"الفتاة ذات الشريط الأزرق".. كتاب يكشف أسرار تحفة رينوار
تعدّ لوحة "الفتاة الصغيرة ذات الشريط الأزرق" من أشهر أعمال أوغست رينوار. كانت عارضة اللوحة، إيرين كاهين دانفير، تنتمي إلى الطبقة البرجوازية اليهودية في أواخر القرن التاسع عشر، وهي طبقة كانت ذات نفوذ كبير في عالم الفن آنذاك.
بدأ كل شيء بلوحة من إبداع أوغست رينوار، رسمها عام 1881 بتكليف من المصرفي لويس كاهين دانفير، والد الفتاة، وأصبحت واحدة من أشهر رموز المدرسة الانطباعية.
اختفت إيرين كاهين دانفير الحقيقية تدريجياً خلف صورتها. فتاة في الثامنة من عمرها ترتدي فستاناً أزرق، وشريطاً يزيّن شعرها. من هذه المفارقة تحديداً، بدأ كتاب ناتالي ديفيد-ويل الصادر عن (دار فلاماريون) في مارس 2026.
استطاعت الكاتبة أن تعيد من خلال بحث دقيق في الأرشيفات العائلية، والمراسلات، ووثائق منسية منذ زمن، بناء حياة المرأة التي اختزلها تاريخ الفن إلى مجرد اسم وشريط أزرق.
يركز الكتاب بشكل أساسي على أعوام 1941 و 1942 و 1943، تلك السنوات التي انزلقت فيها أوروبا إلى أتون الحرب، حيث شهدت اللوحة نفسها مصيراً مضطرباً بدورها. ومثّلت مصادرتها من قبل النازيين بعد أكثر من خمسين عاماً، انهياراً لنخبة من الطبقة البرجوازية، انتهى المطاف بمعظم أفرادها بالترحيل.
بعد الحرب، استعادت إيرين كاهين دانفير لوحتها وباعتها لتاجر أسلحة على صلة بالألمان. ومن المفارقات، أنه كلما ازدادت شهرة "الفتاة الصغيرة ذات الشريط الأزرق"، كلما تلاشت عارضة اللوحة من الذاكرة.
من خلال أرشيفات لم تُنشر من قبل ولقاءات شخصية، اكتشفت الكاتبة عالماً كاملاً كما تقول: "عالم نساء باريسيات أنيقات، انتهت حياتهن بشكل مأساوي. من بينهن برزت إيرين كنسوية سبقت عصرها، مثالية وعازمة. كان هدفي إعادة إحياء المرأة التي تختبئ وراء الصورة".
لا يُعرف شيء تقريباً عن إيرين كاهين دانفير. ويُنظر إليها على أنها "الزوجة غير الجديرة لمويس دي كاموندو، الذي ترك، من جانبه، صورة رجل كريم، مثقف، ومحترم"، بحسب الكاتبة.
نشأت إيرين في عالم الطبقة الراقية الباريسية المترفة، وتزوّجت من مويس دي كاموندو، وريث سلالة عريقة من جامعي التحف. كان زواجها تعيساً، وطلاقها مريراً. اختارت الحرية، حتى وإن كان ذلك يُعرّضها لإثارة الفضيحة في أوساطها الاجتماعية. ثم تتابعت حياتها كسلسلة من الزيجات المتكررة، والأسفار، وفترات الانفصال، وعلاقة معقّدة مع بناتها، مع مزيج من الحنان والابتعاد.
تُعتبر هذه اللوحة اليوم تحفة فنية، إلا أنها لم تُقدّر قيمتها حق قدرها من قِبل عائلة كاهين، عشاق الفن في القرن الثامن عشر، وخصوصاً من قِبل الشخص الذي رُسمت اللوحة من أجله، تماماً كما هو الحال مع لوحات رينوار الأخرى. تمت تخبئة اللوحة في ملحقات منزل العائلة الباريسي في شارع بانو، وانتهى بها المطاف في خزانة، الأمر الذي أثار استياء رينوار حينها.
تقول الرواية إنه في البداية، "شعر لويس كاهين والد إيرين بخيبة أمل من لوحة رينوار، فرفض دفع ثمنها. ولأنه لم يتم الاتفاق على السعر مسبقاً، دفع لرينوار مبلغ 1500 فرنك متأخراً، وهو أقل مما كان يأمل الفنان. أفصح في مراسلاته قائلاً: "هذا البخل ليس مفاجئاً. عائلة كاهين في أنتويرب يهودية".
أضاف: "العائلة بخيلة للغاية، أنا أبرئ ذمتي من اليهود".
جابت لوحة إيرين معارض العالم. تمّت سرقتها عام 1941 من قصر شامبور على يد الألمان، وصادرها المسؤول النازي هيرمان غورينغ. وكما تم وضعها في متحف جو دو بوم، ثم باعها تاجر التحف والتر فويز إلى معرض تيودور فيشر.
حاول ليون رايناخ، زوج بياتريس دي كاموندو، عبثاً استعادة اللوحة التي تصوّر حماته في طفولتها، والتي تركز على إسهامات عائلة كاموندو في التراث الثقافي الفرنسي، قبل أن يُقبض عليه ويُرحّل.
في سبتمبر 1945 عُثر على اللوحة في بافاريا، تحديداً في قلعة هوهنشوانغاو، ونقلها الحلفاء إلى مركز تجميع مركزي في ميونيخ. عام 1946 عُرضت اللوحة في معرض باريسي بمتحف أورانجيري، بعنوان "روائع من مجموعات فرنسية مُستعادة في ألمانيا".
عام 1949 اشتراها تاجر أعمال باريسي، باعها لإميل جورج بورله مقابل 240 ألف فرنك سويسري. ثم تبرّع ورثة بورله باللوحة لمؤسسة مجموعة "إي جي بورله" في زيورخ عام 1960.
يحتوي الكتاب على فهرس وملاحظات تتبّع هذا التاريخ المعقد، الذي تتشابك فيه خيوط الأرستقراطيين اليهود والكاثوليك في الدوائر السادسة عشرة والثامنة والسابعة، بين الحرب العالمية الأولى ونهاية الحرب العالمية الثانية.





