وعلى الصعيد الدولي، فإن ازدياد عزلة إيران من شأنه أن يعزز الموقعين العالمي والإقليمي لكل من الصين وروسيا، لأنهما من القلة القليلة التي ما زالت طهران تنظر إليها على أنها وسيط موثوق. وفي الوقت نفسه، ستتلقى آمال بكين وموسكو في أن تتحول مجموعة "بريكس" الموسعة إلى كتلة عالمية منافسة للغرب ضربة من جراء التوترات بين عضوين جديدين فيها، هما إيران والإمارات العربية المتحدة.
انعدام اليقين في الخليج
إذا نجا النظام الإيراني، فستجد دول الضفة الأخرى من المضيق نفسها أمام أسئلة صعبة. فكل واحدة منها سترغب في ترميم صورتها كواحة للاستقرار ووجهة آمنة للاستثمار الأجنبي، غير أن بلوغ ذلك قد يغدو عسيرا في ظل وجود حكومة معادية في طهران. وقد يصبح الاتجاه إلى مزيد من التحصين الأمني أمرا لا مفر منه، لكن هذا المسار قد يصطدم بمحاولات إعادة بناء بيئة جاذبة للأعمال. فالاستثمارات الأجنبية في قطاعات مثل الطيران والتمويل والسياحة، التي كانت تتجه في السابق إلى دبي وأبوظبي والدوحة، قد تفضل مستقبلا ملاذا أكثر أمنا نسبيا في إسطنبول والرياض وجدة.

وقد تجد دول الخليج نفسها أيضا مضطرة إلى إعادة النظر في منظومتها الدفاعية. فهل ينبغي مراجعة مدى القرب من الولايات المتحدة، بعدما كان ترمب هو من دفع نحو هذه الحرب؟ أم إن الأرجح هو المضي أبعد في هذا التحالف، بعدما أثبتت القوات الأميركية ومعداتها الدفاعية أهمية حاسمة في اعتراض معظم الهجمات الإيرانية؟ وإذا كان الاتجاه الأول مطروحا، فهل يمكن الاستعانة بشركاء أكثر موثوقية، مثل الصين أو بريطانيا أو فرنسا، إلى جانب واشنطن لا بديلا عنها، اتقاءً لاندفاعات متهورة قد تصدر عن ترمب في المستقبل؟ وبالمثل، كيف ستنعكس الحرب على علاقات دول الخليج بعضها ببعض؟ هل يمكن أن تدفعها، عوض الاتكال على رعاة خارجيين، إلى السعي نحو صيغة أمن جماعي أكثر تماسكا، أي ذلك "الناتو الخليجي" الذي كثر الحديث عنه؟ أم إن التباينات ستغلب في نهاية المطاف، فتمضي كل دولة في طريقها الخاص؟ ومن المرجح جدا أن يبدو الخليج بعد الحرب أكثر وحدة أو أشد انقساما، وأكثر التصاقا بالولايات المتحدة أو أكثر تنوعا في تحالفاته الدولية. غير أن ما يكاد يكون مؤكدا أنه لن يبقى على الهيئة التي كان عليها قبل عام 2026.
ارتدادات جيو-اقتصادية
اقتصاديا، وإذا كان إيفانز بريتشارد يرى في هذه الحرب "لحظة السويس" الخاصة بترمب، فإن المقارنة الأجدر على المدى البعيد قد تكون صدمة النفط عام 1973. غير أن الاقتصادات الغربية في ذلك العام تلقت ضربة مباشرة من صدمة الإمدادات التي أحدثها الحظر النفطي الذي فرضته "أوبك"، فدخل معظمها في حالات ركود زعزعت استقرارها لسنوات. وقد أسهم ذلك في تباطؤ النمو على نحو مهد لصعود النيوليبرالية في ثمانينات القرن الماضي. وعلى المستوى الدولي، عزز هذا المسار إصرار واشنطن على ضمان تدفق النفط من الخليج، الأمر الذي قاد إلى تعمق الانخراط الأميركي في المنطقة، وصولا إلى حربي 1991 و2003.











