تقرير للأورومتوسطي يوثق شهادات اغتصاب وعنف جنسي في السجون الإسرائيلية
#سواليف
خلص تقرير نشره المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إلى أن العنف الجنسي ضد الفسطينيين في السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية هو سياسة دولة فعليّة، ويُستخدم كأداة للإخضاع والتدمير، بما شمل تصعيدًا جذريًّا وإسقاطًا “لكافة الكوابح السابقة” منذ السابع من أكتوبر/تشرين أول 2023.
ووثق التقرير الذي جاء بعنوان “إبادة جماعية أخرى خلف الجدران” أنماطًا واسعة النطاق من العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، استخدمت ضد معتقلي قطاع غزة بوصفها أداة تدمير تستهدف كسر الإرادة الفردية والجماعية وإحداث ضرر جسدي ونفسي بالغ، شملت الاعتداء الجنسي المباشر والاعتداء بالأدوات والتعذيب الموجه للأعضاء التناسلية، إلى جانب مظاهر استعراضية منظمة مثل التصوير والحضور الجماعي لعناصر القوة أثناء ارتكاب الاعتداء، بما يعزز قرائن الطابع المؤسسي والمنهجي لهذه الجرائم.
وقال المرصد الأورومتوسطي إن هذه الانتهاكات تتداخل مع سياسات احتجاز تفضي إلى أذى جسدي ونفسي جسيم وطويل الأمد، بما في ذلك إصابات تخلف عجزًا دائمًا وتداعيات تمس الوظائف الإنجابية لدى بعض الضحايا.
قام جندي باغتصابي، شعرت بألم شديد في فتحة الشرج، وكنت أصرخ، وكلما أصرخ أتعرض للضرب. وتركني الجندي بعد أن أنزل سائله المنوي داخلي ثم أحضروا كلبًا لاغتصابي
وجدي (43 عامًا)، معتقل سابق أمضى عامًا كاملًا داخل الاعتقال
واستند التقرير بشكل أساسي إلى شهادات حية ومباشرة أدلى بها معتقلون فلسطينيون من قطاع غزة أفرجت عنهم القوات الإسرائيلية خلال الأشهر والأسابيع الماضية، أفادوا خلالها بتعرضهم لأشكال مختلفة من العنف الجنسي على نحو ممنهج.
وأشار “خالد أحمد”، الباحث في المرصد الأورومتوسطي، إلى أن الوصول لحالات العنف الجنسي وتوثيق الشهادات في هذا الإطار كانت مهمّة “شبه مستحيلة.”
وأضاف: “كنا نعلم أن هناك عشرات الحالات من الاغتصاب والاعتداء الجنسي، ولكن في مجتمع محافظ، من الصعب جدًا أن يخرج أحد ويقول إنه تعرض للاغتصاب. رغم الصعوبات، تمكننا من الوصول إلى بعض الحالات، لكن معظمها كانت من الذكور لأن سياق الاعتداء الجنسي على المرأة في المجتمع الفلسطيني له وقع أكبر وأكثر تعقيدًا، بالتالي من الصعب جدًا أن تقول المرأة إنها تعرضت للاعتداء.”
وأكد “أحمد” وجود عشرات الحالات الأخرى التي لم يتمكن فريق المرصد الأورومتوسطي من الوصول إليها أو الحصول على موافقتها بإجراء مقابلات وتوثيق إفاداتها، قائلًا: “نحن نعلم أن أعداد الأشخاص الذين تعرضوا للاعتداءات الجنسية أكبر من المتوقع، وأن هناك عشرات الحالات الأخرى لذكور وإناث تعرضوا للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي وفضّلوا البقاء صامتين”
وبحسب التقرير، تعمد منظومة التعذيب الإسرائيلية إلى توسيع دائرة الأذى عبر استراتيجية “الحرب النفسية”، التي تقوم على استغلال المكانة العالية لقيم “الكرامة” و”الخصوصية” في الوعي الجمعي الفلسطيني، وتحويلها من قيم حامية إلى أدوات ضغط على المعتقلين. فبدلاً من أن يكون المجتمع مساحة للأمان، حرص السجانون الإسرائيليون على زرع قناعة لدى الضحية بأن “الإفصاح” عن الانتهاكات الجنسية سيشكل انتهاكًا ثانيًا لخصوصيتهم وسمعة عائلاتهم، مما يفرض طوقًا من العزلة الشعورية يمنع الضحايا من ممارسة حقهم في الشكوى أو طلب المساعدة، خوفًا من المساس بكرامتهم الشخصية والأسرية التي استهدفها التعذيب أصلاً.
وفي إحدى الشهادات التي وثقها فريق المرصد الأورومتوسطي الميداني، قال “وجدي” (43 عامًا) الذي أمضى عامًا كاملًا داخل الاعتقال، إنه تعرض للاغتصاب المباشر والمتكرر من جنود وكلب خلال التحقيق معه.
وقال: “خلال التحقيق، قيدوني عاريًا على سرير حديدي، وسألني أحد الجنود كم إسرائيلية اغتصبت داخل إسرائيل؟ فنفيت أنني دخلت إسرائيل. بعدها قام جندي باغتصابي، شعرت بألم شديد في فتحة الشرج، وكنت أصرخ، وكلما أصرخ أتعرض للضرب. استمر ذلك عدة دقائق، وكان الجنود يصورون ويسخرون مني، وتركني الجندي بعد أن أنزل سائله المنوي داخلي.”
وأضاف: “كنت في وضع مهين، تمنيت الموت، وكان هناك نزيف لدي. ثم في وقت لاحق فكوا قيودي وأحضروا كلبًا، حيث قام باغتصابي أيضًا. وخلال اليوم نفسه تعرضت للاغتصاب مرتين على الأقل بعد أن تم ربطي على السرير، وقام أحد الجنود بوضع عضوه الذكري داخل فمي، ثم تبول عليّ، وتكرر الاغتصاب بعد يومين من ثلاثة جنود، وكنت في وضع صحي ونفسي سيء جدًا.”
وبحسب الشهادات التي وثقها الأورومتوسطي، فقد تعرّض الرجال والفتيان لأنماط بالغة القسوة من التنكيل الجنسي استهدفت تحطيم كرامتهم وسلامتهم الجسدية، شملت الاغتصاب باستخدام أدوات صلبة، مثل القضبان المعدنية والعصي الخشبية وفوهات مطافئ الحريق، ما تسبب في تمزقات شرجية ومعوية حادة وخطيرة، فضلاً عن إخضاع المعتقلين للصعق الكهربائي واعتداء مباشر على الخصيتين بالأيدي أو بالأحذية العسكرية، ما أسفر في حالات موثقة عن إصابات جسدية دائمة، بما في ذلك فقدان دائم للوظائف التناسلية أو الإخراجية، أو الاستئصال للخصيتين، وانتهى في بعض الحالات بالوفاة تحت التعذيب.
وتُظهر الشهادات الموثّقة أنّ استهداف الأعضاء التناسلية للمعتقلين شكّل جزءًا من سياسة منهجية للعنف الجنسي والتعذيب تهدف إلى الإذلال المتعمّد وإلحاق أذى جسدي ونفسي دائم، وتقويض القدرة الإنجابية لديهم. وقد أفادت شهادات متطابقة بأن الجنود أجبروا المعتقلين على التعرية وفتح أرجلهم، ثم اعتدوا على أعضائهم التناسلية باستخدام أدوات صلبة كالعصي المعدنية وأعقاب البنادق وأجهزة يدوية، إضافة إلى اللكم والركل المباشر للخصيتين. كما تكررت الإفادات حول قيام الجنود بعصر الخصيتين بقوة مفرطة خلال التحقيق، واستخدام مشابك وأوزان تُثبّت على الأعضاء التناسلية وتُترك لفترات طويلة، فضلاً عن الصعق بالكهرباء مباشرة في هذه المناطق.
وقد أسفرت هذه الممارسات عن نتائج طبية كارثية في حالات موثقة، شملت نزيفًا حادًا، وتبولًا دمويًا، وآلامًا مزمنة تعيق الحركة والجلوس، وفي بعض الحالات أدّت إلى تهتك شديد استوجب الاستئصال الجراحي لإحدى الخصيتين أو إلى فقدان الوعي والدخول في مضاعفات خطيرة. وغالبًا ما ترافق هذا العنف الموجّه مع ممارسات إذلال جنسي أخرى، أبرزها التعرية القسرية الكاملة أثناء التفتيش أو التحقيق، والتحرش اللفظي والجسدي المصحوب بشتائم وإهانات ذات طابع جنسي، بما يعمّق شعور الضحية بالعجز والمهانة.
أما النساء والفتيات الفلسطينيات من قطاع غزة، فقد اتخذ العنف الجنسي ضدّهن منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 منحىً منهجيًا ومؤسسيًّا؛ ويشمل هذا النمط الممنهج التعرية القسرية العلنية، والتحرش الجسدي، والتهديد بالاغتصاب كأداة للضغط النفسي وانتزاع الاعترافات، وصولاً إلى وقوع حالات اغتصاب فعلي ومتكرر تحت تهديد السلاح.
وفي إحدى الشهادات التي وثقها فريق الأورومتوسطي، أفاد “أ. ج” (48 عامًا) الذي اعتقل من قطاع غزة وبقي محتجزًا لأكثر من عام: “خلال التحقيق معي، تعرضت للضرب، بما في ذلك على خصيتي، وعندما أجبت عن [أسئلة وجهوها إلي] بـ “لا أعرف”، ضغط المحقق على خصيتي بقوة، وحاول إدخال جسم في فتحة عضوي الذكري، شعرت بألم هائل. في إحدى المرات عندما جرى الضغط على خصيتي أغمي عليّ، وعندما أفقت وجدت نفسي في المستشفى مقيدًا، وعلمت لاحقًا أنه جرى استئصال خصيتي، ما تركني في حالة نفسية سيئة.”
وبالموازاة مع التدمير الجسدي، يسعى التعذيب ضد الفلسطينيين إلى إحداث “هدم نفسي” شامل يضرب ركائز الشخصية الإنسانية. فالعنف الجنسي في هذا السياق يُصنف طبيًا وقانونيًا كأحد أشد مسببات “اضطراب ما بعد الصدمة المعقد”. يهدف الجاني عبر هذه الممارسة إلى هندسة حالة من “الانفصال التام”، دافعًا الضحية للهروب من واقعها المؤلم عبر آليات دفاعية قاسية كالذهول، ونوبات الهلع، والانفصال الشعوري عن الجسد، مما يؤدي فعليًا إلى تفتيت الوعي والإدراك وفقدان الشعور بالأمان.
ومع مرور الوقت، تتجذر هذه الصدمة لتتحول إلى أعراض ذهانية وسلوكية مزمنة تعيق استمرار الحياة الطبيعية، إذ يعيش الناجون تحت وطأة “الذاكرة الاقتحامية” التي تستحضر لحظات التعذيب وكأنها تقع الآن، مصحوبة باكتئاب حاد، وأرق شديد، وسيطرة للأفكار الانتحارية كمهرب وحيد من شعور دائم بالذنب والعار.
ويتجاوز هذا التدمير الحيز الفردي ليضرب الهوية الاجتماعية والجندرية، حيث يعيش الضحايا حالة “خوف مزمن” من تكرار الانتهاك حتى بعد الإفراج عنهم. هذا الخوف يشل حركتهم، ويحد من قدرتهم على العمل أو الدراسة، ويدفعهم نحو العزلة القسرية. فبالنسبة للرجال، يُوظف العنف الجنسي لـ “نزع الرجولة” وزرع شعور بالعجز، بينما يهدف في حالة النساء إلى استحضار “الوصمة الاجتماعية”، مما يؤدي إلى تفكك الروابط الأسرية وانسحاب الضحية من المجتمع.
ومع اتساع حجم الانتهاكات، بيّن التقرير أن منظومة العدالة الإسرائيلية لم تنشئ مسارًا فعليًا للمحاسبة أصلًا؛ بل جرى توظيفها تاريخيًا، بصورة منهجية، لترسيخ الإفلات من العقاب عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، بما جعل الجهاز القضائي عمليًا خطّ الدفاع الأول عن الانتهاكات الإسرائيلية ومرتكبيها. لكن هذا الفشل البنيوي توضح بأقصى درجاته داخل شبكة الاعتقال والسجون، إذ تحولت الأدوات القضائية والرقابية في كثير من الحالات إلى مظلة إجرائية تُحيد الرقابة المستقلة، وتُطبّع التعذيب، وتُنتج حصانة عملية للمحققين والقائمين على إدارة هذه الشبكة.
وأكد المرصد الأورومتوسطي أنه لا يمكن فصل جرائم التعذيب والعنف الجنسي المنهجية المرتكبة بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين عن الغطاء القانوني والمؤسسي الذي توفره منظومة العدالة الإسرائيلية. فالمعطيات المتاحة لا تشير إلى إخفاق إجرائي عارض أو محدودية في القدرة، بل إلى خلل بنيوي في الرغبة في التحقيق الجدي والملاحقة الفعالة، بما يحول مسارات التحقيق الداخلي إلى إجراءات شكلية تُدار لإنتاج مظهر مساءلة محدود، مع احتواء الأثر القانوني للجريمة، وتضييق نطاق المسؤولية، وتأمين حماية عملية للمنفذين وسلسلة القيادة، بدل الوصول إلى الحقيقة وإنصاف الضحايا.
وأشار إلى أنه، تاريخيًّا، لم تتجاوز نسبة لوائح الاتهام ضد الجنود في قضايا الجرائم ضد الفلسطينيين 0.81% من مجمل الشكاوى المقدمة، وهو نمط تفاقم بصورة أشد خلال جريمة الإبادة الجماعية الجارية.
وأضاف أن تعاطي المنظومة الإسرائيلية مع واقعة الاغتصاب الجماعي من قبل جنود في الجيش الإسرائيلي لمعتقل فلسطيني من قطاع غزة في معسكر “سدي تيمان” يمثل دليلًا راهنًا على ما يمكن وصفه بـ “الحصانة الهيكلية” لمرتكبي الجرائم ضد الفلسطينيين. إذ يقدم مثالًا كاشفًا على كيفية توظيف المنظومة القضائية والعسكرية لإجراءاتها بوصفها أداة لإدارة الضرر واحتواء تداعيات الجريمة وحصر المسؤولية في أضيق نطاق ممكن، بدلًا من كشف الحقيقة وإنفاذ عدالة فعالة تفضي إلى محاسبة فعلية وإنصاف الضحايا.
وكان المرصد الأورومتوسطي وثق في تقرير سابق نشره في مايو/أيار 2024 نحو 100 شهادة جمعها من معتقلين فلسطينيين مفرج عنهم، كشف فيها عن ما لا يقل عن 40 نمطًا من أساليب التعذيب التي مورست ضد المعتقلين، شملت الضرب المبرح والمتواصل، وأوضاع الشبح القسرية، والحرمان من النوم والطعام والمياه، والتعريض لظروف احتجاز مهينة وغير إنسانية، إلى جانب التهديدات المستمرة والإهانات اللفظية والنفسية. كما شملت هذه الممارسات أشكالًا متعددة من التعذيب الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك التعرية القسرية، والتحرش الجنسي، والتهديد بالاغتصاب، والاعتداء المباشر على الأعضاء التناسلية، في سياق يعكس طابعًا منظّمًا لا يمكن فصله عن سياسة أوسع تستهدف تدمير الجماعة الفلسطينية، وتندرج ضمن الأفعال المرتكبة في سياق جريمة الإبادة الجماعية.
وقال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنه، استنادًا إلى الوقائع والشهادات الموثقة، وتحليلها في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الجنائي، يثبُت أن ممارسات العنف الجنسي والتعذيب التي تنتهجها السلطات الإسرائيلية ضد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين لا تقع في دائرة الحوادث العرضية أو السلوكيات الفردية المنعزلة، بل تشكل منظومة متكاملة من الانتهاكات والجرائم الدولية الأشد خطورة، والتي تجتمع فيها الأركان المادية والمعنوية لتوصيفات جرمية متعددة بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية واتفاقيات جنيف الأربع وغيرها من الصكوك الدولية ذات الصلة.
وأضاف أن شكل الممارسات الموثقة، بما في ذلك إحداث ألم أو معاناة شديدة جسديًا أو نفسيًا، والإذلال الممنهج، والتعرية القسرية، وأشكال الاعتداء الجنسي، يندرج ضمن التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وفق اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وبما ينهض كذلك كجريمة تعذيب بموجب نظام روما الأساسي متى توافرت عناصره.
وأضاف أن هذه الممارسات، متى ثبتت عناصرها، تستوفي أركان جرائم الاغتصاب وسائر أشكال العنف الجنسي كما عرفها القانون الجنائي الدولي، بما في ذلك نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادتين السابعة والثامنة. وفي سياق النزاع المسلح والاحتلال، تندرج هذه الأفعال كذلك ضمن جرائم الحرب، بوصفها انتهاكات جسيمة تشمل التعذيب والمعاملة اللاإنسانية والتسبب عمدًا في آلام شديدة أو إضرار خطير بالجسم أو الصحة، فضلًا عن الاعتداء على الكرامة الشخصية عبر المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، بما في ذلك التصوير القسري في أوضاع مذلة أو استخدام الإذلال الجنسي كوسيلة ضبط وإخضاع. وبالنظر إلى الطابع واسع النطاق والمنهجي للانتهاكات، فإنها تشكل كذلك جرائم ضد الإنسانية؛ كونها ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين، وارتكبت تنفيذًا لسياسة دولة أو تعزيزًا لها.
وفي التكييف القانوني الأشد خطورة، لا يمكن قراءة هذه الممارسات بمعزل عن السياق العام للهجوم الواقع على الفلسطينيين في قطاع غزة؛ إذ تشير المعطيات إلى أن بعض أنماط العنف الجنسي والتعذيب الموثقة تتجاوز توصيفها التقليدي لتندرج ضمن الأفعال المحظورة في جريمة الإبادة الجماعية، بما يمس الوجود المادي للجماعة الفلسطينية في قطاع غزة، وذلك عبر ركنين ماديين متلازمين: الركن المتعلق بإلحاق أذى جسدي أو روحي جسيم، والذي تحقق عبر أفعال تجاوزت حد المعاملة القاسية لتفضي إلى مساس خطير وتدمير فعلي للسلامة البدنية والعقلية لأفراد الجماعة.
وعليه، وجه المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان دعوة عاجلة لمكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية لإدراج جريمة الإبادة الجماعية صراحة ضمن نطاق التحقيق الجاري في الوضع في فلسطين، بوصفها الإطار القانوني الأصيل الحاكم للسياق القائم في قطاع غزة، وفتح مسار تحقيق معجل ومخصص يركز على توافر القصد الخاص لتدمير الفلسطينيين في القطاع كليًّا أو جزئيًا.
وطالب الأورومتوسطي مكتب المدعي العام بإعطاء ملفّ التعذيب والعنف الجنسي في مراكز الاعتقال والسجون أولوية تشغيلية، بما يشمل تفعيل الورقة السياساتية بشأن الجرائم الجنسية والجندرية لعام 2014، والتعامل مع الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي بوصفها جرائم قائمة بذاتها، وبوصفها أيضًا قرائن جوهرية لإثبات القصد الجنائي في الجرائم الأوسع، طالما دلّ السياق والنمط على توظيفها لتدمير الجماعة الفلسطينية وإلحاق أذى بدني أو نفسي جسيم بها.
كما دعا الدول الأطراف في ميثاق روما إلى معاونة المحكمة، بما يشمل تيسير جمع الأدلة وحماية الشهود، وتنفيذ مذكرات إلقاء القبض، باعتبار أن الجرائم الدولية لا تُحصّنها صفة رسمية ولا تُسقطها حصانات وظيفية أو شخصية في جوهرها، ولا تنال منها قواعد التقادم، بما يستوجب ملاحقة كل من أسهم في ارتكابها أو تيسيرها، سواء بالتنفيذ المباشر، أو إصدار الأوامر، أو التحريض، أو توفير الوسائل، أو الامتناع العمدي عن المنع والمعاقبة ضمن مسؤولية سلسلة القيادة.
وحث الأورومتوسطي الدول الأطراف على تفعيل اختصاصها القضائي الوطني (الشخصي) لمساءلة المشتبه بهم من حملة جنسيتها أو المقيمين على أراضيها، بمن فيهم الإسرائيليون مزدوجو الجنسية، عن الجرائم المرتكبة خارج الإقليم. وبالتوازي، دعوة الدول التي تأخذ بمبدأ ‘الولاية القضائية العالمية’ إلى الشروع فورًا في فتح تحقيقات جنائية هيكلية ومستقلة في جرائم التعذيب والعنف الجنسي بحق المعتقلين الفلسطينيين، وتخصيص موارد لفرق الادعاء لجمع الأدلة وحفظها وفق المعايير الدولية، بما يفضي إلى إصدار مذكرات توقيف وطنية ودولية بحق الفاعلين المباشرين وسلسلة القيادة متى توافرت ‘أسباب معقولة للاعتقاد’ بمسؤوليتهم، مع تفعيل إجراءات المنع والترقب وتعزيز التعاون القضائي المتبادل، لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب في ظل انسداد مسار المساءلة الداخلي.
كما طالب المرصد الأورومتوسطي الأمم المتحدة بإدراج الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية التابعة له ضمن الملاحق المرفقة بالتقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة بشأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، استنادًا إلى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ولا سيما القرارين 1820 و1960. ويستند هذا المطلب إلى توافر معلومات موثوقة ومؤشرات توثيقية على ارتكاب أنماط من العنف الجنسي في سياقات الاحتجاز والعمليات، بما يستوجب تفعيل ترتيبات الرصد والتحليل والإبلاغ الخاصة بالعنف الجنسي المرتبط بالنزاع، وضمان إدراج هذه الانتهاكات ضمن منظومة المتابعة الأممية بوصفها نمطًا قائمًا بذاته لا مجرد أثر تابع لانتهاكات أخرى.
وتنبع أهمية هذا الإجراء من سد فجوة تصنيف قائمة، إذ إن إدراج الجيش الإسرائيلي في آليات الأمم المتحدة السابقة ضمن إطار الأطفال والنزاع المسلح انصب على القتل والتشويه والهجمات على المرافق، دون أن ينعكس بصورة صريحة على العنف الجنسي كمعيار مستقل. وعليه، يتعين توسيع نطاق الإدراج ليشمل العنف الجنسي صراحة، بما يضمن إخضاع القوات الإسرائيلية لمتطلبات المتابعة والشفافية والتدابير الوقائية والتقييدية ذات الصلة، وتعزيز فرص المساءلة ومنع تكرار الانتهاكات.
وأخيرًا، طالب المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة، بحشد تمويل دولي عاجل لإنشاء برامج علاجية متكاملة للناجين والناجيات، طبية ونفسية واجتماعية، تُصمَّم وتُنفَّذ وفقًا للمعايير الدولية لتوثيق التعذيب وإعادة التأهيل، بما في ذلك بروتوكول إسطنبول، مع مراعاة الحساسية الجندرية والثقافية واحتياجات الفئات الأشد هشاشة. كما طالبه بإنشاء آليات دولية فعّالة لحماية الضحايا والشهود وذويهم من التهديد أو الانتقام، بما يشمل ترتيبات سرّية للاتصال والإحالة، وتدابير صارمة لحماية الهوية والبيانات؛ وذلك لضمان استمرار توثيق الشهادات ووصولها إلى مسارات المساءلة الدولية دون تعريض أصحابها لمخاطر إضافية قد تمس حياتهم أو سلامتهم الشخصية.
للاطلاع على التقرير كاملًا اضغط هنا
هذا المحتوى تقرير للأورومتوسطي يوثق شهادات اغتصاب وعنف جنسي في السجون الإسرائيلية ظهر أولاً في سواليف.





