هكذا احتل "الكاسيت" الفضاء المحلي أو المناطقي نحو ثلاثة عقود كاملة، وذلك وفقا للخرائط التي رسمتها ذائقة باعة الأرصفة، وسائقي سيارات الأجرة، والكراجات، وأكشاك بيع الأشرطة. ستتمازج هنا الأدعية الدينية والابتهالات بعتابا مجروحة لمغن مغمور أو حفلة زفاف على سطح منزل في العشوائيات، من دون أن نهمل وقفات المغني أثناء وصلته لتوجيه التحية للعريس وبعض ضيوفه بوصفها تعبيرات وجدانية لأصوات الهامش التي طالما أهملتها السلطة والنخب الثقافية لمصلحة الغناء الراقي.

في المقابل يصعب تجاهل الصعود الصاروخي لأشرطة المغني الشعبي عمر سليمان "الكيصر" بزيه البدوي ونظاراته السوداء كماركة مسجلة مجتازا حدود الجزيرة السورية نحو المسارح الأوروبية والأميركية بخلطة شعبية تمزج الدبكة الكردية بأغاني الأعراس الريفية، وفي المقابل لن نتجاهل بيع ملايين الأشرطة التي كرست صوت علي الديك بقوة دفع ذائقة شعبوية وسلطوية، وضعت أغاني الكراجات، وثقافة الكيتش بمقام موسيقى موزارت وفقا لرأي أحد مريدي هذا المغني، ثم ستكتسح سارية السواس الساحة كصوت أنثوي يصعب لجم أشواقه الحسية المثيرة، كما ستلقي فوضى الحرب وارتداداتها بثقلها على أصالة الغناء الشعبي، وفي زوال متاجر "الكاسيت" وانحسار حفلات الزفاف لمصلحة مجالس العزاء وأصوات القذائف والتهجير، ولم يعد مستغربا أن تجد مطربي الملاهي الليلية يغنون فوق خشبة مسرح دار الأوبرا.
انتصار ذائقة العسكر
لا تكمن خصوصية شريط "الكاسيت" إذن، في محتواه فقط، إنما في المؤثرات البصرية للغلاف، واسم شركة التسجيلات المحلية، وتسريحة المغني، وصولا إلى ديباجة عريف الحفل في تقديم المطرب وفرقته الموسيقية بألقاب نارية من طراز مطرب العسكر ومطرب الدبكة والدلعونا، إلى أسماء مغمورة رسميا مثل كوثر منصور، وسناء الحسين، وسليمان الشعار، ومحمد صادق حديد، وفريحة العبد الله، وحسين الحسن، وعادل خضور، وحتى فؤاد فقرو. وهذا الأخير الذي سيعرف باسم فؤاد غازي (1955-2011) يستحق وقفة خاصة في تفكيك هذه الظاهرة، ذلك أن صعوده وأفوله يشبهان صورة الحقبة التي عبر عنها بامتياز.

أتى المغني السوري الريفي من حفلات الأعراس أولا. مزيج من الغناء الجبلي والعتابا والمواويل، كمن يخلط الشنكليش بالمنسف، في تسجيلات بدائية، وجدت مناخها الحيوي في أكشاك بيع "الكاسيت"، عند أطراف كراجات الأرياف. ثم تسللت إلى الميكروباصات، قبل أن يحط المغني الشاب رحاله في ملاهي العاصمة صوتا قويا، وآسرا، يتواءم مع مزاج رواد الملاهي الليلية آنذاك، وهم طبقة من الأثرياء الجدد والعسكر الذين فرضوا حضورهم طبقة حاكمة، بدءا من منتصف سبعينات القرن الماضي، فكان هذا النوع من الغناء هو التعبير الأمثل عن أمزجتهم الموسيقية: حداثة مستعارة في نمط العيش، ومزاج ريفي يشبع سطوة الحنين إلى التشكلات الأولى التي انحدروا منها.
طوى فؤاد غازي الصفحة القديمة بكل مكابداتها، فغادر ملاهي الضواحي في الشوارع الخلفية، وبات النمرة الأقوى في برنامج "ملهى القصر"، أفخر نوادي العاصمة في تلك الحقبة. هناك اختلط بعلية القوم، وتعرف إلى من يدخله استديوهات إذاعة دمشق بتوصية من أحدهم. كانت أغنيته المشهورة "صف الفشك ضيعته" جواز مروره إلى أثير الإذاعة. الأغنية التي أتت من صخب تسجيلات حفلات الأعراس، خضعت هي الأخرى لعمليات تقنية صارمة، تواكب متطلبات العتبة الجديدة، لكن الأغنية التي أطلقت شهرته، على نطاق واسع، هي "لزرعلك بستان ورود" التي كتب كلماتها حسان يوسف (ضابط في سرايا الدفاع)، ولحنها عبد الفتاح سكر، الملحن الذي أطلق أبرز الأصوات الغنائية في سوريا مثل فهد بلان ودياب مشهور.










