تصدير اللحوم إلى الأردن… هل تُسحب من الموائد السورية؟
تابع المقالة تصدير اللحوم إلى الأردن… هل تُسحب من الموائد السورية؟ على الحل نت.
بينما تُحذف اللحوم من موائد كثير من السوريين تحت ضغط الغلاء، تبدأ شحنات “الضأن” بمغادرة البلاد إلى الأردن. المفارقة لا تتعلق بحركة تجارة عابرة، بل بقرار اقتصادي يتقاطع مباشرة مع واقع معيشي مأزوم، حيث تتحول مادة غذائية أساسية إلى سلعة مؤجلة أو مستبعدة. وفي ظل غياب إعلان رسمي سوري واضح، يتقدم الجدل من كونه نقاشًا تقنيًا إلى سؤال مباشر حول الأولويات: لمن يُدار السوق، ولصالح من؟
ازدياد التصدير.. تراجع الاستهلاك
كشف وزير الزراعة الأردني صائب خريسات عن تعاقد بلاده على استيراد 400 طن من اللحوم الحمراء المذبوحة (الضأن) من سوريا، مؤكداً أن الشحنات بدأت بالفعل بالدخول إلى الأسواق الأردنية. وأوضح أن الأردن يغطي نحو 40% من احتياجاته محلياً ويستورد الباقي، في إطار سعيه لتعزيز مخزونه الاستراتيجي وضبط الإمدادات.
ويأتي ذلك بعد استئناف الاستيراد من مسلخ الزبلطاني في دمشق عبر المنصة الإلكترونية المعتمدة، ما يشير إلى مسار منظم للتبادل التجاري وليس عملية استثنائية عابرة. غير أن هذا المسار يتقاطع مع واقع مختلف داخل سوريا، حيث يتراجع استهلاك اللحوم بشكل ملحوظ، ولم تعد جزءًا ثابتًا من سلة الغذاء لدى شريحة واسعة من السكان.
في أسواق دمشق ومدن أخرى، بات شراء اللحوم قراراً مؤجلاً لدى كثير من العائلات، أو يُلغى بالكامل لصالح بدائل أقل كلفة. هذا التراجع في الاستهلاك لا يرتبط بتغير في العادات الغذائية، بل بانكماش القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي زيادة في الطلب الخارجي عامل ضغط إضافي على سوق تعاني أصلًا من الهشاشة.
اعتراضات: من يقرر ولمن؟
انتقدت جمعية حماية المستهلك في سوريا عملية التصدير، مؤكدة أنها علمت بها عبر وسائل الإعلام الأردنية، دون أي تنسيق رسمي معها. وأشار نائب رئيس الجمعية ماهر الأزعط إلى أن تصدير اللحوم، ولا سيما لحم العواس، يأتي في توقيت تشهد فيه الأسواق المحلية تضخمًا حادًا وارتفاعًا غير مسبوق في الأسعار. بحسب ما صرح لصحيفة عنب بلدي.
وترى الجمعية أن الأولوية يجب أن تُمنح لتأمين احتياجات السوق الداخلية قبل التوجه إلى التصدير، خاصة في ظل ارتفاع أسعار اللحوم البيضاء والحمراء على حد سواء. وتلفت إلى مفارقة لافتة: تصدير اللحوم الطازجة في مقابل استيراد اللحوم المجمّدة بهدف تخفيف الضغط عن السوق المحلية. بحسب ما نقلت صحف محلية.
هذا التوجه، بحسب الانتقادات، لا يعكس مجرد خلل في ترتيب الأولويات، بل يشير إلى فجوة بين صانع القرار والواقع المعيشي. فالمستهلك، في هذه المعادلة، لا يظهر كطرف يُؤخذ وضعه في الحسبان بقدر ما يتحمل نتائج قرارات لا يشارك في صياغتها.
أسعار تتجاوز السقوف الرسمية
تشهد الأسواق السورية ارتفاعاً حاداً في أسعار اللحوم منذ بداية شهر رمضان، ما دفع بها إلى خارج متناول شرائح واسعة من السكان. فبينما تحدد التسعيرة الرسمية كيلو لحم الغنم عند 190 ألف ليرة سورية، يصل سعره فعلياً إلى نحو 250 ألف ليرة. أما اللحم بعظمه، فيتراوح بين 160 و165 ألف ليرة، متجاوزاً السقف المحدد رسمياً.
هذا الفارق بين السعر الرسمي والسعر المتداول لا يُقرأ كحالة استثنائية، بل كمؤشر على اختلال هيكلي في السوق. فالقصابون، تحت ضغط تكاليف الشراء والنقل والتشغيل، يجدون أنفسهم مضطرين لتجاوز التسعيرة الرسمية، في حين يفقد المستهلك القدرة على مجاراة هذه الزيادات.
النتيجة المباشرة هي انسحاب تدريجي للحوم من الاستهلاك اليومي، وتحولها إلى سلعة موسمية أو نادرة الحضور على موائد كثير من الأسر. ومع استمرار هذا الاتجاه، لا تعود اللحوم مجرد مادة غذائية، بل تتحول إلى مؤشر دقيق على مستوى الدخل الحقيقي وقدرة السوق على تلبية الاحتياجات الأساسية.
روايتان رسميتان وسؤال واحد
نفت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية صدور أي قرار جديد بالسماح بتصدير اللحوم، مؤكدة أن التصدير مسموح به منذ فترة. لكنها، في الوقت ذاته، أرجأت الرد على تساؤلات تتعلق بحجم الصادرات وآليات التنسيق وتقييم الأثر على السوق المحلية. بحسب ما نقلت عنب بلدي. دون أي تصريح أو تعليق عبر حسابها الرسمي.
في المقابل، تواصل الجهات المعنية إصدار قرارات لتنظيم الاستيراد والتصدير استناداً إلى معطيات السوق، بما في ذلك منع استيراد بعض المنتجات الزراعية بهدف حماية الإنتاج المحلي. هذا التباين بين الإقرار بوجود تصدير فعلي وبين غياب توضيح لسياساته يترك فراغاً في تفسير ما يجري.
النتيجة هي تعدد في الروايات دون إطار رسمي يجمعها، ما يعمّق حالة الغموض حول كيفية اتخاذ القرار الاقتصادي في سوريا.
ضغط إضافي على سوق هشّة
يرى الخبير الاقتصادي يونس الكريم أن تصدير اللحوم في هذا التوقيت يعكس خللًا في إدارة السوق، خصوصاً في ظل غياب إعلان سوري واضح يشرح خلفيات القرار. ويضع هذه الخطوة ضمن سياق أزمة مزدوجة تشمل ارتفاع الأسعار وتدهور الواقع النقدي، ما يفاقم الضغط على معيشة السكان.
وبحسب تقديره، فإن تصدير نحو 400 طن، أي ما يعادل قرابة 8000 رأس غنم، من شأنه تقليص المعروض في السوق المحلية، وهو ما يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع. هذا النقص النسبي في العرض لا يبقى محصوراً في سوق اللحوم، بل يمتد تأثيره إلى سلوك الاستهلاك عمومًا، حيث تتجه الأسر إلى بدائل أقل تكلفة، ما يعيد تشكيل أنماط الطلب الغذائي.
كما يشير إلى أن زيادة الاعتماد على الاستيراد لتعويض النقص قد ترفع الطلب على الدولار، وهو ما ينعكس بدوره على سعر الصرف وأسعار السلع الأخرى. وبهذا المعنى، لا يبقى القرار محصورًا في قطاع بعينه، بل يتحول إلى عامل ضغط إضافي على الاقتصاد ككل.
ويحذر الكريم من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى توسيع الفجوة بين العرض والطلب، وإبطاء تعافي قطاع الثروة الحيوانية، في وقت يحتاج فيه السوق إلى سياسات تعزز الاستقرار لا تزيد من تقلباته.
كيف ارتفعت الأسعار؟
يعود ارتفاع أسعار اللحوم في سوريا إلى مزيج من تراجع أعداد الثروة الحيوانية وارتفاع تكاليف إنتاجها، في ظل انحسار الدعم الحكومي، فقبل عام 2011، كانت سوريا تمتلك ما بين 17 و25 مليون رأس من الأغنام، وأكثر من 1.1 مليون رأس من الأبقار، ونحو 2.3 إلى 2.5 مليون رأس من الماعز، قبل أن تنخفض هذه الأعداد بشكل ملحوظ خلال سنوات النزاع، حيث تراجع عدد الأغنام من نحو 18.1 مليون إلى قرابة 13.7 مليون رأس (بنحو 24%)، والأبقار إلى نحو 767 ألف رأس (قرابة 30%)، والماعز إلى حوالي 1.8 مليون رأس. وتذهب تقديرات أخرى إلى خسائر أعمق، مع فقدان يصل إلى 50–55% من القطيع الغنمي ونحو 40% من الأبقار في ذروة الحرب.
بالتوازي، ارتفعت تكاليف التربية بشكل حاد، إذ باتت الأعلاف تمثل نحو 70% من إجمالي الكلفة، في وقت تراجع فيه الدعم الحكومي الذي كان يخفف جزءًا من هذا العبء. ومع غياب برامج دعم فعالة في مجالات التمويل والخدمات البيطرية، خرج عدد كبير من صغار المربين من السوق، ما قلّص القاعدة الإنتاجية الفعلية. كما ساهمت عوامل إضافية، مثل التهريب، والبيع الاضطراري، وتدهور المراعي نتيجة الجفاف، في تعميق التراجع. وبهذا، لم يعد القطاع يعاني من انخفاض عددي فقط، بل من تراجع في الإنتاجية وارتفاع في الكلفة، ما جعل السوق أكثر هشاشة، وأكثر عرضة لارتفاع الأسعار مع أي ضغط إضافي على العرض.
تأثير داعش

قبل عام 2011، توزعت تربية الثروة الحيوانية في سوريا وفق نمط جغرافي واضح، حيث تركزت تربية الأغنام، ولا سيما سلالة العواس في مناطق البادية والأطراف شبه الجافة، خصوصاً في حمص وحماة ودير الزور والرقة والحسكة، حيث وفّرت المراعي الطبيعية ومسارات التنقل الموسمي بيئة مناسبة لتربية القطعان الكبيرة. هذا التوزع كان يشكّل توازناً وظيفيًا بين الإنتاج الرعوي الواسع والإنتاج شبه المستقر، قبل أن يتعرض لاختلالات حادة خلال سنوات الحرب.
إلى جانب العوامل الاقتصادية، لعبت التطورات الأمنية في البادية دوراً مباشراً في تقليص نشاط تربية المواشي. إذ شهدت مناطق الرعي الرئيسية في وسط وشرق البلاد، ولا سيما في بادية حمص ودير الزور، هجمات متكررة نفذها تنظيم تنظيم الدولة الإسلامية استهدفت رعاة ومربين، وأدت في بعض الحالات إلى سرقة قطعان أو مقتل أصحابها.
هذه الهجمات دفعت كثيرًا من المربين إلى تقليص تنقلاتهم أو الامتناع عن دخول مناطق الرعي التقليدية، ما حدّ من الاستفادة من المراعي الطبيعية وزاد الاعتماد على الأعلاف مرتفعة الكلفة. ومع تكرار هذه الحوادث، تراجعت أنماط الرعي الموسمي التي كانت تشكل أساس استدامة القطاع، ما أسهم في تسريع انكماش الثروة الحيوانية، خصوصًا في المناطق البادية التي كانت تُعد الخزان الرئيسي للأغنام في البلاد.
في النهاية، لا تبدو قضية تصدير اللحوم حدثًا معزولًا، بل جزءاً من نمط أوسع: إنتاج يتجه إلى الخارج، وسوق داخلية تنكمش قدرتها على الاستهلاك. ومع غياب وضوح في السياسات، تتكرر المفارقة ذاتها، حيث تتسع المسافة بين التصريحات الرسمية حول تحسن الدخل والمعيشة، وما يمكن فعلياً أن يصل إلى موائد الناس.
- تصدير اللحوم إلى الأردن… هل تُسحب من الموائد السورية؟
- بين “الحوثي” وإيران.. تهديد السعودية وإنذارات بإغلاق باب المندب
- أبرز نقاط الخلاف التي تهدد بفشل مسار التفاوض لإنهاء الحرب الإيرانية
- هدنة ترامب المؤقتة بين التحول الاستراتيجي ومسار تكتيكي.. ما أهداف إيران وأميركا؟
- ألمانيا: أحكام بالسجن على سوريين بعد اعتداء قاتل في هامبورغ
تابع المقالة تصدير اللحوم إلى الأردن… هل تُسحب من الموائد السورية؟ على الحل نت.


