🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
388005 مقال 248 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 5409 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

الأديان التي جمعت العالم والقوميات التي فرّقته

معرفة وثقافة
سواليف
2026/05/18 - 13:47 504 مشاهدة

الأديان التي جمعت العالم والقوميات التي فرّقته, الاستعمار وصناعة الهويات المتصارعة

بقلم : المهندس محمود “محمد خير” عبيد

منذ بدايات التاريخ، لم تكن القوميات وحدها هي التي شكّلت هوية الإنسان، بل كانت العقيدة والروحانية والمعتقدات الجامعة هي القوة الأعمق التي منحت البشر شعورهم بالانتماء والمعنى. فالدين، بمختلف أشكاله، لم يكن مجرد طقوس أو شعائر، بل كان مشروعًا حضاريًا وإنسانيًا عابرًا للأعراق واللغات والحدود. غير أن العالم الحديث، وخاصة منذ صعود المشاريع الاستعمارية الغربية، أخذ يدفع باتجاه تحويل الانتماءات الإنسانية الكبرى إلى هويات قومية ضيقة، تتصارع فيما بينها بدل أن تتكامل.

لقد جمعت المسيحية شعوبًا وأعراقًا شرقية وغربية تحت مظلة روحية واحدة، رغم اختلاف القوميات والثقافات واللغات. وكذلك فعل الإسلام حين جمع العرب والفرس والأتراك والكرد والأمازيغ والأفارقة والآسيويين ضمن فضاء حضاري واحد، لم تكن الرابطة فيه رابطة دم أو عرق، بل رابطة عقيدة ورسالة. وحتى اليهودية، التي كثيرًا ما تُختزل سياسيًا في إطار قومي، تضم داخلها أعراقًا وثقافات متعددة مثل الأشكناز والسفرديم وغيرهم. وكذلك الأمر في الهندوسية والبوذية وسائر المعتقدات الروحية التي تجاوزت حدود الجغرافيا والعرق.

إن المعتقدات الدينية والروحانية أثبتت عبر التاريخ أنها أكثر قدرة على جمع البشر من القوميات التي غالبًا ما تتحول إلى أدوات صراع وتفوق عرقي واستعلاء سياسي. فحين يشعر الإنسان أن انتماءه قائم على قيم أخلاقية وروحية مشتركة، يصبح أكثر قابلية للتعايش والتكامل، أما حين يُختزل إلى مجرد هوية قومية أو عرقية، فإن احتمالات التصادم تصبح أكبر.

ومن هنا يمكن فهم أحد أخطر أوجه المشروع الاستعماري الحديث؛ إذ أدركت القوى الاستعمارية مبكرًا أن أي فكرة جامعة للشعوب تمثل تهديدًا مباشرًا لمصالحها وهيمنتها. لذلك لم يكن من مصلحة الاستعمار أن تبقى الروابط الدينية والحضارية الكبرى حية وقوية، لأنها كانت قادرة على خلق حالة من الوحدة السياسية والثقافية والاقتصادية بين الشعوب الواقعة تحت السيطرة.

ولهذا، عمل الاستعمار على إعادة تشكيل المنطقة العربية والإسلامية وفق خرائط قومية وعرقية ضيقة. فبعد سقوط الدولة العثمانية، لم يكن تفكيك الجغرافيا وحده هو الهدف، بل تفكيك الوعي أيضًا. جرى تسويق القوميات بوصفها مشروع الخلاص، وتحولت الهوية من هوية حضارية جامعة إلى هويات متنازعة: تركية، عربية، كردية، وغيرها. وأصبح الانتماء القومي مقدمًا على أي انتماء آخر، رغم أن شعوب المنطقة عاشت قرونًا طويلة ضمن فضاءات حضارية متداخلة.

لقد ساهم في هذا التحول نخب محلية وقوى سياسية رأت في القومية طريقًا إلى السلطة، وبعضها ظن أنه سيصبح وريثًا للإمبراطوريات القديمة أو قائدًا لدول حديثة مستقلة، لكنه اكتشف لاحقًا أن الاستعمار لم يكن يصنع شركاء، بل أدوات مؤقتة تنتهي صلاحيتها بمجرد تحقيق أهدافه. فالكثير ممن راهنوا على المشاريع القومية وجدوا أنفسهم لاحقًا أمام دول مجزأة، وصراعات داخلية، وأنظمة استبدادية، وحدود مصطنعة تحولت إلى جدران نفسية وسياسية بين شعوب كانت متصلة تاريخيًا.

إن أخطر ما حدث في العصر الحديث هو تحويل الصراعات الفكرية والدينية إلى صراعات قومية وعرقية. فبدل أن يكون الخلاف في إطار فكري أو سياسي قابل للحوار، أصبح مرتبطًا بالهوية العرقية ذاتها، مما جعل النزاعات أكثر عنفًا واستمرارية. ولهذا نرى اليوم أن كثيرًا من الحروب المعاصرة تُدار تحت شعارات قومية أو إثنية، حتى وإن كانت جذورها الحقيقية مرتبطة بالمصالح الاقتصادية والسياسية والنفوذ الدولي.

ولا يعني نقد القومية هنا إنكار حق الشعوب في الحفاظ على لغاتها وثقافاتها وهوياتها الوطنية، فالتنوع الإنساني قيمة حضارية مهمة، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول القومية إلى أداة إقصاء وعداء، أو حين تُستخدم لهدم الروابط الإنسانية والروحية الجامعة بين البشر. فالوطنية الصحية شيء، والتعصب القومي شيء آخر تمامًا.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تُبنى بالكراهية المتبادلة، ولا بالانغلاق العرقي، بل ببناء منظومات أخلاقية وثقافية تسمح بالتعدد داخل إطار إنساني جامع. فالدين، حين يكون في صورته الحضارية والأخلاقية، لا يلغي التنوع، بل يمنحه معنى أعمق. ولذلك بقيت الحضارات الكبرى قادرة على الاستمرار حين نجحت في خلق مظلة فكرية وروحية تتجاوز العرق واللغة.

أما العالم اليوم، فيبدو وكأنه يعود تدريجيًا إلى الانقسامات البدائية نفسها، حيث يتم إحياء العصبيات القومية والعرقية تحت شعارات سياسية حديثة، بينما تتراجع القيم الإنسانية الجامعة. وفي ظل هذا المشهد، يصبح السؤال الحقيقي: هل يمكن للبشرية أن تستعيد فكرة الإنسان قبل العرق، والروح قبل الحدود، والقيم قبل المصالح؟

ربما لا تكمن المشكلة في وجود القوميات بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى بديل عن الإنسانية، وعن القيم الروحية والأخلاقية التي تجمع البشر. فحين ينتصر العالم للقومية وحدها، يخسر الإنسان جزءًا كبيرًا من روحه، وتتحول الحدود إلى سجون فكرية، ويصبح الاختلاف سببًا للصراع بدل أن يكون مصدرًا للغنى الحضاري.

هذا المحتوى الأديان التي جمعت العالم والقوميات التي فرّقته ظهر أولاً في سواليف.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤