عبد الوهاب البياتي.. مئة عام من الحداثة
زين حسين
يوافق عام ٢٠٢٦ مئة عام على ولادة أحد أضلاع الحداثة في الشعر العربي الحديث، حيث ولد الشاعر عبد الوهاب البياتي في عام ١٩٢٦ بالقرب من مرقد أحد كبار المتصوفة في بغداد الشيخ عبد القادر الجيلاني، ودفن بالقرب من أحد كبار المتصوفة أيضًا محي الدين بن عربي في جبل قاسيون في الثالث من آب 1999 عن عمر 73 عاما، رقد بجوار شيخه محيي الدين بن عربي من دون ضجيج وهو (شاغل الدنيا)، ولأنه ينام (ملء جفونه عن شواردها) بدأ ضحاياه بالتطاول على تجربة متعددة المرجعيات، ولم تكن رحلته الصوفية التي ابتدأت من الجيلاني إلى بن عربي سوى مقياس لزمن الشعر الحداثي. مئة عام كفيلة أن يُبعث مجددًا من بغداد إذ صدرت أعماله الشعرية الكاملة بثلاثة أجزاء، عُني بضبطها الشاعر محمد مظلوم.
كل الذين عاشروا الشاعر عبد الوهاب البياتي تعلموا منه، من دون أن يعلِّمهم، سلوكا وثقافة وحضور، ومعروف عن البياتي بكاريزمته العالية المؤثرة، ربما هذا السبب الذي دعا الكثير من المثقفين والشعراء لمهاجمته بعد وفاته لأنهم كانوا مطرودين من فردوس البياتي يوما ما، وواحدة من التهم التي وجهت للبياتي بأنه نرجسي ومتعال، والمطلع على سيرة البياتي يرى أن أقرب أصدقاء البياتي من الشباب (شعراء جيل الثمانينيات العراقيين حينها): محمد مظلوم، محمد تركي النصار، نصيف الناصري، علي الشلاه، علي عبد الأمير عجام، هادي الحسيني، وقد ساهم البياتي بتقديمهم وطباعة دواوين بعضهم الشعرية، والتهمة الثانية التي وجهت إليه أن البياتي لا يقرأ، فكتب الناقد شجاع العاني في سيرته التي أعدها الروائي خضير فليح الزيدي بأن الشاعر البياتي لا يقرأ، قد تصح رواية شجاع العاني، لكن من يقرأ شعر البياتي بدقة سيجد تعدد مرجعياته الثقافية بين التصوف والتاريخ والأسطورة، والشعر المترجم، والسؤال هو كيف تشكلت تلك المرجعيات؟
تمثل القراءة المنبع الأول لتشكل المرجعيات، ولا يخفى على أي قارئ لشعر البياتي من ملاحظة تعدد قراءات البياتي لأدباء اليسار حول العالم التي تكشف عن أيديولوجيته، فيذكر في سيرته (ينابيع الشمس) عن تفتح أبواب ثقافات عديدة أمامه، وكيف تلقى الأعمال الثورية.... فقد عرف غوركي وأسلافه من الكتاب الروس الكلاسيكيين (تولستوي، تشيخوف، ديستويفسكي)، كما عرف عددا من أدباء الغرب، ويذكر كيف ألهبت مشاعره في ذلك الوقت كتابات (أودن) وأشعاره بغنائيتها الواقعية التي سبقت (إليوت) إليهم، وعرف (بيرون) و (شيلي)، و (کیتس) و (بودلير) و (رامبو) و (فكتور هيجو)، وهكذا يظهر أنواعا متعددة من الإبداع الفني، وتخطيه مرحلة التأثر بالأعمال الأدبية الرومانسية، فهو يشير إلى طبقات القراءة والتلقي التي ساهمت بعبور المرحلة الأولى التي اتسمت بالرومانسية والمتمثلة بمجموعته الأولى (ملائكة وشياطين) ليدخل إلى مرحلة جديدة، المرحلة الاشتراكية، مرحلة التمرد والثورة والخروج عن النسق، ليجد ضالته في التجارب النضالية العالمية مثل: لوركا، بابلو نيرودا، جيفارا، ناظم حكمت، فنجد أن النضال ورموزه يشكل مرجعية ثقافية عند البياتي، ليس في التراث الغربي فحسب، بل حتى التراث العربي، فوجد في طرفة بن العبد، وأبي نواس، والمعري، والمتنبي، والشريف الرضي، نوعا من التمرد على القيم السائدة. فالتمرد هو المعيار للتفضيل بين شاعر وآخر عند البياتي، فروحه الثائرة التواقة تفسر سر انجذابه إلى نماذج تشبهه، وهذا يوضح سر تمرده على الشكل العمودي الكلاسيكي.
في ديوان (عشرون قصيدة من برلين١٩٥٩) كتب قصيدة (ميدان ماركس- أنجلز) مؤرخة بتاريخ (١٨-٥-١٩٥٩ بغداد) يقول فيها:
"في أول أيار
صَوْتُ لِنِينَ الْأَخْضَرِ الْعَمِيقِ لَا يَزَالُ
يَهْدِرُ فِي الْعَالَمِ
وَالرَّايَاتُ فِي الْجِبَالُ
تَسُدُّ دَرْبَ الشَّمْسِ
وَالْآلَاتُ
وَالْأَنْوَالُ
. أَسْمَعُهَا تَنْبِضُ فِي قُلُوبِكُمْ
يَا إِخْوَتِي الْعُمَّالُ
أَلْمحِ وَجْهَ الْعَالَمِ الْجَدِيدِ فِي عُيُونُكُمْ
فِي أَعْيُنِ الْأَطْفَالْ
فِي عَبَرَاتِ أُمَّ (فَاتَزاروف)
فِي قَصَائِدِ (بريشت)
وَفِي أَقْوَالْ
لِنِينَ وَهْيَ تُلْهِمُ الأَجْيَالُ
وَتَصْنَعُ الرِّجَالُ
الْمُحُهَا فِي وَطَنِي تُزَلْزِلُ الْجِبَالُ
يَا إِخْوَتِي الْعُمَالُ."
يستدعي الشاعر في قصيدته تاريخ وشخوص مثل ماركس، وأنجلز، والأول من آيار، ولينين، وبريشت، وهذه كلها دوال تكشف عن مرجعية الشاعر الفكرية، وفي ديوان (كلمات لا تموت١٩٦٠) كتب قصائد: (إلى ت. إليوت، المسيح الذي أعيد صلبه، إلى مغسيم غوركي، أبو زيد السروجي، إلى فلاديمير ماياكوفسكي) وفي ديوان (النار والكلمات ١٩٦٤) كتب: (إلى أرنست همنغواي، هاملت، إلى جواد سليم، إلى لويس أراغون، إلى البير كامو، إلى بابلو بيكاسو، مرثية إلى ناظم حكمت، مرثية أخرى إلى ناظم حكمت) انفتح الشاعر عبد الوهاب البياتي على ثقافات العالم، إذ صار قابلاً لاستيعاب التجارب الإنسانية واستقاء مادته من عدة مصادر، وهذا الانفتاح على ثقافات العالم أدى إلى اتساع رؤية الشاعر، نتيجة لاتساع ثقافته، وهذا الانفتاح يقتضي ثقافة واسعة ومتنوعة، ثقافة مفتوحة على كل لغة ولكل تراث، فحين يذكر الشعراء: (إليوت، غوركي، ماياكوفسكي، همنغواي، أراغون، البير كامو، ناظم حكمت)، والرسامين (جواد سليم وبيكاسو)، وشخصية دينية (المسيح)، وبطل حكاية مثل (أبو زيد السروجي، وهاملت)، يفهم أن مرجعية البياتي الثقافية متعددة، فهو لا يختص في الشعر فقط، بل الرسم والفكر، وهو لا يحصر نفسه في تضمين أو إشارة إلى الشعراء الأجانب، بل يوغل في التراث الأدبي الأجنبي، والشاعر يوضح السبب في ميله إلى شعراء الحداثة الغربيين، وعدم حضور الشعر العربي القديم بمضامينه ورموزه وشعرائه، فهو يرى إن إنتاج بعض شعراء إسبانيا في إحدى المراحل هو أقرب إليه من أي شعر آخر، لأنه لا يشعر بالانتماء إلى هذه الأمة أو تلك، وإنما ينتمي إلى جميع الأمم... فالأدب اليوناني العظيم، والأدب الإيطالي، والأدب الأسباني، هذه الآداب كلها جزءا من التراث الذي ينهل منه (ينظر: عبد الوهاب البياتي، القيثارة والذاكرة) ومن هنا يتبين موقف البياتي من التراث العربي وميله إلى آداب أكثر حداثة، وتوظيفه لشعراء ورموز وزجهم في شعره نابع من فهم خاص لزمنه وليس قصور في فهمه، كما روج له مدني صالح مثلما كتب عنه في كتابه (هذا هو البياتي): لجوءه لأسماء: (بسترناك).. (اراغون).. (غارسيا لوركا) (جيفارا).. (نيرودا): حشرها البياتي زجاً غير مبرر. فهذا الاستدعاء الايديولجي الذي أعابه مدني صالح يكشف عن مرجعية الشاعر الفكرية الذي يتجاوز الحدود القومية، إلى الأممية، وهو ليس حضور اعتباطي كما بينه البياتي الذي برر ميوله نحو شعراء إسبانيا وأمريكا اللاتينية.
تعرف الشاعر عبد الوهاب البياتي على الشاعر الإسباني غارثيا لوركا مبكرًا، ولم يكتف البياتي بقراءة لوركا فقد ترجم له سبع قصائد قصيرة، ونشرها من دون تقديم أو تعليق في كتاب له صدر في بيروت عنوانه «رسالة إلى ناظم حكمت وقصائد أخرى»، والقصائد هي بحسب الترجمة: اعتقال أنتونيو ألكومبوريو، ومصرع أنتونيو ألكومبوريو، وخطبة، ولحن صغير لرغبة أولى، وأين تمضي أيها اليم؟، وأسيرة، وأربع أغان صفراء. ومن هنا نستشف أن لوركا يشكل مرجعية ثقافية للبياتي ولم يكن حشره في القصائد والدواوين غير مبرر كما ادعى مدني صالح، وفي قصيدة (الوريث) تتكشف تلك المرجعية، فيقول:
" يَجْفُ فِي عُيُونِ بُوذَا النُّورْ
تنقطع الجذور
وَآخِرُ السلالة
حَفِيدُ هُوَ مِيرُوسَ فِي مَدْرِيدْ
يُعْدَمُ رَمْيَا بِالرَّصَاصِ، إِرَمُ الْعِبَادْ
تَعْرَقُ فِي ذَاكِرَةِ الْأَحْفَادْ
مَاتَ الْمُغَنِّي، مَاتتِ الْغَابَاتُ
وَشَهْرَيَارُ مَات
وَرَيْتُ هَذَا الْعَالَمِ الْمُدْفونِ فِي أَعْمَاقِنَا يَمُوتُ
الْمُعْدِنُ الخَسِيسُ وَالْيَاقُوتُ
سَفِينَةٌ تَغْرَقُ فِي عَاصِفَةٍ، تَابُوتْ
يَضُمُّ عَظْمَيْنِ وَعَنكَبُوتُ
بودا وأورفيوس
المدن الْغَالِبةُ المغلوبة
بَابِلُ، رُوْمًا، نيَنوَى وَطَيِّبَةً
الله وَالشَّيْطَان
وَرَيْثُ هَذَا الْعَالَمِ الْإِنْسَانُ"
والملاحظ في هذا النص رمزية لوركا تتمظهر بوضوح، ولم يكن ظهوره عابرًا واعتباطيًا، فيستدعيه البياتي كرمز عندما يتحدث عن نضال الإنسان، والدعوة إلى انتصار الحياة، وهو لم يصرح بحضور لوركا بالأسم، لكن هناك دلائل تحيلنا إلى تمثله مثل ذكر مدريد، فيحكي البياتي قصة الوريث (حفيد هوميروس في مدريد) وريث الحضارة الأغريقية في إسبانيا، يعدم رميًا في الرصاص، وفي النص تتمظهر رموز ثقافية تتوزع بين الشرق (بوذا) والغرب (هوميروس، وأورفيوس) فالثنائيات الضدية التي تحكم النص: (بوذا وأورفيوس، المعدن الخسيس والياقوت، الله والشيطان) أضافت بعدًا دراميا إلى القصيدة.
يتبيّن أن الشعر الإسباني واللاتيني لم يكن في تجربة عبد الوهاب البياتي مجرد أفقٍ قرائي عابر أو استعارة ثقافية سطحية، بل شكّل مرجعية جمالية وفكرية أسهمت بعمق في إعادة تشكيل وعيه الشعري ورؤيته للعالم. فقد تماهت تجربة البياتي مع روح الشعر الإنساني الثوري لدى لوركا ونيرودا وسواهما، لتنتج خطابًا شعريًا عربيًا حديثًا منفتحًا على الآخر، وقادرًا في الوقت ذاته على إعادة تأويل الواقع العربي ضمن أفق كوني. ومن هنا، يغدو استدعاء البياتي للشعر الإسباني واللاتيني فعل حوارٍ ثقافي، يزاوج بين المحلي والإنساني، ويؤكد أن حداثة الشعر العربي لم تتأسس على القطيعة، بل على التفاعل الخصب مع التجارب العالمية، بما يرسّخ فرادة صوت البياتي ومكانته في سياق الشعر العربي المعاصر.
The post عبد الوهاب البياتي.. مئة عام من الحداثة appeared first on جريدة المدى.





