ينبثق هذا المشروع الآن مدعوما بشروط تتيح تحقيقه في المجالين الواقعي والرمزي، فبيروت كانت إلى وقت قريب المكان اللبناني الأبرز الذي لم يتحول إلى منفى وبقي مصرا على إبراز مساحة خاصة من الرحابة والدفاع عنها. التعامل مع مسارات الحرب الجارية حاليا أغلق إلى حد كبير أبواب الرحابة البيروتية وفخخها بالخوف من الآخر.
لذا كان احتضار الرحابة كمجال مديني بيروتي مدخلا للظلام الإسرائيلي، فقد اغتيلت بيروت مرارا قبل أن يحل عليها الهول الإسرائيلي، لكنها كانت لا تزال تخترق محاولات قتلها بفكرتها التي تسفه ما يتبادله اللبنانيون في ما بينهم من أحقاد وتجعله عقيما، وتطلق إمكانيات مختلفة وتبرهن عليها.
تغرق اليوم المجزرة البيروتية في تعريفات ثقافية تتماهى مع التوصيف الإسرائيلي الذي لم يكن ليتجاوز كونه أضغاث أحلام ما لم يتم مده بعناصر تمكين داخلية لبنانية. ما يسود في توصيف المجزرة التي وقعت في بيروت يدرجها في موقع خلافي، فيحرمها من أن تكون مجزرة تصيب عاصمة البلاد وروحها بمعنى شامل وجماعي.
لحق ببيروت ما لحق بالجنوب وبكل المناطق، فقد سبق إخراج بيروت من الانتماء إلى الرحابة وتمثيلها، وطردت أماكن ومدن لبنانية من حيز الحداد الواجب والألم المشترك، فكان ما يحدث فيها أجنبيا بالصفة والأثر.
ذلك الظلام الأبدي الإسرائيلي يبدو في بعض أبعاده ملبننا، فالبلاد التي لا تجيد مشاركة الألم، ويموت أبناؤها كأفراد لا ينتسبون إلا إلى أحبابهم وأصدقائهم وعائلاتهم، سبق لها أن أنجزت ذلك المستحيل بنفسها. الظلام الأبدي لا يستكمله أو يبني عليه، بل يدفعه إلى حدود قصوى وحاسمة لم تكن ممكنة مهما بلغت سطوة التفوق العسكري والميداني والتكنولوجي.
تحضر بيروت الآن في دموع الرثاء. النائحون على بيروت ليسوا جماعات ولا تكتلات، بل أفراد يعون تماما أن النواح الصادق على مدينة الرحابة المقتولة يستعيدها بما كانت عليه، فتظل المساحة الوحيدة التي لم يحتلها الظلام العام الداخلي والإسرائيلي بعد. يشهرونه في وجه العالم في محاولة للحفاظ على ملامح بيروت كمدينة أصرت حتى اللحظة الأخيرة على أن تكون وطنا ممكنا.





