تحت الضوء
تحت الضوء
د. هاشم غرايبه
تعتبر قصة القنبلة النووية الباكستانية مثالا يحتذى في تحقيق الطموحات، لتخطي العقبات الجسام، اعتمادا على الإخلاص والمثابرة.
بعد تعرض الباكستان الى ضربة قاصمة عام 1971 ، اثر نجاح الهند بفصل الجزء الشرقي منها وتأسيس دولة مستقلة تحت مسمى بنغلادش، أصبحت تحت خطر داهم من الهند خاصة بعد الكشف عن امتلاكها السلاح النووي عام 74.
كان المهندس الباكستاني “عبد القدير خان” يعمل في هولندا في مشروع “يورانكو” الأوروبي، وكان يعيش حلم امتلاك بلاده للسلاح النووي لردع التهديد الهندي، تمكن من الوصول الى المخططات اللازمة لتصنيع القنبلة واستنساخها، ولأنه يعلم مدى حرص الغرب على حرمان العالم الإسلامي من الحصول على التقنيات التي تمكنه من التقدم والاستقلال عن هيمنته، فقد كان يعمل بصمت وبدقة كي لا يثير الريبة، حتى تمكن من تجميع كافة المعلومات اللازمة وأهمها تقنية تخصيب اليورانيوم.
المعروف أن الوقود المستخدم في القنبلة النووية هو اليورانيوم (235 U) والذي يتواجد في الطبيعة في معظم الأقطار، لكنه يكون مخلوطا مع اليورانيوم 238 بشكل صخور سوداء، ونسبته لا تزيد عن سبعة أعشار بالمئة، بينما نسبة اليورانيوم 238 تبلغ 99.3%، واستخلاص هذه النسبة الضئيلة عملية معقدة وطويلة وتسمى التخصيب، وتحتاج الى أجهزة متقدمة كثيرة.
تبدأ عملية التخصيب بسحق الصخور المحتوية على اليورانيوم، وغسلها بالماء ثم بحامض الكبريتيك، لتنتج ما يسمى بالكعكة الصفراء، التي تطحن ثم تسخن على درجات عالية لتتحول الى غاز من العنصرين معا، وأكثر الطرق استعمالا لفصلهما هي أجهزة الطرد المركزي، وهي عدد كبير من الاسطوانات التي تدور بسرعة هائلة تبلغ من 6 – 10 آلاف دورة بالدقيقة، واعتمادا على ان وزن جزيئات ال U238 أثقل، فتتجمع في الجزء الخارجي من الأسطوانة الدوارة، بينما يمرر الغاز المتجمع في الوسط الذي تزداد نسبة U235 شيئا فشيئا كلما مر في اسطوانة دوارة تالية، وعند الوصول الى النسبة المطلوبة وهي 5% ان كان الغرض مفاعلا نوويا للأغراض السلمية، أما ان كان لصنع القنبلة فالتخصيب يجب أن لا يقل عن 90%، عندها يخلط الغاز المستخلص مع الكالسيوم ليتحول الى مادة صلبة.
عاد “عبد القدير” الى بلاده بعدما استكمل جمع المعلومات وزيادة عليها عناوين سلاسل الموردين، لأنه كان يعلم استحالة قدرات بلاده تصنيع تلك الأجهزة، واستحالة استيرادها بسبب الرقابة اللصيقة المفروضة على البلدان الاسلامية.
عرض الفكرة على رئيس الوزراء آنذاك “ذو الفقار علي بوتو”، والذي لم يكن يقل حماسة عنه، لكن العائق كان التمويل العالي الكلفة وكيفية تهريب تلك المعدات، تولى بوتو اقناع السعودية بتمويل المشروع، والتي وافقت كونه يحقق طموح القنبلة الاسلامية، وأما التهريب فقد تولته المخابرات الباكستانية القديرة عبر سلسلة طويلة من عمليات النقل المموهة تحت ستار بضائع منوعة، وكان أهمها ما نقل عبر ميناء الكويت تحت ستار مصنع اسمنت، وتمت كل تلك العمليات باجراءات بالغة التعقيد والسرية، وبغفلة عن أعين ال CIA والموساد المتيقظة.
رغم أن المخابرات الأمريكية اكتشفت الأمر عام 1979 إلا أن رعاية الله شاءت أن يتم المشروع، ففي هذا العام احتل الروس أفغاستان، ولأن باكستان تملك تأثيرا هاما على المجاهدين الأفغان، فرأت أمريكا أن غض الطرف عن المشروع النووي مقابل انخراط باكستان في مهمة اخراج الروس من غير أن تتكلف شيئا صفقة مربحة، خاصة وأنها تخلصت بعدها من بوتو ومن طموحاته الاسلامية بترتيب انقلاب ضياء الحق، والذي هو في طوع يدها.
نجح المشروع بكسر التهديد المرعب الذي كانت تشكله الاسلحة النووية الهندية، وبعدها تحول خان الى مستثمر، فباع السر النووي الى كوريا الشمالية مقابل تزويد بلاده بتقنيات الصواريخ الباليستية، كما باعه الى ايران والى ليبيا، لكن عيون أمريكا رصدت السفينة التي كانت تحمل معدات الطرد المركزي المصنعة في ماليزيا، فصادرت محتوياتها ووضعت القذافي أمام خيار صعب، وخوفا أن يلقى المصير الذي لاقاه صدام حسين رضخ وقبل التخلي عن المشروع النووي.
وخوفا من توسع المشروع الى دول اسلامية أخرى هددت أمريكا برويز مشرف، فوجد أن التضحية بالبطل القومي “خان” أهون من التضحية ببلاده، فأعلن “خان” مسؤوليته شخصيا عن شبكات التهريب، ليتلقى الرصاصات بصدرة عن بلاده، وليحكم بالإقامة الجبرية بقية حياته.





