... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
81674 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8988 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

ترامب والحرب المتدحرجة

العالم
صحيفة القدس
2026/03/31 - 07:45 503 مشاهدة
لم تجرِ رياح الحرب كما اشتهى ترامب، بل على العكس تماماً، إذ أوقع نفسه في ورطة تزداد آثارها يوماً تلو الآخر عُمقاً واتساعاً. أولاً، ابتدأ هذه الحرب بقرارٍ خاطئ. فقد دخلها متسرّعاً، دون وجود إجماع من كافة أجنحة إدارته، أو تحضيرٍ مسبقٍ لجبهة داخلية متينة، أو تحالف خارجي موثوق وفعّال، أو إحكام للأهداف المتوخى تحقيقها، أو وجود خطة مفصّلة وواضحة للكيفية التي سيتم اتّباعها لتحقيق تلك الأهداف، أو حسابات وتقدير جيّد للمخاطر المحتملة من خصمٍ تم التقليل من إمكانياته ودرجة احتماله، إضافة للافتقار للتجهيز العسكري الكافي لإنجاز المهمة بحرفية وإتقان، وبما يضمن الفوز بالحرب. والدول، بالعادة، لا تخوض حرباً يُحتمل أن تخسرها، ما يتطلب الاستعداد الكافي لها، يقوم بالأساس على إجراء كشف حسابٍ مسبقٍ لتقييم المخاطر الناجمة عنها مقابل الفوائد المتوخّاة منها.ولكن قرار ترامب بخوض هذه الحرب جاء متسرعاً واعتباطياً؛ لم يأتِ بعد حساب الحسابات الضرورية، كونه اتُخذ تحت وطأة انطباعٍ خاطئٍ زيّنه نتنياهو له، بأنها ستكون حرباً خاطفةً ونظيفةً ومضمونة النجاح: ضربة جوية مكثفة وموجعة لبضعة أيام، ستؤدي بجموع الإيرانيين المناهضين للنظام المنهك أصلاً للنزول إلى الشوارع لإنهاء المهمة واقتلاعه، بكل يسرٍ، من الجذور. وصفة مغرية لـ «صفقة» سهلة ورابحة دغدغت مشاعر وتمنيات رئيس مغرور، واهم يعتقد بأنه مركز، ومقر، ومستقر الكون، وليس العالم فقط؛ قادر على فعل ما يريد، متى يريد، وكيفما يريد: أن يتمكن من استنساخ ما فعل في فنزويلا، ويُطيح بيسر بنظام حكمٍ يسعى لتحويل بلده، إيران، لقوةٍ كبرى في إقليم حيوي للمصالح الإسرائيلية والأميركية. ثانياً، لم تُحسم نتيجة الحرب في غضون الأيام الموعودة. بل على العكس، بعد مرور شهر على اندلاعها، وتوالي تصريحات ترامب بأن المهمة تحققت وتمّ فيها تدمير إيران عن بكرة أبيها، صمد النظام الإيراني، واستمر في توجيه ضربات موجعة لإسرائيل والقوات الأميركية المنتشرة في المنطقة. لم تأتِ «الصفقة» المأمولة خاطفةً ونظيفةً كما تمناها ترامب، بل تدحرجت لتصبح ممتدة ومفتوحة وغير مضمونة العواقب.أما السبب فلا يعود إلى ضعف القصف الجوي الذي تقوم به واشنطن وتل أبيب، فهو عنيفٌ، ومتواصل ومتصاعد يوماً بعد يوم. ولكن السبب هو، كما تُعلمنا دروس التاريخ، أن الحروب لا يمكن أن تُربح بالضربات الجوية فقط، مهما كان عمق قوتها ومدى تواصلها. فمهما كانت هذه الضربات مؤثرة، إلا أن الحروب لا تُحسم إلا على الأرض؛ قواتٌ برية تغزو وتحتل، وتنتصر، لتفرض الشروط على الطرف المنهزم. ولا يكفي لتحقيق ذلك أن تقوم القوات الغازية باحتلال أجزاء طرفية من الدولة المعادية التي تتعرض للغزو، بل يجب لتحقيق النصر أن تسيطر هذه القوات على «القلب»؛ على مقر الحُكم، أي على العاصمة، وتمسك بتلابيب السلطة فيها، وتفرض منها واقعاً جديداً على بقية البلاد.بعد احتلالها كامل الأراضي الروسية غرب موسكو، وصلت قوات هتلر الغازية للاتحاد السوفياتي أعتاب العاصمة، موسكو، ولكنها لم تتمكن من احتلالها، فاندحرت، وخسرت الحرب. وطوال حربها على فيتنام، لم تتمكن القوات البرية الأميركية من بسط سيطرتها على هانوي، مقر نظام الحكم الفيتنامي الشمالي، فاندحرت في النهاية وخسرت الحرب. ثالثاً، بعد أن وقع في الفخ، واستشعر الورطة التي وجد نفسه فيها، كان بإمكان ترامب أن ينهي حربه المتهورة في غضون أول أسبوعين على اندلاعها.كان بإمكانه أن يُعلن عن تحقيق نصر تكتيكي مهم؛ فقد قضت الضربات الجوية على الصفين الأول والثاني من القيادات الإيرانية، وجرى تدمير واسع لمقدرات إيران العسكرية. كان باستطاعة مثل هذا الإعلان، والتوقف عن استمرار القصف الجوي، أن يفتح له مدخلاً لبدء عملية مفاوضات كان من الممكن أن تحقق له عدداً من المطالبات الأميركية، وأن تحفظ ماء الوجه لأميركا. ولكن عوضاً عن التقاط هذه الفرصة الثمينة، التي كانت ستوقف تردي الوضع الأميركي اللاحق، أدت نرجسية ترامب واعتداده المفرط بذاته، واستخفافه بالآخرين وبالواقع والوقائع، لأن تُغلق عليه هذه النافذة التي لم تعُد متاحة. ولكونها أُغلقت، وفُقد المنفَذ، وانتهت إمكانية القيام باستدارة، لم يعد متاحاً له سوى استمرار السير في الشارع ذي الاتجاه الواحد؛ الاستمرار في الحرب عوضاً عن إنهائها. رابعاً، بذلك، لا يستمر التورط في حربٍ مفتوحة على مصراعيها فحسب، بل تتعمق الورطة. فهيبة ومكانة أميركا كالدولة العظمى في العالم أصبحت هي التي على المحك، وليس غرور وعنجهية رئيسها فقط. فالحلفاء من الدول، كما الخصوم، يراقبون الوضع بأقصى اهتمام، وسيبنون على النتيجة مواقفهم المستقبلية. وكون أن النظام الدولي يمر حالياً في منعطف تحوّلي، فإن نتيجة هذه الحرب ستكون ذات أثر مهم على مستقبل هذا النظام، وعلى مكانة أميركا فيه؛ إذ قد تخسر مكانتها المتفردة كدولة عظمى مقابل صعود دول أخرى لتتقاسم معها التبوؤ على قمة نظام دولي تعددي. وبالتالي، ولهذا السبب، فإن تلكؤ ترامب في استخلاص العبرة الضرورية من حرب متهورة، أدى إلى تشابك وتعقُّد تداعياتها؛ فقد أصبحت هيبة ومكانة أميركا في العالم عرضة للتساؤل وفي وضع التدقيق والامتحان. لم يعد بالإمكان الآن التعويل على استخدام أميركا «خط الرجعة» في هذه الحرب، فالورطة أصبحت متدحرجة، وعلى الأرجح أن تكبر إن لم يتم تداركها بما يراعي تلافي الإحراج، ليس الشخصي لترامب فقط، وإنما المعنوي لأميركا أيضاً. خامساً، إذا شارف مخزون بنك الأهداف التي يضربها الطرفان الأميركي والإسرائيلي من الجو على النفاد، وفقاً لتصريحات ترامب المتوالية التي وصل فيها عدد الأهداف المضروبة إلى 13 ألف هدف، ولم يتبقَ في القائمة سوى 3 آلاف، فكيف سيتم تحقيق انتصار في حرب انتهت بها الأهداف؟ هذا مؤداه أن استمرارية هذه الحرب تسوقها، اضطراراً، للتحول من القصف الجوي إلى التدخل البري.وهذا الانسياب من حالة إلى أخرى سيزيد من منسوب التورط، وينقل الصراع من استعصاء إلى المزيد من الاستعصاء. فالتورط في إنزال بري، حتى وإن ابتدأ محدوداً واستهدف مناطق بعينها، كاحتلال جزيرة خرج و/ أو احتلال جزر صغيرة في مضيق هرمز، لن يُسقط النظام في طهران، ولن ينهي المقاومة الإيرانية، بل من الممكن أن يساعدها على أن تتصاعد وتتركز، محدثةً إسقاط متوالية من القتلى والجرحى بين القوات الأميركية. وهذا إن حصل، فإنه يثير اشتداد معارضة الحرب في الداخل الأميركي، من جهة، ويصاعد من احتمالية توسيع الغزو البري باتجاه طهران، من جهة أخرى. إن تدحرج الوضع بهذا الاتجاه، فإن هذه الحرب ستمتد بعد ذلك لفترة طويلة، وتتشعب معطياتها وتداعياتها بشكل يصعب معه التكهن بنتائجها النهائية، سوى أنها ستُحوّل الورطة الأميركية الحالية إلى «علقة» عميقة ومديدة. فمع الغزو البري وإقحام الجنود على الأرض، تزداد فرص الوقوع بـ «الوحل»، ومصيدة الوحل الإيراني لن تكون أسهل على الأميركيين من مصائد الوحل الفيتنامي أو الأفغاني، وحتى العراقي. سادساً، لا يريد ترامب الوقوع في مصيدة ما تورط به بشكل اعتباطي ومتسرع من حرب متدحرجة، فلذلك أثمان سياسية لا يرغب بالتأكيد في دفعها.ومع وجود ضغوط داخلية وخارجية تدفع به لإنهاء حملته المتهورة، وإيقاف إمكانية انزلاقها إلى حرب مفتوحة وطويلة المدى، فإن الفرصة الوحيدة المتبقية لتحقيق ذلك تكمُن في أن يعقُب إنزال بري محدود، أصبح أقرب للحدوث من أي وقت مضى، صدور إعلان من ترامب يعلن من خلاله إنهاء المهمة والشروع، من خلال استمرار تدخل الأطراف الوسيطة، تحقيق الهدف من هذه الحرب، والمتمثل بوضع الإجراءات الكفيلة بضمان فتح وانسياب الملاحة الدولية في مضيق هرمز للملاحة الدولية، وكأنه كان مغلقاً في بداية الحرب وكان السبب في اندلاعها. ولكن تبقى هذه الفرصة محكومة لتفاعل عاملين. الأول، ردّ الفعل الإيراني على عملية التدخل البري الأميركي بعد وقوعها، وعلى مستوى قدرة الإيرانيين على مواجهتها بنجاعة. فمن بدأ الحرب نتيجة قرار وحسابات خاطئة، ليس هو بالضرورة من بيده القرار المنفرد بإنهائها، بل إن أداء الطرف المقابل في ساحة المعركة له أيضاً أثر مهم في هذا الشأن.أما العامل الثاني فهو استمرار الضغط الإسرائيلي على ترامب للاستمرار في الحرب وعدم إنهائها قبل إسقاط النظام في إيران. هذا هو الهدف الذي اندلعت هذه الحرب لتحقيقه، ومع أن هدف ترامب منها تحوّل مع مسيرة انزلاقها لتتعدى مدة شهرٍ الآن، ولم يعد بوارد إنهاء حكم الثورة الإيرانية، بل يروّج على أن حكام إيران الحاليين هم نسخة مختلفة ومواتية لأميركا عما كان عليه الوضع عند اندلاع الحرب، إلا أن هدف إزالة هذا النظام لا تزال غاية عليا لإسرائيل، وستبقى تدفع باتجاه تحقيقه. ولا يخفى أن إسرائيل تحتاج استمرار التورط الأميركي في هذه الحرب، فهي حرب بالإنابة؛ يحارب فيها الأميركيون المعارك عن الإسرائيليين. وفي المحصلة، علينا ترقب على من سيصغي ترامب في النهاية: على قرقعة هدير المعارك، أم ضغوط المتدخلين الساعين لإيجاد مخرج له مما حشر به نفسه من مأزق، أم على صرير النعيق الزنّان والضاغط عليه من تل أبيب؟.
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤