العدالة الجنائية بين هاجس “التلبس” وضمانات البراءة: نحو ترشيد “الإشتباه” و تحديث “حالات التلبس” على ضوء اليقين العلمي
تعتبر حالة التلبس من أدق المواضيع في قانون المسطرة الجنائية، نظرا لما تمنحه من صلاحيات استثنائية تمس بالحرية الفردية. وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في حالات التلبس المنصوص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية، والتي ظلت جامدة بالرغم من التحيين والتغيير الذي طال قانون المسطرة الجنائية المعدل بالقانون 03.23.
أولا: قصور المعايير المادية في المادة 56 وتأثيرها على الحرية الشخصية
بناء على القراءة التقنية للمادة 56 من قانون المسطرة الجنائية، نجد أن المشرع ربط التلبس بمظاهر خارجية واستنتاجات بصرية قد تخطئ الصواب. ففي الفقرة الثانية، نجد حالة الملاحقة بـ “صياح الجمهور”، وهو معيار غير دقيق، إذ قد يكون الجري نتاج ذعر أو خوف من “عدالة الشارع” وليس دليلا على الجرم. أما الفقرة الثالثة، فتربط التلبس بوجود الشخص حاملا لـ “أدوات أو أسلحة أو عليه آثاردماء على ثيابه اوعلى يده…”وهي معايير قد تكون مضللة جدا في واقع الأمر. إذ أن رؤية شخص في وضعية ملتبسة ضمن كافة أنواع الجرائم الجنحية والجنائية (سواء كان واقفا بجانب ضحية اعتداء، أو ملطخا بالدماء في مكان معزول، أو متواجدا في مكان سرقة وبيده غرض ما) تدفع ضابط الشرطة القضائية آليا نحو “الاشتباه” بناء على الاستدلال الظاهري.
وبالتالي فالتواجد في مسرح الجريمة ليس دائما دليلا على الجرم؛ ولعل خير مثال على ذلك، هو حالة شخص يمارس الرياضة في الغابة، سمع أنين فتاة ضحية اعتداء شنيع، وحين حاول إسعافها تلطخت ثيابه بدمائها، ليجد نفسه فجأة محاصرا بصياح الجمهور وبتهمة ثقيلة كالاغتصاب أو القتل بمجرد حضور الشرطة، ليتحول “المسعف”في لحظة إلى “متهم” بسبب جمود النص القانوني وغياب اليقين العلمي. ولعل جمود النص القانوني وغياب اليقين العلمي في المادة 56 يؤدي إلى “الوصمة الجنائية” التي تدمر سمعة الأفراد، وتجعل البريء يعترف تحت الضغط النفسي للاعتقال بجرائم لم يرتكبها.
ومن تم، إن غياب التمييز العلمي في المادة 56 يؤدي إلى “الوصمة الجنائية” التي تدمر سمعة الأفراد، وتجعل البريء يعترف تحت الضغط النفسي للاعتقال بجرائم لم يرتكبها.
ثانيا: من “وصمة الاشتباه” إلى “المعني بالتحري”
وفي سياق متصل، فإن إصلاح العدالة الجنائية يقتضي بالضرورة مراجعة فلسفة المصطلحات القانونية؛ فاستخدام مصطلح “المشتبه به”في المراحل الأولى للبحث التمهيدي، في غياب أي دليل مادي علمي صادر عن المختبر،يعد انتهاكا جسيما لحق الإنسان في البراءة والكرامة والحرية. فهذا المصطلح المشتق من “الشبهة” ليس مجرد وصف قانوني، بل هو وصمة اجتماعية قد تطال بريئا وجد بالصدفة في مسرح الجريمة؛ سواء كان مسعفا مدفوعا بوازعه الإنساني، أو شخصا وقع في فخ محكم من القرائن الظاهرية.
لذا، ومن أجل تكريس قرينة البراءة، نقترح استبداله بمصطلح “المعني بالتحري” أو “الخاضع للمساءلة”. فمن شأن هذا التعديل أن يضمن وضعية قانونية محايدة للفرد، ويجعل من إجراءات التحقيق وسيلة للبحث عن الحقيقة وليس وسيلة للإدانة المسبقة بناء على مظاهر قد تكون خادعة. فـ “الإنسان “بريء” حتى تثبت إدانته، والإنسان ليس “بمشتبه به” حتى تثبت الأدلة الجنائية العلمية ذلك”. بمعنى لالاشتباه بدون دليل علمي يقيني.
وبذلك، وتماشيا مع مستجدات قانون المسطرة الجنائية 03.23، نقترح تعديل الفقرة الاخيرة من المادة الاولى من ق.م.ج ب: “كل معني بالتحري أو خاضع للمساءلة يعتبر بريئا إلى ان تثبت إدانته قانونا بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به مبني على اليقين المادي، وبناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية” .
ثالثا: اليقين العلمي كصمام أمان لترشيد تدابير التلبس
يقتضي إصلاح المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية الانتقال من “شهادة الأفواه” إلى “شهادة الأشياء”وذلك عبر الاستبدال بـ “البصمة الوراثية والبيومترية الفورية”؛ فبدلا من اعتبار “الدماء على الثياب” أو “حيازة أدوات وأسلحة” دليلا كافيا للتلبس ،يجب الاعتماد على التحليل الجيني السريع (Rapid DNA) الذي يحقق يقينا يقترب من المطلق في تحديد الهوية؛ ذلك أن الشخص قد يحمل أدوات الجريمة بدافع إسعاف الضحية أو قد يكون ضحية “فخ” محكم.
وترتيبا عليه، لا يعتبر الشخص في حالة تلبس إلا إذا طابقت الآثار المادية الموجودة عليه هوية الضحية عبر فحص تقني فوري ، أو وجود بصماته في “نقطة التماس” الجرمية بشكل لا يقبل التأويل العلمي.
علاوة على ذلك، يجب تعويض “صياح الجمهور الذي يعتبر “شاهدا غير واع” قد يخطئ” بـ “الدليل الرقمي” كشاهد محايد عبر سجلات المراقبة الذكية (CCTV) أو بيانات التموقع الجغرافي GPS)). ونقترح ايضا تفعيل “مبدأ لوكارد” (Locard’s Exchange Principle) لضمان وجود “تبادل مادي” حقيقي؛ فلا يكفي وجود السكين بيد المعني بالتحري، بل يجب إثبات انتقال جزيئات مادية من الضحية إلى السلاح ومنه إليه عبر خبرة تقنية فورية.
وختاما، إن الانتقال من “هاجس التلبس” إلى “ضمانات البراءة” يمر حتما عبر بوابة اليقين العلمي ورؤية السياسة الجنائية المعاصرة. وبذلك، فإن ترشيد الاشتباه وتحديث حالات التلبس ليس مجرد ترف فقهي، بل هو ضرورة حتمية لأنسنة العدالة الجنائية. ونحن نتطلع من خلال هذه المقترحات أن يكون المغرب سباقا وأول من يتبنى هذا التحديث المعاصر في منظومته الجنائية، ليقدم نموذجا إقليميا ودوليا في التوفيق بين فعالية التحري وصيانة كرامة الإنسان، انسجاما مع التزاماته الدستورية والدولية.
ومن أجل ذلك، نوصي بما يلي:
- تحديث المادة 56: جعل “الدليل العلمي والرقمي” هو الأساس لتوصيف حالة التلبس. الانتقال من “شهادة الأفواه” (صياح الجمهور) إلى “شهادة الأدلة المادية ” (اليقين المختبري). وبذلك،لا يمكن اعتبار الشخص في حالة تلبس إلا إذا طابقت الآثار المادية هويته عبر فحص تقني فوري (DNA) أو وجود بصماته في “نقطة التماس” بشكل لا يقبل التأويل. وكذا استخدام سجلات المراقبة الذكية (CCTV) كشاهد محايد عوضا عن صياح الجمهور.
- تفعيل مبدأ لوكارد: إثبات التبادل المادي الحقيقي بين الضحية والجاني عبر خبرة تقنية فورية، عوض الاكتفاء بالاستنتاج البصري المجرد الذي قد يخطئ.
- أنسنة المصطلحات: ضرورة استبدال مصطلح “المشتبه به” الذي تحول لوصمة اجتماعية، بمصطلحات أكثر حيادا وأنسنة مثل “المعني بالتحري” أو “الخاضع للمساءلة”.
- تفعيل البدائل التقنية والقضائية: استثمار مستجدات القانون 03.23 عبر إقرار “السوار الإلكتروني”، والدعوة إلى تعويض الحراسة النظرية في حالات التلبس “المشكوكة” بـ “تدبير وقائي تقني” استعجالي؛ عبر وضع الشخص تحت “المراقبة القضائية الاستعجالية” (كسحب جواز السفر وإلزامية التوقيع اليومي لدى مصالح الأمن)، ضمانا لحضور المعني بالتحري وتجنبا للآثار النفسية والاجتماعية للاعتقال في غياب اليقين العلمي.
- الحماية الرقمية: منع نشر صور الأشخاص في مرحلة التحري وتفعيل “الحق في النسيان الرقمي” صيانةً لسمعة المواطنين.
- التسجيل الإلزامي: تعميم “التسجيل السمعي البصري” لعمليات التدخل في حالات التلبس لضمان الشفافية وحماية حقوق الأفراد.
- إرساء قاعدة “التوقيف المشروط بنتيجة المختبر”؛ بحيث لا يتم تمديد الإجراءات القسرية إلا بناء على تقرير تقني أولي إيجابي (DNA، خبرة رقمية…) و يطلق سراح المعني فورا إذا كان التقرير التقني الأول سلبيا.
باحثة بكلية الحقوق مكناس-
ظهرت المقالة العدالة الجنائية بين هاجس “التلبس” وضمانات البراءة: نحو ترشيد “الإشتباه” و تحديث “حالات التلبس” على ضوء اليقين العلمي أولاً على مدار21.




