... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
37024 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7678 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

ترامب بين التهديد والتمديد... انفصام سياسي أم تمويه استراتيجي؟

العالم
النهار العربي
2026/03/27 - 14:57 502 مشاهدة

قد يكون من المغري، في مستهل قراءة مسار تصريحات دونالد ترامب خلال شهر من الحرب على إيران، ربط هذا التقلّب المزاجي ببرجه الفلكي. فالرجل، وفق هذا المنطق، يتصرف كجوزاء سياسي: يقول الشيء ونقيضه، يهدد ثم يتراجع، يفتح باب التفاوض ويُبقي إصبعه على الزناد. لكن، وعلى عكس الأبراج، السياسة لا تُفسَّر بالكواكب، بل بالحسابات.
منذ 28 شباط/فبراير، قدّم ترامب نموذجاً مكثفاً لما يمكن وصفه بـ"السيولة الاستراتيجية". في الأيام الأولى، بدا الخطاب حاداً: ضربات قاسية، أهداف واسعة، ورسائل لا لبس فيها عن "تحطيم" القدرات الإيرانية، لا بل تدمير إيران بالكامل! ثم، فجأة، ظهر حديث موازٍ عن "تقدّم جيد" في المفاوضات. وفي لحظة لاحقة، عاد التصعيد ليتقدّم الواجهة، مرفقاً بتهديد مباشر باستهداف البنية النفطية الإيرانية إذا لم تُفتح مضائق الطاقة "بشكل كامل ومن دون تهديد".
لكن الذروة لم تكن في مضمون التهديد، بل في إدارته زمنياً. مهلة أولى: 48 ساعة. ثم تمديد إلى خمسة أيام. ثم تمديد جديد إلى عشرة أيام. وفي كل مرة، يأتي التمديد بعد خطاب تصعيدي، لا بعد تهدئة. كأنّ القرار نفسه يتحرك بين حالتين: الهجوم المؤجل... والهجوم المؤجل أكثر.
المفارقة أن هذا التقلّب لا يحدث على مستوى الأيام فقط، بل أحياناً خلال اليوم الواحد. في الصباح، لغة الحرب: "سنضرب". في المساء، لغة التفاوض: "الأمور تسير بشكل جيد". وبينهما، تبقى المنطقة في حالة ترقّب، كأنها لا تنتظر القرار بحد ذاته، بل مزاج ترامب لاتخاذه.

هل هذا ارتباك فعلي؟
القراءة السطحية قد تذهب إلى توصيف الحالة كنوع من "الانفصام السياسي": تعدد في الخطاب، تضارب في الرسائل، وغياب خط واضح. لكن هذا التوصيف، رغم جاذبيته، قد يكون تبسيطاً مريحاً أكثر مما هو تفسير دقيق.
القراءة الأعمق تفترض العكس تماماً. أن هذا التناقض ليس خللاً، بل أداة.
في هذا السياق، يمكن فهم تمديد المهلات لا كإشارة ضعف، بل كوسيلة ضغط متعددة الطبقات. فمن جهة، يمنح التمديد انطباعاً بوجود نافذة ديبلوماسية، ما يخفف من ردود الفعل الدولية ويُبقي قنوات الاتصال مفتوحة. ومن جهة أخرى، يبقي التهديد قائماً، ويضع إيران في حالة استنزاف نفسي وعسكري مستمر، حيث لا تعرف إن كانت المهلة فرصة... أم فخاً.
الأهم أن هذا الأسلوب يخلق ما يشبه "الضباب العملياتي" على المستوى السياسي. حين تتضارب التصريحات، يصبح من الصعب على الخصم، وأحياناً حتى على الحلفاء، تحديد النية الفعلية. هل الضربة مقبلة؟ أم أن واشنطن تبحث عن مخرج تفاوضي؟ أم أنها تفعل الأمرين معاً؟
هنا تحديداً، تتحول التناقضات إلى أداة تمويه.
ففي الحروب الحديثة، لا يُقاس النجاح فقط بما يُقال بوضوح، بل أيضاً بما يُربك التوقعات. وكلما ازدادت الإشارات المتناقضة، تراجعت قدرة الطرف الآخر على اتخاذ قرار محسوب. وفي حالة إيران، فإن عدم وضوح التوقيت، وليس فقط الهدف، قد يكون بحد ذاته عنصر ضغط حاسم.

 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب. (أ ف ب)

 

إغراق المشهد
لكن هذا النهج ليس بلا كلفة. فالتكرار المفرط للتهديد ثم التأجيل قد يضعف صدقية الخطاب مع الوقت. والمهلة التي تُمدَّد مرة ومرتين وثلاثاً، قد تتحول من أداة ردع إلى إشارة تردّد إذا لم تُترجم في لحظة ما إلى فعل.
وهنا تحديداً يكمن السؤال المركزي: هل هذه المهلة العشرة أيام هي فعلاً نافذة أخيرة للتفاوض، أم أنها العدّ العكسي لضربة مؤجلة؟
الاحتمال الأكثر ترجيحاً ليس أحد الخيارين، بل الجمع بينهما. أي أن واشنطن تدير مسارين متوازيين: تفاوض يُستخدم لشراء الوقت وامتصاص الضغوط، واستعداد عسكري يُستخدم للحفاظ على عنصر المفاجأة.
بهذا المعنى، لا تكون تصريحات ترامب انعكاساً لانقسام داخلي بقدر ما تكون جزءاً من تكتيك يقوم على إغراق المشهد بالضوضاء، بحيث يصبح الحدث الحقيقي - إن وقع - مفاجئاً بما يكفي ليحقق أثره الكامل.
قد لا يكون الرجل جوزاء سياسياً بالمعنى الفلكي، لكنه يتقن، على الأقل، اللعب على حبال التناقض. وفي منطقة اعتادت قراءة التصريحات كإشارات نهائية، قد يكون الدرس الأهم اليوم هو العكس تماماً: أحياناً، ما يُقال ليس هو ما سيحدث... بل ما يُراد لك أن تسمعه.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤