وجهت مذكرة جديدة لمؤسسة وسيط المملكة انتقادات لافتة إلى واقع إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية الذي تسيره أمل الفلاح السغروشني، بعدما سجلت استمرار اختلالات مرتبطة بالتنسيق وتداول الملفات وتحديد المسؤوليات واستمرارية الخدمات الإدارية، داعية إلى قيادة حكومية واضحة لهذا الورش وإرساء منظومة وطنية دقيقة لتقييم الأداء الإداري.
وتضع هذه الملاحظات وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، في واجهة نقاش حاد حول حصيلة الإصلاح الإداري، في ظل الحاجة إلى الانتقال من منطق الإعلان عن البرامج والمشاريع إلى منطق النتائج القابلة للقياس، خصوصاً أن الإدارة تشكل الواجهة اليومية للدولة وأكثر المجالات التصاقاً بحقوق المواطنين ومصالحهم.
وتحمل مذكرة وسيط المملكة مضامين قوية بشأن طريقة تدبير الإصلاح الإداري، إذ تؤكد أن تغيير الحكومات وإعادة توزيع الاختصاصات وإعادة هيكلة القطاعات يمكن أن يفرز صعوبات عملية تمس تداول الملفات وتحديد الجهة المختصة والوفاء بالالتزامات السابقة واستكمال معالجة القضايا الجاهزة، بما قد ينعكس مباشرة على آجال البت في تظلمات المواطنين واستمرارية الخدمات العمومية.
وتأتي هذه الخلاصات لتسلط الضوء على محدودية الإصلاحات التي لا تنعكس بشكل مباشر على تجربة المرتفق داخل الإدارة. فالرقمنة وتبسيط المساطر وإعادة تنظيم الهياكل لا يمكن أن تتحول إلى غاية في حد ذاتها، ما لم تنتج عنها إدارة أسرع وأكثر وضوحاً وفعالية وقدرة على الاستجابة لشكايات المواطنين.
كما أن دعوة المؤسسة إلى إسناد إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية إلى قيادة حكومية واضحة، تضمن وحدة الرؤية والتقائية التدخلات واستمرارية البرامج ووضوح المسؤولية عن النتائج، تعكس الحاجة إلى تجاوز تشتت المبادرات وتداخل الاختصاصات، ووضع المسؤولية السياسية والتدبيرية في إطار أكثر وضوحاً.
وفي هذا السياق، تبدو وزارة السغروشني مطالبة بإعادة تقديم حصيلة الإصلاح الإداري بمنطق المؤشرات والنتائج، وليس فقط بمنطق المشاريع المعلنة. فالمعيار الحقيقي لأي إصلاح يظل مرتبطاً بجودة الخدمة العمومية، واحترام الآجال، وسهولة الولوج إلى المرافق، وفعالية معالجة التظلمات، ومدى تنفيذ التوصيات الصادرة عن المؤسسات المختصة.
وتزداد أهمية هذه الملاحظات مع اقتراح مؤسسة وسيط المملكة إرساء منظومة وطنية لتقييم الأداء الإداري تعتمد مؤشرات دقيقة لقياس جودة الخدمات ومستوى رضا المرتفقين وسرعة معالجة الملفات ومدى تجاوب الإدارات مع التظلمات وتنفيذ التوصيات.
وهو توجه يضع الإصلاح الإداري أمام مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي هو المحاسبة على الأثر والنتائج، بدل الاكتفاء بتعداد المشاريع والاستراتيجيات والبرامج.
كما تكشف المذكرة أن إصلاح الإدارة لا يمكن اختزاله في الرقمنة أو إعادة الهيكلة، بل يتطلب تغييراً أعمق في أنماط التدبير وثقافة الخدمة العمومية والعلاقة مع المرتفق، إلى جانب تخليق المرفق العام وتبسيط المساطر وتعزيز اللاتمركز وتحديث الوظيفة العمومية.
وبذلك، تضع مؤسسة وسيط المملكة ورش إصلاح الإدارة أمام اختبار حقيقي، وتدفع الوزارة الوصية إلى مواجهة اختلالات بنيوية ظلت تؤثر على علاقة المواطن بالمرفق العمومي.
وفي ظل هذه المعطيات، تصبح حصيلة السغروشني في مجال إصلاح الإدارة محكومة بمدى قدرتها على تحويل الشعارات المرتبطة بالتحديث والرقمنة والتبسيط إلى نتائج ملموسة، وعلى ضمان قيادة أكثر وضوحاً وتنسيقاً واستمرارية لهذا الورش الاستراتيجي.



