تقليص الدعم والتحول إلى اقتصاد السوق.. مخاوف وأسئلة حول البدائل في سوريا
تشهد سوريا في المرحلة الراهنة تحولات اقتصادية متسارعة، مع توجه الحكومة إلى توسيع الاعتماد على اقتصاد السوق الحر، ضمن سياسات تهدف إلى إعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية وتقليص دور الدولة المباشر في التسعير والدعم.
ويأتي هذا التوجه في وقت تمر فيه البلاد بظروف اقتصادية معقدة، تتسم بارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من السكان.
وتكشف مؤشرات اقتصادية وتصريحات رسمية إلى أن الحكومة تدرس خطوات تدريجية لإنهاء أو تقليص الدعم المقدم لبعض المواد الأساسية، في محاولة لمعالجة الاختلالات في المالية العامة، وتخفيف الأعباء عن الموازنة، إضافة إلى تشجيع الاستثمار وتحريك عجلة الإنتاج في القطاعات المختلفة.
غير أن هذه التحولات تثير في المقابل حالة من القلق لدى كثير من المواطنين، الذين يخشون من أن يؤدي تقليص الدعم إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة أصلاً، وتراجع مستويات الدخل لدى كثير من الأسر السورية.
ويبدو أن توجه الحكومة نحو تقليص الدعم لا يأتي بمعزل عن التحديات المالية التي تواجهها الدولة، إذ يشكل نظام الدعم التقليدي عبئاً كبيراً على الموازنة العامة، خاصة مع تراجع الموارد الاقتصادية خلال السنوات الماضية.
جهات تبحث عن بيئة عمل
يقول الدكتور كميل الساري، أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية في جامعة السوربون، إن معظم الجهات الدولية التي يمكن أن تموّل سوريا، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمؤسسات المالية العالمية، إضافة إلى المستثمرين الأوروبيين والأميركيين، تفضّل العمل في بيئة اقتصادية تقوم على اقتصاد السوق الحر.
ويضيف الساري في حديث لـ”963+”، أن هذه المؤسسات عادةً ما تشترط وجود سياسات اقتصادية تقوم على تقليص تدخل الدولة في السوق ورفع الدعم الحكومي الواسع عن الأسعار، بحيث تتحرك الأسواق وفق آليات الإنتاج والعرض والطلب وربحية الشركات، وأن هذا النموذج هو السائد في معظم الاقتصادات الحديثة التي تعتمد على اقتصاد السوق.
ويبيّن أن هذا التوجه يختلف عن النموذج الاقتصادي المركزي الذي كان سائداً في الاتحاد السوفيتي، حيث كانت الدولة تمتلك الشركات وتتحكم بالإنتاج وتحدد الأسعار والأجور، مؤكداً أن هذا النموذج لم يحقق نجاحاً على المدى الطويل، ليس فقط في الاتحاد السوفيتي، بل في عدد من الدول التي تبنّت الاقتصاد الموجّه.
وفي المقابل، يشدد الساري على ضرورة مراعاة القدرة الشرائية للمواطنين عند تنفيذ أي إصلاحات اقتصادية، موضحاً أن الانتقال إلى اقتصاد السوق يجب أن يرافقه مرحلة انتقالية مؤقتة تهدف إلى حماية الفئات الأكثر ضعفاً، كي لا يؤدي رفع الدعم إلى حرمان شرائح واسعة من المجتمع من القدرة على الاستهلاك.
كما يضيف أن الحكومة السورية تستطيع، في حال تنفيذ إصلاحات اقتصادية، الانتقال من الدعم العام إلى الدعم المباشر للفئات الفقيرة والهشة. ويوضح أن الدعم المباشر يضمن وصول المساعدات إلى المستحقين فعلاً، بدلاً من نظام الدعم الشامل الذي يستفيد منه الفقير والغني على حد سواء.
ويشير الساري إلى أن هذا النوع من السياسات أصبح معتمداً في العديد من الدول، حيث يتم توجيه الموارد الحكومية بشكل أكثر دقة نحو الفئات المحتاجة، بما يحقق قدراً أكبر من العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية في الوقت نفسه.
ضبابية شكل النظام الاقتصادي
يقول الدكتور عمار يوسف، الباحث والأكاديمي السوري في دمشق، إن سوريا تعيش حتى الآن حالة من الضبابية فيما يتعلق بطبيعة النظام الاقتصادي القائم في البلاد، في ظل غياب رؤية واضحة تحدد المسار الاقتصادي الذي تتجه إليه الحكومة خلال المرحلة الحالية.
ويضيف يوسف في حديث لـ”963+”، أن الفترة الأخيرة شهدت ظهور قرارات وخطط تتعلق بإنهاء الدعم الحكومي عن العديد من السلع والبضائع والمواد الاستهلاكية، مشيراً إلى أن إنهاء الدعم في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة يمثل عبئاً كبيراً على الفئات الفقيرة في سوريا، وقد يؤدي إلى نتائج قاسية على قدرتهم المعيشية.
ويلفت إلى أن عدم تحديد هوية واضحة للاقتصاد السوري يحمل تبعات سلبية متعددة تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، موضحاً أن هذا الغموض في السياسات الاقتصادية يخلق حالة من عدم الاستقرار ويزيد من صعوبة التكيف مع التغيرات الاقتصادية.
ويرى أن مجمل هذه العوامل تدفع الحكومة السورية عملياً نحو تبني سياسات أقرب إلى اقتصاد السوق الحر، لافتاً إلى أن المؤشرات الحالية توحي بأن الدولة تتجه تدريجياً إلى تقليص تدخلها في السوق ورفع الدعم الحكومي عن عدد من السلع.
ويضيف أن الحكومة السورية لا تبدو في الوقت الراهن مهتمة بشكل كافٍ بارتفاع الأسعار المتسارع، معتبراً أن الدعم الحكومي الذي كان يقدم في السنوات الماضية كان في كثير من الأحيان وهمياً أو محدود الأثر، ولم ينجح في تحقيق حماية حقيقية للمواطنين من موجات الغلاء.
ويشير يوسف إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن سوريا لا تملك حتى الآن خططاً اقتصادية بديلة واضحة بعد إنهاء الدعم الحكومي، موضحاً أن الاقتصاد يسير في الوقت الحالي ضمن حالة ضبابية ودون وجهة محددة يمكن أن تشكل إطاراً واضحاً للسياسات الاقتصادية المقبلة.
ويؤكد أن الفجوة بين الدخل والإنفاق الشهري للمواطنين باتت كبيرة للغاية، إذ يتقاضى الموظف السوري في المتوسط نحو مئة دولار شهرياً، في حين تحتاج العائلة الواحدة إلى أكثر من ألف دولار شهرياً لتأمين احتياجاتها الأساسية من الطعام والشراب فقط، وهو ما يعكس حجم الضغوط المعيشية التي يواجهها السوريون في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
The post تقليص الدعم والتحول إلى اقتصاد السوق.. مخاوف وأسئلة حول البدائل في سوريا appeared first on 963+.





