🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
421281 مقال 251 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 2149 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

عثمان العمير: الرجل الذي جعل الصحافة تمشي أسرع من الزمن

معرفة وثقافة
إيلاف
2026/05/27 - 23:15 502 مشاهدة
في الصحافة العربية أسماءٌ مرّت مثل أخبار عابرة، وأسماء أخرى تحولت إلى علامات فارقة في ذاكرة المهنة. غير أن عثمان العمير بدا شيئًا مختلفًا؛ لم يكن مجرد رئيس تحرير ناجح، ولا صحفيًا يطارد العناوين الساخنة، بل مشروعًا كاملًا لتحويل الصحافة العربية من أوراقٍ تتثاءب فوق الطاولات إلى كائن حيّ يركض مع العالم ولا يخشى سرعته. وُلد عثمان بن موسى العمير في الخامس والعشرين من آب (أغسطس) عام 1950، في مدينة الزلفي النجدية، تلك المدينة التي كانت تشبه الصحراء في صرامتها، وتشبه القصائد القديمة في نقائها. جاء من بيتٍ محافظ، يتجاور فيه الدين مع المعرفة؛ فوالده الشيخ موسى بن عمير العمير كان رجل دين له حضوره واحترامه، أما والدته نورة بنت سليمان الذيب، فكانت امرأة سبقت زمنها، تمارس التعليم والقضاء في مجتمعٍ لم يكن يمنح النساء بسهولة حق الاقتراب من تلك المساحات. ومنذ طفولته المبكرة، بدا كأنه يعيش بين عالمين: عالم النجدي المحافظ الذي يزن الكلمات بميزان التقاليد، وعالم آخر مفتوح على الأسئلة والدهشة والتمرد الخفي. في عام 1961 انتقلت العائلة إلى المدينة المنورة، حيث شارك والده في تأسيس الجامعة الإسلامية هناك. وكانت المدينة بالنسبة إلى الصبي القادم من الزلفي أشبه ببوابة واسعة على العالم؛ مدينة تختلط فيها الجنسيات والثقافات واللهجات، فتتسع معها عيناه على معنى أبعد للحياة. لكن الصحافة لم تكن قد أعلنت حضورها الكامل داخله بعد. وحين بلغ السادسة عشرة، انتقل إلى الرياض، وهناك بدأت الحكاية الحقيقية. كانت العاصمة السعودية تتشكل على إيقاع التحولات الكبرى، بينما كان الفتى النحيل يركض خلف المباريات والأخبار الرياضية، مراسلًا صغيرًا في صحف مثل المدينة والندوة والرياض واليمامة. لم يكن يعرف يومها أن خطواته الأولى بين الملاعب وصفحات الرياضة ستقوده لاحقًا إلى موائد الملوك والرؤساء. درس في المعهد العلمي بالرياض، ثم التحق بجامعة الإمام محمد بن سعود، غير أن الجامعة الحقيقية التي صاغت شخصيته كانت الصحافة نفسها؛ تلك المدرسة القاسية التي لا تعترف إلا بالموهبة والجرأة والقدرة على اقتناص اللحظة. في أوائل السبعينيات دخل صحيفة الجزيرة، وهناك لمع اسمه سريعًا. تولى رئاسة القسم الرياضي ثم سكرتارية التحرير، لكن روحه لم تكن تقبل البقاء داخل الحدود الضيقة. كان يشعر أن العالم أكبر من غرفة أخبار محلية، وأن الصحافة ليست وظيفة، بل مغامرة مفتوحة على المجهول. ولهذا شدّ الرحال إلى لندن عام 1975 لدراسة اللغة الإنكليزية، لكنه في الحقيقة ذهب ليتعلم العالم نفسه. في لندن اكتشف الوجه الآخر للصحافة؛ صحافة السرعة، والمعلومة، والسبق، والمؤسسات الكبرى التي تصنع الرأي العام العالمي. ومن هناك عمل مراسلًا لصحيفة الجزيرة حتى عام 1983، ليبدأ تدريجيًا في تشكيل صورته كصحفي عربي بعقلية دولية. كان يدرك أن الصحافة العربية تعاني من الكسل، وأن كثيرًا من صحفها تُدار بعقلية الموظف لا بعقلية المغامر. ولهذا حين تولى رئاسة تحرير مجلة المجلة عام 1984، ثم رئاسة تحرير الشرق الأوسط عام 1987، تعامل مع الصحيفة كما يتعامل قائد أوركسترا مع سيمفونية ضخمة؛ كل تفصيل يجب أن يتحرك بإيقاع دقيق. وخلال عقد كامل على رأس الشرق الأوسط، لم يكن مجرد رئيس تحرير، بل صانع نفوذ إعلامي عربي واسع. التقى ملوكًا ورؤساء وقادة دول، وحاور شخصيات صنعت السياسة في الشرق الأوسط والعالم. اقترب من الملك فهد بن عبد العزيز، والملك الحسن الثاني، ومن شخصيات دولية نافذة، حتى بدا كأنه يتحرك بين السياسة والصحافة بخفة لاعب سيرك محترف لا يخشى السقوط. وكان شعاره الشهير: "الجريدة الناجحة لا تتثاءب". ولم تكن العبارة مجرد جملة دعائية، بل فلسفة كاملة في فهم الإعلام؛ فالصحيفة التي تتأخر تموت، والإعلام الذي يخاف المستقبل يتحول إلى أرشيف قديم. ولأن العمير كان يرى أبعد من زمنه، التفت مبكرًا إلى الثورة الرقمية القادمة. ففي وقت كان كثير من الصحفيين العرب ينظرون إلى الإنترنت بوصفه لعبة عابرة، قرر هو أن يقامر بالمستقبل. وفي 21 أيار (مايو) 2001 أطلق صحيفة إيلاف الإلكترونية من لندن، لتصبح واحدة من أوائل وأشهر الصحف العربية الرقمية. كان يدرك أن الشاشة ستنتصر على الورق يومًا، وأن الصحفي الذي لا يتكيف مع العصر سيصبح مجرد ذكرى. لهذا لُقّب بـ: "قيصر الصحافة العربية الإلكترونية"، و"عرّاب الصحافة السعودية"، و"هيكل السعودية". لكن العمير لم يكن مجرد إداري ناجح أو ناشر ذكي؛ فقد امتلك حاسة صحفية نادرة جعلته يقرأ تحولات العالم قبل وقوعها. كان يميل إلى كسر المحرمات المهنية، ويؤمن أن الصحافة الحقيقية لا تُدار بالخوف. وحين تناولت إيلاف قضايا لم تجرؤ صحف عربية أخرى على الاقتراب منها، بدا واضحًا أن الرجل لا يحب السير داخل القطيع. ثم اتجه إلى المغرب، حيث اشترى مجموعة ماروك سوار، أكبر دار نشر صحفية هناك، وأعاد إطلاق ماروك سوار كأول صحيفة مسائية مغربية، إلى جانب لوماتان والصحراء المغربية والصحيفة الإلكترونية موروكو تايمز. لقد كان يتحرك كما يتحرك لاعب شطرنج يعرف أن المعركة المقبلة ستكون معركة إعلام عابر للحدود. وفي عام 2006 اختير "شخصية العام العالمية" من قبل جائزة الصحافة العربية التابعة لنادي دبي للصحافة، تكريمًا لمسيرته الطويلة وتأثيره العميق في الإعلام العربي. وبالرغم من كل هذا النفوذ والنجاح، ظل يحتفظ بشيء من روح الصحفي الأول؛ ذلك الفتى الذي كان يركض خلف الخبر بشغف، وطفل يطارد طائرة ورقية. لم يتزوج، وفضّل أن تبقى حياته الخاصة بعيدة عن الأضواء، وكأنه أراد أن يمنح كل وقته لعلاقته الوحيدة الكبرى: الصحافة. في شخصيته لا يمكن قراءة الصحافة بوصفها مهنة فحسب، بل بوصفها مزاجًا وجوديًا يتقاطع فيه الحدس مع الجرأة، والرهان على المستقبل مع كسر القوالب الجاهزة. فقد اشتغل على الصحافة كما يشتغل الكاتب على نصٍّ مفتوح لا يعرف الاكتمال، يقتحم الأخبار من زوايا غير مألوفة، ويعيد ترتيب الوقائع بما يمنحها حياة ثانية أكثر اتساعًا من لحظة حدوثها. كان يؤمن أن الخبر ليس مجرد نقلٍ للحدث، بل إعادة خلقٍ له داخل وعي القارئ، ولذلك ظل يبحث عن المعنى خلف العنوان، وعن الإنسان خلف السياسة، وعن المفارقة خلف المألوف. لم يكن الصحفي عنده موظفًا في غرفة أخبار، بل شاهدًا على عصرٍ يتغير بسرعة تفوق قدرة اللغة على اللحاق به. ولهذا اتسم أسلوبه بنزعة تحررية من القيود التحريرية التقليدية، وبشغف واضح تجاه التجريب الإعلامي، حتى بدا في كثير من مشاريعه كأنه يختبر حدود الصحافة ذاتها: أين تنتهي المعلومة، وأين يبدأ التأويل، وأين تتحول الجريدة إلى فضاء فكري مفتوح. هذه الروح هي التي جعلته قريبًا من مشاريع إعلامية كبرى، ودفعت به إلى تأسيس منصات تجاوزت الجغرافيا، لتضع القارئ العربي في قلب المشهد العالمي دون وسيط أو تبسيط مخل. وهكذا تبدو تجربته الصحفية امتدادًا لشخصية لا تقبل أن تُختصر في لقب، ولا أن تُحاصر في مؤسسة، بل تظل في حركة دائمة بين الفكرة والحدث، بين الورق والفضاء الرقمي، وبين المحلي والعابر للقارات. وعندما تتأمل رحلته الطويلة، تدرك أن عثمان العمير لم يكن مجرد صحفي سعودي ناجح، بل واحدًا من أولئك الذين نقلوا الصحافة العربية من زمن المكاتب المغلقة إلى زمن العالم المفتوح. لقد عاش بين لندن والرياض ومراكش، وجالس الملوك والرؤساء، وأسّس صحفًا ومؤسسات، لكنه ظل في جوهره ذلك النجدي الذي آمن أن الكلمة يمكن أن تصبح سلطة، وأن الصحافة ليست مهنة من ورق، بل مغامرة بحجم العالم.
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free