثنائية: سقف بلغ حدّه… وقرار لا بد أن يُتخذ.
فلقد بلغت إيران سدرةً عبر مشروعها التوسعي، عندما تمددت عبر الجغرافيا العربية من العراق إلى سوريا فلبنان، لكنها اليوم تواجه كلفة الاستمرار عبر استنزاف اقتصادي، وضغط دولي، واحتكاك مباشر مع حدود القوة الإسرائيلية والأميركية. وهي، وإن لم تتراجع، لم تعد قادرة على التقدم بالوتيرة ذاتها، وهو ما يُعد، بالمفهوم الضمني، سدرة المنتهى للمشروع الإيراني.
وإسرائيل، من جهتها، وصلت إلى ذروة التفوق العسكري، لكنها تقف أمام مأزق الشرعية؛ لأن القوة لم تعد كافية لفرض مناخات الاستقرار، والحرب لم تعد تنتج حسمًا نهائيًا. فهي تخوض معاركها في غزة والضفة والقدس والبيئة الإقليمية المحيطة، ما يجبرها على إعادة تعريف حدود القوة. لقد بلغت سدرة منتهى القوة الصلبة حين بدأت تفقد غطاءها السياسي. وينسحب هذا المعنى، في سياق متداول، على حادثة وفاة ليندسي غراهام المنتمي لتيار نتنياهو نهجًا وعقيدة، عقب لقاء الأخير في كييف مع زيلينسكي، المنخرط في ملفات عسكرية تمتد من أوكرانيا إلى غزة، ومن هرمز إلى الصين، وهو ما جعله، وفق بعض التقديرات، نقطة استهداف بعد تجاوزه حدود "سدرة المنتهى" في ميزان الصراع الدولي.
أما الولايات المتحدة، فإنها تقف عند سدرة مختلفة، يمكن تعريفها بسقف القدرة على إدارة العالم منفردة؛ إذ لم تعد واشنطن قادرة على خوض الحروب المفتوحة، ولا على الانسحاب الكامل، كونها ما تزال تدير التوازن. فهي لا تحسم، لكنها تضبط الإيقاع، غير أنها، في الوقت ذاته، غير قادرة وحدها على كتابة نهاية المشهد. وهذا بحد ذاته اعتراف ضمني بأن النظام الدولي دخل مرحلة ما بعد الهيمنة الأحادية.
وفي قلب هذه المعادلة، يقف الأردن بنهره الجامع المقدس، بوصفه نقطة التقاء السدرتين والشجرتين معًا، وهو ما جعله يشكّل ورقة التوازن الرابحة في معادلة ضبط الإيقاع الأمني. فالأردن يدرك حدود الممكن، ولا يغامر بتجاوزها، لكنه في الوقت ذاته يتقن إدارة لحظة الفاصل؛ لأن نموذجه ليس مشروع صدام، بل مشروع توازن، وهذا ما يجعله ليس لاعبًا في سباق الهيمنة، بل ضامنًا لعدم الانفجار.
هنا تتضح صورة الأنهار، حيث النيل والفرات في مكنون رسالة الضاد، وقد تحولت هذه الأنهار من رمزية تجريدية إلى واقع تجسيدي، فلم تعد مجرد جغرافيا، بل ساحات تنافس على الموارد والنفوذ، من أزمة سد النهضة إلى تراجع فاعلية الدولة في العراق وسوريا. أما الكوثر، فهو ما تفتقده معظم هذه المشاريع؛ أي الشرعية والقبول، والقدرة على تحويل الإمكان إلى قوة، والقوة إلى معنى.
فالقوة الإيرانية بلا قبول عربي تبقى معلّقة، والقوة الإسرائيلية بلا أفق سياسي تبقى مأزومة، والقوة الأميركية بلا شراكات حقيقية تبقى مكلفة، خاصة في ظل تحولات إقليمية كاتفاقيات الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، بما يحمله ذلك من إعادة تشكيل لمعادلات القوة خارج أطر اتفاقيات أبراهام، ويفتح الباب أمام مسارات بلا عنوان واضح أو بوصلة محددة.
وهنا يبرز الدور الهاشمي، بما يمتلكه من شرعية تاريخية ومشروعية قبول، إضافة إلى قدرة كامنة على تحويل هذا النموذج إلى قوة تصنع "كوثرها"، الذي وُعد به النبي الهاشمي عند بلوغه سدرة المنتهى.
وهكذا يقف الإقليم أمام لحظة فاصلة إما أن تبقى القوى عالقة عند سدرة منتهى مشاريعها، أو أن تعبر إلى شجرة الفاصل فتُعيد تعريف أدوارها. فسِدرة المنتهى تقول هنا الحد الذي لا يُتجاوز، وشجرة الفاصل تقول هنا القرار الذي لا يُؤجل. ومن لا يقرأ اللحظة لن يكون جزءًا من رسم الخريطة… بل سيكون جزءًا من نتائجها.