... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
207418 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6621 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

الحرية الشخصية, الخط الأحمر حين تتحول السلطة إلى وصيّ على الإنسان

سواليف
2026/04/18 - 09:36 502 مشاهدة

الحرية الشخصية, الخط الأحمر حين تتحول السلطة إلى وصيّ على الإنسان

بقلم: المهندس محمود “محمد خير” عبيد

ليست المشكلة حين تختلف الأنظمة السياسية مع مواطنيها في إدارة الشأن العام، فذلك جزء طبيعي من صراع الأفكار والمصالح. المشكلة تبدأ حين تقرر السلطة أن تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك, إلى حياة الإنسان الخاصة، إلى جسده، إلى صوته، إلى اختياراته اليومية، وكأنها لم تعد تكتفي بإدارة المجال العام، بل تسعى لاحتلال المجال الشخصي أيضاً.

هنا لا يعود السؤال، أيهما أهم، الحرية السياسية أم الحرية الشخصية؟ بل يصبح السؤال أكثر جذرية, هل يبقى الإنسان إنساناً إذا سُلبت حريته الشخصية؟

فالحرية السياسية، مهما عظمت، تظل إطاراً لتنظيم السلطة وتداولها وليست لتتعدى على الحرية الشخصية؛ هي فكرة ونظام وآلية. أما الحرية الشخصية فهي جوهر الوجود الإنساني ذاته؛ هي الحق في أن نكون أنفسنا دون خوف أو وصاية، دون أن يفرض علينا أحد كيف نفكر، كيف نلبس، كيف نعبّر، أو حتى كيف نمارس قناعاتنا وعلاقتنا مع خالقنا و مع البشر.

عندما تتدخل الدولة في لباس الفرد، في سلوكه، في لغته، في آرائه، فهي لا تمارس تنظيماً، بل وصاية. وحين تُغلّف هذه الوصاية بخطاب ديني أو أخلاقي او فكر سياسي، فإنها لا تكتفي بتقييد الحرية، بل تصادر الضمير نفسه.

المفارقة الصارخة أن بعض من يرفعون لواء “الدين” و“الأخلاق” في السياسة يتناسون أبسط قاعدة, “لا إكراه في الدين”. يتحدثون باسم الإيمان، لكنهم يمارسون الإكراه. يدّعون حماية الأخلاق، لكنهم يسلبون الإنسان حق الاختيار، وهو جوهر أي قيمة أخلاقية حقيقية.

ولمن يظن أن الدين لا ينتشر إلا بالفرض، تكفي تجربة الإسلام خارج منطق السلطة القسرية. ففي جنوب شرق آسيا، التي تضم اليوم أكبر تجمع للمسلمين، لم ينتشر الإسلام بالسيف ولا بالوصاية، بل بالتجارة والمعاملة والقدوة. في إندونيسيا وماليزيا، لم يكن هناك سوط سلطة يفرض العقيدة، بل كانت الحرية هي التي فتحت القلوب، وكان السلوك الإنساني هو الحجة الأقوى.

هذه الحقيقة تقوّض سردية من يحتكرون الدين لفرضه بالقوة؛ فالدين الذي انتشر بالصدق والعدل لا يحتاج إلى أجهزة رقابة ليبقى. على العكس، كلما فُرض بالقسر فقد معناه، وكلما تُرك للإنسان ليختاره بحرية ازداد رسوخاً.

ما يحدث اليوم مع بعض الأنظمة السياسية، ليس دفاعاً عن الدين، بل توظيف له. ليس تمسكاً بالقيم، بل استغلال لها كأداة ضبط وسيطرة. وكأن البعض نصّبوا أنفسهم أوصياء على الناس، يحتكرون الحقيقة، ويمنحون أنفسهم حق محاسبة الآخرين على تفاصيل حياتهم الخاصة.

أي سلطة، سياسية كانت أم دينية، تعتقد أن من حقها أن تفرض على الناس كيف يعيشون، إنما تعلن صراحة أنها لا تراهم مواطنين، بل رعايا؛ لا أفراداً أحراراً، بل موضوعات للضبط والتشكيل.

والحقيقة التي يتم تجاهلها عمداً أن الحرية الشخصية ليست تهديداً للمجتمع ما دامت لا تُلحق ضرراً بالآخرين. هذا هو الحد الفاصل الوحيد، ألا تضر. وما دون ذلك، ليس من حق أحد، دولة أو جماعة أو فرد, أن يفرض وصايته.

إن أخطر أشكال الاستبداد ليس فقط في التحكم بالأفعال، بل في محاولة السيطرة على القناعات والضمائر. عندها لا يعود القمع مرئياً في القوانين فقط، بل يتسلل إلى الوعي، إلى الخوف، إلى الرقابة الذاتية التي تُزرع داخل الإنسان.

الحرية الشخصية ليست ترفاً فكرياً ولا شعاراً مستورداً، بل أصل أصيل في كرامة الإنسان، وسابقة على الدولة والقانون وأي سلطة تدّعي تنظيمها.

أما أولئك الذين يختبئون خلف الدين أو القوميات أو شعارات زائفة لفرض وصايتهم، فهم لا يدافعون عن القيم، بل يختزلونها في أدوات قمع، ويشوّهون جوهرها القائم على الاختيار الحر. فالدين الذي يحتاج إلى سلطة تفرضه ليس إيماناً، بل نظام إكراه.

ليست معركة الشعوب فقط مع الاستبداد السياسي، بل مع ما هو أخطر، الاستبداد الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية. قد تتحمل الشعوب ضغط السياسة، لكنها لا تقبل أن تُسلب حياتها الخاصة، كيف تعيش، ماذا تلبس، ماذا تقول، ومن تكون.

الإنسان قد يُجبر على الصمت في المجال العام، لكنه يرفض أن يُسلب صوته في ذاته. فهناك فرق بين سلطة تدير واقعاً سياسياً، وسلطة تسعى لإعادة تشكيل الإنسان نفسه.

لذلك، فإن أي سلطة تحاول مصادرة الحرية الشخصية إنما تختبر حدود الانفجار الاجتماعي؛ لأن الإنسان قد يساوم على بعض حقوقه السياسية، لكنه نادراً ما يقبل أن يُسلب حقه في أن يكون نفسه.

المعادلة واضحة, يمكن للسياسة أن تنظّم الحياة، لكنها لا تملك الحق في مصادرتها, يمكن للدين أن يُلهم الإنسان، لكنه لا يُفرض بالقوة, أما الحرية الشخصية، فهي الحدّ الذي إن تم تجاوزه، لم يعد هناك إنسان حر، بل كائن مُدار, وأي نظام لا يفهم هذه الحقيقة، لا يبني مجتمعاً, بل يبني قفصاً، مهما زيّنه بالشعارات.

هذا المحتوى الحرية الشخصية, الخط الأحمر حين تتحول السلطة إلى وصيّ على الإنسان ظهر أولاً في سواليف.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤