في منزل لودي وابنتها ماري جوزيه، كان هناك حلم تحاول أمّ أن تحميه، وابنة كفيفة تتمسّك بالموسيقى كطريق إلى مستقبل مختلف. ورغم أن عينيها لا تبصران، كانت قادرة على رؤية آمالها تقترب من التحقق، حين دقّ صانع المحتوى طوني بعينو بابها.
في هذا اليوم، رافقت "النهار" بعينو إلى منزل العائلة، ضمن إحدى مبادراته الإنسانية التي جعلت منه اسماً معروفاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى إن ثمة فنانين باتوا يرغبون في التعاون معه في هذه المبادرات، إذ كانت لفتة جميلة من الفنانة إليسا، التي تواصلت مع ماري جوزيه، في محاولة منها للمساهمة في دعمها ومساعدتها مادياً على متابعة حلمها في الموسيقى.
لكن خلف قصّة لودي وماري جوزيه، أكثر من عشرين عائلة دخلت عدسة بعينو منذ كانون الأول الماضي. قصص مختلفة في تفاصيلها، يجمعها شيء واحد: الحاجة إلى من يسمعها، ويحوّل وجعها من حكاية مخفيّة إلى فرصة حقيقية لتغيير الحياة.
من الصحافة إلى التسويق... ثمّ إلى الناس
قبل أن يصبح طوني بعينو صانع محتوى يتابعه مئات الآلاف، كان طالباً في كلية الصحافة. ومنذ نحو عشر سنوات، كان يجري المقابلات ويعدّ البرامج ويكتب التقارير. لكن بعد سنوات، تغيّر الطريق. لم تعد الصحافة تستحوذ على اهتمامه، فانتقل إلى التسويق، ودرس التسويق الرقمي، قبل أن يصبح هذا المجال عمله الأساسي ويؤسّس شركة في التجارة الإلكترونية.
كان يمكن للقصة أن تنتهي هنا، لكنّ شيئاً ما بقي معه من البداية: فضوله تجاه الناس وقصصهم، إذ كانت فكرة المحتوى الإنساني عالقة في رأسه منذ سنوات، حين كان يتابع "بلوغرز" في الخارج يقدّمون هذا النوع من القصص التي تشبه شخصيته.
وعندما عاد من الإمارات، أمضى نحو شهرين يدرس الفكرة، قبل أن يبدأ بقصة صغيرة، لم يكن يتوقع أن تكون أصداؤها بهذا الحجم. ومن هنا، قرر أن يستخدم ما تعلّمه في الصحافة والتسويق، وما امتلكه من منصّة وجمهور، لصناعة شيء مختلف و"لأن بلده لبنان يستحقّ".
كبرت الفكرة، وكبر معها الفريق. واليوم، يعمل بعينو مع ستة أشخاص يبحثون عن القصص ويتحققون منها. لا يلاحقون "الترند"، ولا يختارون القصة لأنها الأكثر انتشاراً، بل يبحثون عن خلفيات أصحابها، ويتحققون من ظروفهم، ويسألون المحيطين بهم، حتى لا تتحول المساعدة إلى مال يصل إلى المكان الخطأ.
ومع كل قصة، كان شيء آخر يكبر: الثقة.
في عالم باتت فيه الشكوك تحيط بكل شيء، من الإعلانات إلى حملات التبرّع، استطاع بعينو أن يدفع الناس إلى وضع أموالهم بين يديه. قصص احتاج أصحابها إلى 10 أو 20 ألف دولار، تحولت أحياناً إلى 30 و40 ألفاً من التبرّعات. وفي إحدى الحالات، جُمِع أكثر من ربع مليون دولار خلال عشرة أيام.
في هذا السياق يقول بعينو "لولا متابعيَّ لما وصلت إلى هنا". ويضيف "أنا رابط اسمي باسم هالعالم". وربما لهذا السبب تحديداً، ينتظر كثيرون محتواه. ليس فقط بحثاً عن قصة مؤثرة أخرى، بل لأنهم يرون فيه شيئاً نادراً في عالم يزداد ماديةً وتزييفاً: شخصاً يستخدم الشهرة كوسيلة للمساعدة، لا كغاية.
"نحن هيك تربّينا"
لكن طوني لا ينسب هذه الرحلة إلى السوشال ميديا وحدها. فخلف كل قصة، تربية بدأت قبل الكاميرا بسنوات.
"نحن هيك تربّينا"، يقول. تعلّم مساعدة الإنسان من دون السؤال عن دينه أو طائفته، وعلى مدّ اليد لمن يحتاج. واليوم، يرى أن كل فيديو وكل مساعدة يقدمها مع متابعيه هي ترجمة لما زرعته فيه والدته منذ طفولته.
ولعلّ أجمل ما يراه في تأثيره ليس عدد المشاهدات ولا حجم التبرعات، بل الأطفال الذين يخبره أهلهم أنهم يشاهدون فيديوهاته معهم، ويتعلمون منها أن الخير يمكن أن يكون فعلاً لا مجرد كلمة.
وحين سألناه إلى متى سيستمر، لم يحتج إلى التفكير طويلاً: "طالما بعد فيه خير بهالدنيا، أنا بعدني مستمر"!




