الولايات المتحدة الأمريكية… نمر من ورق؟
الولايات المتحدة الأمريكية… نمر من ورق؟
زايد كركي
في الحروب، لا تُقاس النتائج بالشعارات، ولا تُحسم بالبيانات العاجلة التي تعلن النصر بعد ساعات من توقف إطلاق النار. فالحرب التي انتهت – أو ربما توقفت مؤقتًا – بين الولايات المتحدة وإيران، كشفت مشهدًا أكثر تعقيدًا من مجرد “منتصر” و”مهزوم”.
سارع الطرفان إلى إعلان النصر، وانقسم العالم تبعًا لذلك؛ فأنصار واشنطن رأوا في ما حدث تأكيدًا لقوتها، بينما اعتبره أنصار طهران صمودًا تاريخيًا وانتصارًا استراتيجيًا. لكن الحقيقة الأعمق تكمن في أن مفهوم النصر في علم الحروب ليس ثابتًا، بل هو مرن ومتغيّر، يرتبط بأهداف كل طرف عند بداية الصراع؛ فالدولة المعتدية تقيس النجاح بسرعة الحسم وتحقيق الأهداف، بينما ترى الدولة المدافعة أن مجرد الصمود وإفشال تلك الأهداف يُعد بحد ذاته انتصارًا.
دخلت الولايات المتحدة هذه المواجهة بحسابات بدت لاحقًا غير دقيقة، إذ راهنت على حرب خاطفة لا تتجاوز أسبوعًا، تبدأ بضربة افتتاحية كاسرة، يتبعها تحرك داخلي يُفضي إلى تغيير النظام، ويمهّد لغزو بري سريع. غير أن هذه الفرضيات اصطدمت بواقع مختلف؛ إذ لم يستجب الداخل الإيراني كما توقعت، ولم تُفلح أدوات الضغط، رغم قسوة الرسائل العسكرية واستهداف البنية المدنية.
هذا المشهد ليس جديدًا في التاريخ العسكري الأمريكي. ففي حرب فيتنام، واجهت الولايات المتحدة خصمًا أقل تفوقًا تقنيًا، لكنه أكثر قدرة على التكيّف والصمود، ما أدى في النهاية إلى استنزاف طويل انتهى بانسحاب مكلف. وتكرر المشهد، بصورة مختلفة، في العراق، حيث نجحت واشنطن في إسقاط النظام بسرعة، لكنها واجهت صعوبة هائلة في إدارة ما بعد الحرب، ودخلت في دوامة استنزاف طويلة.
في الحالة الإيرانية، بدا أن واشنطن اصطدمت بنموذج مختلف من الخصوم؛ دولة قادرة على امتصاص الصدمة الأولى، وإعادة تنظيم نفسها بسرعة، بفضل تعدد مراكز القوة داخلها، سواء الدينية أو السياسية أو العسكرية، التي تعمل بشكل متوازٍ، ما يقلل من تأثير فقدان القيادات.
الأكثر إرباكًا كان الرد الإيراني، الذي تجاوز التوقعات الأمريكية، ليتجه نحو استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة بشكل مباشر وسريع. وقد أدى ذلك إلى إضعاف نقاط النفوذ، وفرض معادلات جديدة، خاصة مع دخول إسرائيل في دائرة التهديد، وهو ما قيّد هامش الحركة الأمريكية، نظرًا لحساسية هذا الملف.
وفي موازاة البعد العسكري، برز البعد الاقتصادي كعامل لا يقل أهمية. فقد انعكست المواجهة سريعًا على أسواق الطاقة، مع ارتفاع أسعار النفط وتزايد المخاوف بشأن أمن الإمدادات، خصوصًا مع التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز. كما شهدت الأسواق العالمية حالة من التذبذب، في ظل قلق المستثمرين من توسّع رقعة الصراع، ما يؤكد أن الحروب الحديثة لم تعد عسكرية فقط، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
ورغم الخسائر الكبيرة التي تكبّدتها إيران، سواء على مستوى البنية العسكرية أو القيادات أو علاقاتها الإقليمية، إلا أن بقاءها صامدة وقدرتها على فرض شروطها التفاوضية يمنحها، وفق منطق الحروب، مساحة لادعاء النصر. في المقابل، فإن اضطرار الولايات المتحدة إلى احتواء التصعيد، واللجوء إلى وساطات إقليمية، يعكس حجم التعقيد الذي واجهته، ويطرح تساؤلات حول جدوى الخيارات العسكرية في بيئة إقليمية شديدة التشابك.
في المحصلة، لا يبدو أن ما حدث هو حسم نهائي، بل أقرب إلى جولة ضمن صراع أطول وأكثر تعقيدًا، تتداخل فيه العوامل العسكرية مع السياسية والاقتصادية.
فهل نحن أمام تحوّل حقيقي في ميزان القوة العالمي، أم مجرد محطة جديدة في صراع طويل لم تُكتب فصوله الأخيرة بعد؟
هذا المحتوى الولايات المتحدة الأمريكية… نمر من ورق؟ ظهر أولاً في سواليف.





