يوم العمال في غزة.. انهيار بنية العمل والإنتاج وسوق يلفظه الركام

المركز الفلسطيني للإعلام
يحلّ يوم العمال العالمي هذا العام وغزة تعيش واحدة من أشد لحظاتها قتامة، في ظل حرب ممتدة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تترك للاقتصاد ولا لسوق العمل سوى مساحات ضيقة للبقاء. فمع اتساع رقعة الدمار وانهيار البنية التحتية، يجد مئات آلاف العمال أنفسهم خارج دورة الإنتاج، في مشهد يعكس تحوّل العمل من حقّ أساسي إلى معركة يومية من أجل النجاة.
وتُظهر المعطيات الصادرة عن الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين أن الحرب تسببت في انهيار شبه كامل للبنية الاقتصادية في قطاع غزة، مع وصول عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 550 ألف شخص، أي ما يعادل 38% من إجمالي القوى العاملة في الأراضي الفلسطينية، فيما تجاوزت خسائر العمال 9 مليارات دولار، في مؤشر على حجم الضربة التي تلقاها الاقتصاد المحلي.
ولا تنفصل هذه الأرقام عن حجم الدمار المادي، إذ تشير تقديرات محلية إلى تضرر أو تدمير نحو 90% من البنية التحتية في القطاع، مخلفة ما يقارب 70 مليون طن من الركام، وهو ما أعاد تشكيل الفضاء الاقتصادي والاجتماعي لغزة، ما أعاد تشكيل الفضاء الاقتصادي والاجتماعي للقطاع، وحول قطاع غزة إلى مساحات معطلة الإنتاج.
اقتصاد البقاء
في هذا الواقع، تتبدل ملامح العمل. في مواصي خان يونس، يقف الشاب يونس صالح (30 عاماً) خلف عربة صغيرة يبيع أكواب الذرة، بعد أن فقد عمله في شركة خاصة برفح. ويروي أن الحرب لم تدمر وظيفته فقط، بل سلبته منزله أيضاً.
ويضيف أن شركته أصبحت خلف ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهي مناطق سيطر عليها جيش الاحتلال خلال الحرب ويرفض الانسحاب منها، ما جعل الوصول إلى أماكن العمل السابقة شبه مستحيل. ووفق وزارة العمل، فقد تم تدمير نحو 37 ألف منشأة تجارية بشكل كلي.
وتشير بيانات وزارة العمل إلى تدمير نحو 37 ألف منشأة تجارية بشكل كلي، ما يعني عملياً محو عشرات آلاف فرص العمل دفعة واحدة.
وفي مشهد موازٍ، يجوب محمد السقا (40 عاماً) برفقة ابنه حسن (13 عاماً) بين ركام أحد أحياء خان يونس لاستخراج الحجارة السليمة وبيعها، بعدما كان يدير محلا للحلويات قبل الحرب. يقول: فقدت كل شيء، ولم يعد أمامي سوى العمل من بين الأنقاض لتأمين دخل لعائلتي.
أما عبد الله حمد (32 عاماً)، الذي كان يعمل في الزراعة شرق خان يونس، فقد وجد نفسه مضطراً لبيع الخضروات على عربة بدائية بعد تدمير أرضه ومنزله. يقول: الحياة هنا بلا رحمة، ولم يعد أمامي سوى العمل بأي شيء متاح لإعالة أطفالي.
وتعكس هذه التحولات انتقالاً قسرياً من الاقتصاد المنظم إلى اقتصاد البقاء، حيث تستبدل المهن المستقرة بأعمال هامشية غير مستقرة.
وبحسب نقابة العمال الفلسطينيين، فإن هذه الشريحة، الأكثر هشاشة، كانت الأكثر تضرراً من الحرب والحصار الممتد منذ 17 عاماً، إذ انعدم دخل العمال مع توقف المصانع وورش العمل بشكل شبه كامل، ما دفعهم للاعتماد على المساعدات الإنسانية.
وتشير الأرقام إلى تعطّل عشرات آلاف العمال في قطاعات حيوية، بينهم 20 ألف عامل في النقل، و40 ألفاً في البناء، و10 آلاف في الخياطة، و35 ألفاً في الزراعة، و5 آلاف في السياحة، و40 ألفاً في الصناعات المعدنية، إلى جانب 4 آلاف صياد، ما يضع القطاع أمام جيش بطالة يقارب نصف مليون شخص.
وتعزز بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني هذه الصورة القاتمة، إذ تشير إلى أن معدل البطالة في غزة بلغ نحو 68% خلال الحرب، في حين انخفضت نسبة المشاركة في القوى العاملة إلى نحو 25%، مقارنة بـ40% قبل الحرب، ما يعكس خروج شريحة واسعة من السكان من سوق العمل بالكامل.
تحولات اقتصادية عميقة
وتكشف البيانات عن فجوة أكثر حدة بين الشباب، إذ تصل نسبة الخارجين من التعليم والعمل والتدريب إلى نحو 74%، بينما ترتفع البطالة بين خريجي التعليم العالي إلى 79%، وتبلغ بين النساء نحو 92%، في تحول غير مسبوق يعكس تفكك البنية الاقتصادية.
ولا تقتصر التداعيات على سوق العمل، بل تمتد إلى بنية الاقتصاد ككل. فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي في غزة بنسبة تتراوح بين 83% و84%، ما دفع تقديرات أممية إلى القول إن عقوداً من التنمية قد مسحت بالكامل.
ويؤكد مختصون اقتصاديون أن قطاع غزة يشهد بطالة قسرية تتجاوز 90% في بعض التقديرات، مع اعتماد واسع على المساعدات الإنسانية، في ظل تدمير أكثر من 80% من مقومات الاقتصاد، وتوقف شبه كامل للمشاريع الإنتاجية.
ويحذر الخبير الاقتصادي د. أمين أبو عيشة من تحولات عميقة طاولت بنية الاقتصاد، مشيراً إلى أن غزة كانت تتمتع سابقاً بدرجة من الاكتفاء الذاتي في بعض السلع، خصوصاً الخضروات، بل وكانت تصدر جزءاً منها، ما ساهم في دعم الميزان التجاري. إلا أن الحرب، وفق أبو عيشة، أدت إلى ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل وتأخر صرف المستحقات، ما عمّق فجوة العجز.
ويضيف أن تراجع سعر الدولار زاد من كلفة الاستيراد على التجار، في ظل تراجع الإنتاج المحلي، ما عزز الاعتماد على السلع المستوردة، محذراً من أن معالجة اختلال الميزان التجاري ستستغرق سنوات طويلة، في ظل حجم الأضرار، ومشدداً على ضرورة تبني سياسات تدعم الإنتاج المحلي، خصوصاً في القطاعين الزراعي والحيواني.
في موازاة ذلك، تتصاعد تحذيرات من انهيار القطاع الخاص. إذ يشير رجل الأعمال علي الحايك إلى أن القطاعين التجاري والصناعي يواجهان تدهوراً خطيراً في ظل الحصار وتشديد القيود على إدخال المواد الخام، إلى جانب أزمة الكهرباء، ما أدى إلى تعطيل واسع في العملية الإنتاجية.
ويؤكد أن انهيار هذا القطاع سيؤدي إلى تفاقم معدلات البطالة والفقر، داعياً إلى تدخل دولي عاجل لدعم التعافي الاقتصادي.
تكيف مهني قسري
في هذا المشهد، تتكاثر أشكال التكيّف القسري. الشاب خالد حجاج (28 عاماً)، المهندس المعماري، يعمل اليوم على شحن الهواتف بالطاقة الشمسية مقابل مبلغ زهيد بعد تدمير مكتبه، “ولم يعد أمامي سوى العمل بأي وسيلة ممكنة لتأمين قوت يومي”.
وفي رفح، يحول الشقيقان علي وحسن عبد العال من رفح ركام المنازل إلى مواد بناء لإعادة الترميم، في محاولة لخلق مصدر دخل من قلب الدمار. يقول علي: فقدت عملي ومنزلي، ولم يعد أمامنا سوى خلق أي فرصة عمل ممكنة.
أما النساء، فقد تكبّدن خسائر مضاعفة، إذ تقول أم شادي قديح (47 عاماً) إن مشغل الخياطة الذي كانت تديره دُمّر بالكامل، ما أفقدها وعشرات العاملات مصدر رزقهن، في انعكاس واضح للأثر الاجتماعي العميق لانهيار الاقتصاد.
ولا تقف الأزمة عند حدود غزة، إذ امتدت إلى الضفة الغربية، حيث ارتفع عدد العاطلين إلى نحو 280 ألف شخص، مع وصول معدل البطالة إلى 28%، نتيجة تراجع النشاط في قطاعات البناء والصناعة والنقل.
في هذا السياق، تظهر أشكال جديدة من التكيّف القسري. الشاب خالد حجاج (28 عاماً)، وهو مهندس معماري، يعمل اليوم على شحن الهواتف بالطاقة الشمسية مقابل مبلغ زهيد، بعد أن دُمّر مكتبه. وفي رفح، يحوّل الشقيقان علي وحسن عبد العال ركام المنازل إلى مواد بناء، في محاولة لخلق مصدر دخل من قلب الدمار.
أما النساء، فقد تكبّدن خسائر مضاعفة. تقول أم شادي قديح (47 عاماً) إن مشغل الخياطة الذي كانت تديره دُمّر بالكامل، ما أفقدها وعشرات العاملات مصدر رزقهن، في مشهد يعكس الأثر الاجتماعي العميق لانهيار الاقتصاد، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة.
ولا تقتصر الأزمة على غزة وحدها، إذ امتدت آثارها إلى الضفة الغربية، حيث ارتفع عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 280 ألف شخص بحلول نهاية 2025، مقارنة بـ129 ألفاً قبل الحرب، مع ارتفاع معدل البطالة إلى 28%. ويعود ذلك إلى تراجع النشاط الاقتصادي في قطاعات رئيسية مثل البناء والصناعة والنقل.
ولا تعكس هذه المؤشرات مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل انهياراً شاملاً في بنية العمل والإنتاج، ترافق مع تفكك اجتماعي واسع. وبينما يتحول العمل إلى نشاط طارئ وغير مستقر، تتآكل قدرة المجتمع على الصمود الاقتصادي، في ظل غياب أفق واضح لإعادة الإعمار أو استعادة دورة الحياة الطبيعية.
وتحت وقع هذه المعطيات، تبدو غزة في يوم العمال العالمي نموذجاً مكثفاً لاقتصاد الحصار والحرب، حيث لم يعد السؤال عن فرص العمل، بل عن إمكانية البقاء في ظل واقع يعيد تعريف العمل بوصفه وسيلة نجاة لا أكثر.





