تقرير: الحرب والجفاف والانهيار الاقتصادي تعمّق أزمة الأمن الغذائي في سوريا
دمشق
حذّرت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) من أن سياق الأمن الغذائي في سوريا لا يزال متأثراً بشكل عميق بتداعيات أكثر من عقد من الحرب، التي تسببت في أضرار واسعة بالبنية التحتية، وأدت إلى انهيار اقتصادي حاد، وفاقمت آثار الصدمات المناخية الزراعية المتكررة.
وأوضحت الشبكة في تقرير نشرته على موقعها الرسمي، أنه خلال الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2024، تسببت الحرب في نزوح ملايين السوريين، وتدمير البنية الزراعية، وتقييد الوصول إلى الأسواق، وإضعاف الخدمات العامة وقدرات الدولة، كما عطّلت قطاعات إنتاجية رئيسية، بينها الزراعة وإنتاج النفط والتجارة، ما جعل الاقتصاد هشاً وأدى إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر.
وأشار التقرير إلى أنه مع سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 وتشكيل حكومة انتقالية في آذار/ مارس 2025، دخلت البلاد مرحلة انتقالية تتسم بتعدد مراكز السلطة وتفكك الحوكمة، في وقت لا تزال فيه أعمال العنف المحلية مستمرة بمشاركة مجموعات مسلحة غير حكومية، ما يؤدي إلى موجات نزوح جديدة.
وبالتوازي مع ذلك، ساهمت موجات الجفاف المتكررة في تسريع تدهور سبل العيش الزراعية، حيث كان موسم الأمطار 2024/2025 من بين الأشد جفافاً منذ عقود، مع انخفاض الهطولات بأكثر من 50 بالمئة عن المعدل، الأمر الذي أدى إلى تراجع حاد في إنتاج الحبوب وتدهور المراعي في المناطق الرئيسية لزراعة القمح البعلية، وفق ما ذكرته شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة.
ولفتت إلى أن هذه العوامل مجتمعة تواصل تقويض النشاط الزراعي، وتعطيل حركة التجارة ووظائف الأسواق، وإضعاف دخل الأسر وقدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية في مختلف أنحاء البلاد.
وبيّنت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة أن النزوح لا يزال يشكل سمة أساسية في مشهد الأمن الغذائي في سوريا، فعلى الرغم من عودة نحو 1.4 مليون لاجئ و1.7 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم منذ ديسمبر 2024، لا يزال أكثر من 5.5 مليون شخص نازحين داخل البلاد، في حين يعيش نحو 4.6 مليون لاجئ سوري خارجها.
وتشمل هذه الأرقام نحو 170 ألف شخص في المناطق الساحلية بمحافظات حماة وحمص واللاذقية وطرطوس، وحوالي 155 ألفاً و200 نازح في السويداء، إضافة إلى ما يقارب 174 ألف شخص نزحوا حديثاً بسبب تجدد التصعيد السابق في شمال شرق سوريا.
وذكرت أن معظم النازحين يقيمون خارج المخيمات الرسمية، غالباً ضمن مجتمعات مضيفة تعاني من محدودية الوصول إلى الخدمات العامة الأساسية، وندرة فرص الدخل المستقر، وارتفاع أسعار الغذاء، ما يفاقم من هشاشتهم.
وأوضحت الشبكة أن أنماط سبل العيش تختلف باختلاف المناطق البيئية والاقتصادية في سوريا، إذ تعتمد الأسر الريفية بشكل رئيسي على إنتاج المحاصيل وتربية المواشي والعمل الزراعي الموسمي والتجارة البسيطة والتحويلات المالية والمساعدات الغذائية، بينما تعتمد الأسر في المدن على العمل المأجور والتجارة الصغيرة وفرص العمل المحدودة في القطاع الرسمي.
وأكدت أن الأسواق توفر الجزء الأكبر من الغذاء لكل من السكان في المدن والأرياف، ما يجعل القدرة الشرائية عاملاً حاسماً في الوصول إلى الغذاء، في ظل ارتفاع النفقات الأساسية الأخرى مثل الوقود والكهرباء والرعاية الصحية والسكن والنقل.
وأضافت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة أن الأضرار الناجمة عن النزاع في البنية التحتية، والقيود على الحركة بسبب انعدام الأمن، والجفاف، وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية، أدت إلى تقلص المساحات المزروعة وتراجع فرص العمل الزراعي في العديد من المناطق، كما أسهمت آثار النزاع والجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف في تقليص إنتاج الثروة الحيوانية، ما اضطر العديد من المربين إلى بيع مواشيهم أو الخروج من هذا النشاط بشكل كامل.
وفيما يتعلق بالوضع الاقتصادي، أكدت الشبكة أن اقتصاد سوريا لا يزال هشاً خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط النظام، فعلى الرغم من تسجيل بعض التحسنات المحدودة خلال عام 2025، مثل ارتفاع طفيف في التحويلات المالية وزيادات في رواتب القطاع العام وتراجع نسبي في تضخم أسعار الغذاء في بعض المناطق، فإن القدرة الشرائية للأسر لا تزال ضعيفة بسبب استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والسلع الأساسية.
وذكرت أن الرواتب الشهرية المتوسطة، التي تتراوح بين 75 و150 دولاراً، لا تزال قريبة من أو دون كلفة الحد الأدنى لسلة الإنفاق الضرورية للبقاء، في ظل الاعتماد الكبير على الواردات، والانخفاض السابق في قيمة العملة، وضعف الإنتاج المحلي، ما يبقي أسعار المواد الغذائية الأساسية عند مستويات مرتفعة.
كما لفتت إلى أن الزيادات الحادة في تكاليف الاتصالات والكهرباء، تفرض ضغوطاً إضافية على ميزانيات الأسر، في وقت تعيق فيه تكاليف الوقود المرتفعة، ومحدودية وسائل النقل، ونقص السيولة، وقلة فرص العمل، النشاط الاقتصادي وتوليد الدخل في معظم أنحاء البلاد، ما يجعل أي تحسن اقتصادي قائماً هشاً وغير متكافئ، خاصة في المناطق المتضررة من الجفاف أو التي تعاني من انعدام الأمن.
وفي ختام تقريرها، شددت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) على أن المساعدات الغذائية الإنسانية أصبحت عنصراً أساسياً في تأمين احتياجات الأسر، بعد سنوات من النزاع والنزوح وتدهور الأوضاع الاقتصادية، مشيرة إلى أن البرامج التي تنفذها المنظمات الإنسانية وشركاؤها المحليون لعبت دوراً مهماً في دعم الفئات الأشد ضعفاً، رغم أن حجم هذه المساعدات وتغطيتها واستمراريتها لا تزال متفاوتة بسبب القيود التشغيلية وتذبذب التمويل وصعوبات الوصول المرتبطة بواقع الحوكمة المجزأة في البلاد.
The post تقرير: الحرب والجفاف والانهيار الاقتصادي تعمّق أزمة الأمن الغذائي في سوريا appeared first on 963+.





