تشويه اجتماعي
عمر بدور
«تابعتُ عَدداً لا بأسَ به من المنشورات على منصاتِ التواصل (الاجتماعي) -وأعتذر لأنني أضعها بين قوسين، فهي هكذا بالفعل- وعلى مدارِ السنوات العشر الأخيرة، وبالأخص الخمس منها، كنتُ أتعمدُ متابعةَ التعليقات مع علمي اليقيني بأن بعض هذه المواضيع مفبركة، أو لا تحمل الحقيقة على وجهِ التأكيد؛ وما هي إلا “حقٌّ أُريدَ به باطل”. والبعض الآخر مقتطعٌ من حديثٍ طويلٍ لا يستقيمُ المعنى بدونه، أو أنها مُجرد طُعمٍ للحصولِ على الإعجابات والتعليقات، حتى لو كانت مسيئة؛ فكثرةُ المعلقين تُثري النقاش وتُحمس الجميع، وإن احتوت على مساوئَ أخلاقية، ومغالطاتٍ، وتشويهٍ لسمعةِ البعضِ أو للحقائق، ومحاولةٍ لاجتزاءِ المُجتزأ.
كلُّ ذلك كان عندَ ربكَ عظيماً!
الكلُّ باتَ يعرفُ هذه المهزلة، بل ويشاركُ فيها، وينافحُ عنها، ويقاتلُ الآخرَ مع علمِهِ بأنها ليست صحيحةً أو أنها مُشوهة. لقد كتبتُ كثيراً عن هذه المنصات، لكنني اليوم أحبُّ أن أشيرَ لأمرٍ يظنه البعضُ بسيطاً، وهو عندَ اللهِ عظيمٌ!
فعندما تتصفحُ موضوعاً مثيراً للجدل، بُنيَ على جهلٍ أو على محاولةٍ للنيلِ من الإعجابات لكي تشتهرَ الصفحةُ، تُصدمُ في بعض النقاطِ التي أوردها هنا:
• بعضُ القراءِ لا يكلفون أنفسهم عناءَ القراءةِ بتمعن، فيأخذون السطرين الأولين ويبنون الردَّ بناءً على هذه المقدمة.
• البعضُ يقرأُ الموضوع بتمعن ويبني رأيَهُ على معلومةٍ عرفَ أنها كذبٌ أو أنها مُجتزأة، فينبهُ الآخرين، ولكن تمرُّ بعدهُ عشراتٌ بل مئاتُ التعليقات ولا أحدَ ينظرُ أو يقرأُ هذا التوضيح.
• البعضُ يبحثُ بين ثنايا الموضوع عن سقطةٍ هنا أو هناك، فيحاولُ تنميتها دون انتظارِ الاعتذار من صاحبِ الموضوع (إن اعتذر)، وغالباً لا يعتذر؛ لأنه أسقطَ الأمر وهو يعرفُ منتهاه.
• البعضُ يعرفُ من أين تُؤكلُ الكتف، وخاصةً أصحاب الصفحات المشبوهة، فيكتبون بطريقةٍ عبقريةٍ خادعةٍ تواكبُ جميعَ الآراءِ والمقترحات، ولا يهمهم بعدها إن اعتذروا أو تنازلوا عن رأيهم؛ فالمهمُّ أنهم أثاروا فتنةً، وقد يخرجون بعشرةٍ لم يقرأوا الاعتذارات، بعد أن أخذوا ما أرادوا، وذهبوا يبثونه في مكانٍ آخر؛ فتتسابُق التعليقاتُ والمشاركاتُ والإعجابات، وتنتقلُ كالهشيم.
اعذروني عندما أقولُ إننا لسنا على درجةٍ عاليةٍ من الوعي حين ندعي أننا مجتمعٌ (مثقف)، وأعذروني إن وضعتها بين قوسين؛ فمكانها هناك، إلى أن نتحررَ من أسرِ “التريند”، ونستعيدَ ملكةَ التمييزِ بين الحقيقةِ والزيف، فما نزرعهُ في سطورنا اليوم، سيحصدُه وعيُ أجيالٍ قادمةٍ، ولن نكونَ حينها إلا شهودَ زورٍ على واقعٍ أردناهُ وعياً، فجعلناهُ مأساة.»
….
وللحديث بقية
هذا المحتوى تشويه اجتماعي / عمر بدور ظهر أولاً في سواليف.




