المغرب في "أفلام وثائقية فرنسية" .. رسائل سياسية وسط توترات إقليمية
في سياق إقليمي ودولي دقيق، برمجت “فرانس تلفزيون” أمسيتين وثائقيتين خاصتين بالمغرب، بمناسبة الذكرى السبعين للاستقلال، عبر عرض عملين بارزين يستحضران التاريخ المشترك بين الرباط وباريس، ويعيدان قراءة مسار علاقة ظلت لعقود تتأرجح بين التوتر والتقارب. غير أن هذا الاهتمام الإعلامي المتجدد لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي الراهن، خاصة أنه يأتي بعد أسابيع قليلة من موجة غضب جزائري رسمي عقب بث محتوى إعلامي فرنسي انتقد بشدة ممارسات السلطة في الجزائر.
الوثائقي الأول “Je t’aime moi non plus–France-Maroc”، للمخرج Benoît Bringer، يقدم سردا سينمائيا لعلاقة معقدة بين بلدين “محكوم عليهما بالتفاهم”، وفق توصيف العمل، تم بثه أمس الجمعة، بينما يسلط الوثائقي الثاني الضوء على شخصية محمد الخامس ودوره المركزي في استقلال المغرب تحت عنوان “Mohammed V, père de l’indépendance marocaine”، سيتم بثه غدا الأحد.
يرى لحسن أقرطيط، خبير في العلاقات الدولية، أن تزامن عرض هذين الوثائقيين مع الذكرى السبعين لاستقلال المملكة المغربية يحمل في طياته “غزلا” سياسيا صريحا من باريس تجاه الرباط.
وقال أقرطيط، ضمن تصريح لهسبريس، إن هذه الخطوة الإعلامية هي ترجمة لتفهم فرنسي مستجد للموقع الجيو-سياسي والجيو-استراتيجي للمغرب في المنطقة.
وأوضح أن “عودة العلاقات إلى مجراها الطبيعي انطلقت أساسا من الإقرار الفرنسي بمغربية الصحراء، وهو ما يؤسس لمستقبل استراتيجي جديد. الوثائقيات الفرنسية، بإشارتها إلى محطات تاريخية هامة، تعيد قراءة التعاون الوثيق منذ عهد الملك الراحل محمد الخامس كبطل للاستقلال، وصولا إلى ترسيخ العلاقات في عهد الملك الحسن الثاني، ثم المرحلة الحالية في عهد الملك محمد السادس”.
وأضاف الخبير في العلاقات الدولية أن المرحلة الراهنة تتميز بخصوصية تحول موازين القوى: “لقد انتصب المغرب كقوة إقليمية ذات حضور وازن في القارة الإفريقية، وهو الأمر الذي تسبب سابقا في تشنجات دبلوماسية ووصل ذروته في ملف بيغاسوس. لكن الوثائقي اليوم يبعث برسائل ود سياسية تستشرف المستقبل، وتُقر بأن مغرب اليوم يرفض صيغة الأخ الأصغر ويفرض معادلة الندية في علاقته مع باريس، مما يعكس تغيرا عميقا في المقاربة الفرنسية تجاه المملكة”.
من جانبه، قال رشيد لزرق، رئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات، إن “هذا التتابع الإعلامي الفرنسي يكشف أن باريس باتت تعيد ترتيب تمثلاتها المغاربية وفق منطق سياسي واضح: المغرب يُقدَّم اليوم في الإعلام العمومي الفرنسي كشريك استراتيجي تُهيَّأ له سردية تاريخية وسياسية تُسهّل لحظة التقارب وإعادة البناء، بينما تُصوَّر الجزائر، في لحظات التوتر، داخل خطاب استقصائي صدامي يعكس مناخ الأزمة أكثر مما يبحث عن التهدئة”.
وأضاف لزرق، ضمن تصريح لهسبريس، أن “بث وثائقيات عن عمق العلاقة الفرنسية المغربية، بعد أسابيع من انفجار السجال مع الجزائر بسبب برنامج تلفزيوني فرنسي مثير، لا يبدو مجرد صدفة برمجية، بل يعكس تحولا في أولويات فرنسا داخل شمال إفريقيا: من علاقة مأزومة مع الجزائر تُدار بمنطق الشك والتجاذب، إلى علاقة مع المغرب تُدار بمنطق الاستثمار الرمزي والتمهيد الدبلوماسي لشراكة أوثق”.
وتابع موضحا: “أعتقد أن الأمر ليس مجرد مناورة إعلامية ظرفية للضغط على الجزائر، بل انعكاس لتحول سياسي فرنسي أعمق جرى حسمه في الإليزيه منذ صيف 2024، حين أعلن إيمانويل ماكرون رسميا دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره الأساس الوحيد للتسوية، ثم عاد وكرّس هذا الموقف علنا أمام البرلمان المغربي خلال زيارته الرسمية إلى الرباط في أكتوبر 2024؛ وهذه ليست مؤشرات تكتيك عابر بل علامات إعادة تموضع دبلوماسي مؤسَّس ومعلن”.
وأكد لزرق أن “التغطية الإعلامية والوثائقيات الفرنسية الحالية تبدو أقرب إلى وظيفة المرافقة الرمزية والثقافية لهذا التحول السياسي، أي تهيئة الرأي العام الفرنسي وإعادة سرد العلاقة مع المغرب داخل المخيال الإعلامي الفرنسي، أكثر من كونها أداة ضغط منفصلة بحد ذاتها”.
مردفا: “صحيح أن باريس تستفيد ضمنا من هذا التموضع في إدارة التوتر مع الجزائر، خصوصا بعد الأزمات الدبلوماسية المتكررة بين البلدين في 2025، لكن الوقائع المتاحة ترجّح أن الضغط على الجزائر هو أثر جانبي مفيد لقرار استراتيجي فرنسي أكبر، لا جوهره الوحيد”.
The post المغرب في "أفلام وثائقية فرنسية" .. رسائل سياسية وسط توترات إقليمية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





