... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
142782 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 3711 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 3 ثواني

العدالة الانتقالية في سوريا ومعارك الوعي السوري

العالم
عنب بلدي
2026/04/10 - 08:34 501 مشاهدة

سلام اسكيف

لم يكن الخبر عابرًا منح ” اللجوء الإنساني” ثم ما يتم تداوله عن “الجنسية الروسية” لبشار الأسد ومن معه ولم يكن تفصيلًا يمكن تمريره لا بسبب مضمونه فقط، بل بسبب ما يكشفه. لأن لحظة منح  الحماية، أو الجنسية أو حتى إعادة التوصيف، ليست لحظة قانونية، بل لحظة يُعاد فيها ترتيب العلاقة بين الجريمة والعالم.

وحين يُنقل من ارتبط اسمه، في وعي وتجربة ملايين السوريين، بأقصى أشكال العنف من موقع يُفترض أن يكون فيه موضع مساءلة نوعية إلى موقع يتمتع فيه بحماية رسمية، فإن المسألة لا تعود مرتبطة بالإجراء، بل بالمعنى الذي يحمله هذا الإجراء.

في تلك اللحظة، لا يعود السؤال سياسيًا فقط، بل يصبح أعمق من ذلك بكثير: كيف يمكن فهم ما يحدث؟ كيف يمكن لإنسان عاش تجربة فقد، واعتقال، وتعذيب، وموت، وتدمير، أن يعيد ترتيب صورته عن العالم وهو يرى أن العلاقة التي يفترض أن تربط بين الفعل ونتيجته قد انكسرت بهذه الطريقة؟ هذا الانكسار لا يظهر مباشرة، ولا يترجم نفسه دائمًا إلى موقف واضح أو رد فعل صاخب، لكنه يتراكم بصمت، ويبدأ بإعادة تشكيل الداخل.

العدالة، في جوهرها، ليست فقط مؤسسات أو قوانين، بل هي ذلك الإحساس الضمني بأن هناك توازنًا ما، حتى لو لم يكن كاملًا. وعندما يُكسر هذا التوازن بشكل علني، لا يتضرر النظام القانوني فقط، بل يتضرر الإحساس العام بالمعنى. لأن ما يُفهم من ذلك ليس فقط أن العدالة غائبة، بل أن غيابها يمكن أن يُعاد تعريفه كأمر طبيعي، أو حتى مقبول.

ومن هنا، يبدأ التعقيد الحقيقي. لأن ما يبدو كقرار سياسي أو قانوني، يحمل في داخله أثرًا نفسيًا وأخلاقيًا عميقًا. يتحول فيه الأمر من مسألة تتعلق بمن يُحاسب ومن لا يُحاسب، إلى مسألة تتعلق بقدرة الإنسان على الاستمرار في الإيمان بأن المحاسبة ممكنة أصلًا. هذا التحول لا يحدث دفعة واحدة، بل يتشكل تدريجيًا، عبر تراكمات صغيرة، عبر أخبار تبدو منفصلة، لكنها في مجموعها تعيد تشكيل الصورة الكبرى.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن “الواقعية السياسية” أكثر التباسًا. لأن الواقعية، كما تُطرح غالبًا، تقوم على التعامل مع ما هو قائم، مع موازين القوى، مع الإمكانيات المتاحة. لكن المشكلة تبدأ حين يتم اختزال الواقع إلى هذه العناصر فقط، وتجاهل ما سواها. لأن الواقع، في الحالة السورية، لا يتكون فقط من توازنات سياسية أو عسكرية، بل من تجارب معيشة، من ذاكرة مفتوحة، من شعور مستمر بعدم الاكتمال.

سوريا اليوم ليست واقعًا واحدًا يمكن الإمساك به بسهولة، بل طبقات متعددة من الوقائع، متداخلة، ومتباينة. هناك من بقي، وهناك من غادر، هناك من فقد، وهناك من يحاول فقط أن يستمر. وكل واحدة من هذه الحالات تحمل تصورًا مختلفًا لما حدث، ولما يمكن أن يحدث. تجاهل هذا التعدد لا يؤدي إلى تبسيط الواقع، بل إلى تشويهه.

وهنا، تظهر معركة أخرى، أقل وضوحًا لكنها أكثر عمقًا، معركة الوعي. ليس الوعي السياسي بالمعنى الضيق، بل الوعي بالمعنى الأوسع، الذي يتعلق بكيفية فهم ما حدث، وكيفية وضعه ضمن إطار يمكن احتماله. لأن ما لا يُفهم، لا يختفي، بل يبقى كتوتر، كشيء غير محسوم، يعود للظهور في أشكال مختلفة.

في هذا الإطار، لا يبدو التطرف حالة مفاجئة أو منفصلة، بل أحد المخرجات الممكنة لهذا التوتر. حين يشعر الإنسان أن العدالة غائبة، أو أن معناها قد تم تفريغه، يبدأ بالبحث عن بدائل. أحيانًا تكون هذه البدائل في اتجاه الانتقام، وأحيانًا في اتجاه الانسحاب الكامل، وأحيانًا في أشكال أكثر تعقيدًا تجمع بين الاثنين. في كل الأحوال، نحن أمام محاولات لإعادة التوازن، حتى وإن كانت هذه المحاولات تحمل في داخلها اختلالًا جديدًا.

وهذا ما يجعل التعامل مع المسألة من زاوية أمنية فقط، أو من خلال أدوات سياسية تقليدية غير كافٍ ،لأن ما يحدث أعمق من أن يُختزل في سلوك يمكن ضبطه، أو في موقف يمكن تغييره. نحن أمام بنية كاملة من المعاني، تتعرض لإعادة تشكيل مستمرة، في ظل غياب إطار واضح يمكن أن يستوعبها.

في هذا السياق، تصبح العدالة الانتقالية فكرة معلقة بين مستويين: مستوى نظري يبدو متماسكًا، ومستوى واقعي يفتقر إلى الشروط التي تجعله قابلًا للتحقق. لأن الانتقال، في جوهره، يفترض وجود اعتراف، ومساءلة، وإعادة بناء للثقة. لكن كيف يمكن الحديث عن إعادة بناء، في ظل استمرار الأسباب التي أدت إلى الانهيار؟ وكيف يمكن الحديث عن ثقة، في بيئة يُعاد فيها إنتاج الرسائل التي تقوضها؟

هذا التناقض لا يؤدي فقط إلى تعطيل المسار، بل إلى تعقيده أكثر. لأن كل محاولة للتقدم دون معالجة هذه الأسئلة، تضيف طبقة جديدة من الالتباس. ومع الوقت، لا يصبح السؤال فقط عن كيفية تحقيق العدالة، بل عن إمكانية تصورها أصلًا.

وهنا، تتداخل كل المستويات من النفسي، والأخلاقي، والاجتماعي، والسياسي. ليس بشكل منفصل، بل كشبكة واحدة، يؤثر كل عنصر فيها على الآخر. أي خلل في أحدها، ينعكس على البقية. وأي محاولة لمعالجة جانب واحد بمعزل عن الآخر، تبقى محدودة الأثر.

في النهاية، ما يواجهه السوريون اليوم ليس فقط واقعًا سياسيًا معقدًا، بل تحديًا يتعلق بالمعنى نفسه. كيف يمكن الحفاظ على فكرة العدالة، في عالم يبدو وكأنه يعيد تعريفها؟ كيف يمكن الاستمرار في الإيمان بإمكانية المحاسب، في ظل واقع يشير إلى العكس؟ هذه الأسئلة لا تملك إجابات جاهزة، لكنها تظل حاضرة، لأنها ترتبط بشيء أساسي وهو القدرة على الاستمرار.

قد تنجح السياسات في فرض مسارات معينة، وقد تتمكن من خلق أشكال من الاستقرار الظاهري، لكنها لا تستطيع أن تتحكم بكيفية فهم الناس لما يحدث. وهذا الفهم، بكل ما يحمله من تعقيد، هو ما سيحدد في النهاية شكل المستقبل. لأن ما لم يُفهم، وما لم يُواجه، لا ينتهي، بل يستمر، بأشكال مختلفة، في إعادة إنتاج نفسه.

وفي هذا المعنى، لا تكون العدالة فقط مسارًا قانونيًا يُفترض أن يبدأ في لحظة ما، بل تصبح عملية مستمرة، مرتبطة بالوعي، وبالقدرة على مواجهة ما حدث دون إنكاره أو تبسيطه. وهذه، ربما، هي المعركة الأكثر صعوبة لأنها لا تُخاض في الخارج فقط، بل في الداخل أيضًا!

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤