تحليل: استهداف الطاقة في الصراع الإيراني–الإسرائيلي.. مخاطر تتجاوز ساحة المعركة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
القائمة الرئيسية الأخبار الخليج العالم تقارير وتحليلات رياضة ثقافة وفن تكنولوجيا منوعات إتصل بنا تقارير وتحليلات تحليل: استهداف الطاقة في الصراع الإيراني–الإسرائيلي.. مخاطر تتجاوز ساحة المعركة مشاركة يمن فيوتشر - ذا جيروزاليم بوست - بوني سابير- ترجمة خاصة الأحد, 03 مايو, 2026 - 06:24 مساءً يراقب الإسرائيليون عن كثب مسار الحملة العسكرية ضد إيران: أيّ القادة جرى اغتيالهم، وحجم الأضرار التي أُلحقت، وإلى متى تستطيع إيران مواصلة إطلاق صواريخها. غير أنّ هناك جبهة أخرى في هذه الحرب — أكثر هدوءًا وأقلّ ظهورًا، لكنها قد تكون أشدّ خطورة بكثير. إنها حرب البنية التحتية للطاقة. في الأشهر الأخيرة، استهدفت إسرائيل منشآت إيرانية رئيسية للوقود والغاز. وفي المقابل، كرّرت إيران استهداف مصافي التكرير الإسرائيلية في حيفا. وليس هذا من قبيل الصدفة، بل هو مؤشر على بروز نمط جديد آخذ في التصاعد: تحويل أنظمة الطاقة إلى أهداف رئيسية في الحروب الحديثة. وينطوي هذا التحوّل على تداعيات تتجاوز بكثير المكاسب العسكرية المباشرة، وقد تكون إسرائيل أكثر عرضة للمخاطر مما يبدو عليه الوضع. •دوّامة خطيرة من الردّ بالمثل إنّ استهداف البنية التحتية للطاقة يخلق حافزًا قويًا للردّ بالمثل. فهذه المنشآت، بخلاف غيرها من الأصول العسكرية، تجمع بين الأهمية الحيوية والهشاشة في آنٍ واحد، كما أنّها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحياة المدنية. وقد أظهرت إيران بالفعل استعدادها للردّ بشكل مماثل؛ إذ أعقبت الضربات الإسرائيلية لمنشآت الغاز والوقود هجماتٌ على مصافي التكرير وغيرها من أصول الطاقة. ويهدّد هذا النمط القائم على تبادل الضربات بإدخال الطرفين في حلقة تصعيد يصعب احتواؤها. وبالنسبة لإسرائيل، فإنّ التداعيات خطيرة؛ إذ إنّ منظومة الطاقة لديها — بما في ذلك منصات الغاز البحرية، ومحطات توليد الكهرباء، ومصافي التكرير — تُشكّل مجموعة مركّزة نسبيًا من الأهداف عالية القيمة. ومن شأن حملة متواصلة ضد هذه الأصول أن تعطل إمدادات الكهرباء، والقطاع الصناعي، والحياة اليومية. أما الافتراض بإمكانية إدارة هذا التصعيد بدقة، فقد يتبيّن أنه مفرط في التفاؤل. •ما الذي تعلّمنا إيّاه التجارب التاريخية؟ ليست المخاطر المطروحة نظرية فحسب، بل تؤكدها سوابق الصراعات؛ فالتاريخ يقدّم تحذيرات واضحة في هذا الشأن. خلال حرب الخليج عام 1991، أقدمت القوات العراقية على إشعال مئات آبار النفط في الكويت، ما أسفر عن كارثة بيئية استمرت لأشهر: تلوّث هائل في الهواء، وآثار صحية واسعة النطاق، وأضرار بيئية طويلة الأمد. كما أدّت التسربات النفطية إلى تدمير النظم البيئية البحرية، فيما امتد الدخان السام عبر المنطقة وخارجها. وفي عام 2006، تسبّبت غارة جوية إسرائيلية على محطة كهرباء في لبنان بحدوث تسرّب نفطي كبير في البحر الأبيض المتوسط، لوّث أكثر من 100 كيلومتر من السواحل، واستمرت تداعياته البيئية والاقتصادية لسنوات. ومؤخرًا، في أوكرانيا، أدّت الهجمات الروسية على البنية التحتية للطاقة إلى تلوّث واسع النطاق، وإلحاق أضرار بمنظومات المياه، فضلًا عن مساهمتها بشكل كبير في زيادة الانبعاثات الكربونية. والنمط واضح ومتكرر: ما إن تُستهدف أنظمة الطاقة، حتى يمتد الضرر عبر الحدود ويستمر طويلًا بعد انتهاء القتال. •ما بعد ساحة المعركة: تداعيات ممنهجة ما يجعل الوضع الراهن مثيرًا للقلق على نحو خاص هو الدور المحوري الذي تؤديه منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد. فالاضطرابات في هذه المنطقة لا تبقى محصورة محليًا، بل تمتد آثارها عبر أنظمة مترابطة لتصل إلى نطاق أوسع. وتُعدّ المياه من أبرز مصادر القلق المباشر؛ إذ تعتمد العديد من دول الخليج على تحلية المياه، وهي عملية تتطلب طاقة ومياه بحر نظيفة. ومن شأن تضرر إمدادات الغاز أو تلوّث النفط أن يعطّل هذه المنشآت، ما يخلق خطر حدوث نقص حاد في المياه. أما الغذاء، فهو مجال آخر يتأثر سريعًا؛ فالغاز الطبيعي عنصر أساسي في إنتاج الأسمدة، وأي اضطراب في إمداداته — لا سيما في محيط مضيق هرمز — يمكن أن ينعكس بسرعة في ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا. وقد تكون الفئات الأكثر هشاشة أول من يتأثر، غير أنّ التداعيات لن تلبث أن تمتد لتشمل نطاقًا واسعًا. كما أنّ أنظمة الكهرباء معرّضة للخطر؛ ففي إيران، يعتمد معظم توليد الطاقة على الغاز الطبيعي. وأيّ ضرر يلحق بهذه البنية التحتية يهدّد عمل المستشفيات، وأنظمة التبريد، وحفظ الأغذية — وهي خدمات أساسية يعتمد عليها ملايين الناس. وهذه ليست آثارًا ثانوية، بل تمسّ صميم كيفية عمل المجتمعات الحديثة. وعلى الرغم من التركيز الاستراتيجي على الأهداف العسكرية، فإنّ التداعيات البيئية والإنسانية لهذه الهجمات تحظى باهتمام أقل بكثير. فاستهداف منشآت الوقود وإحراقها يطلق كميات كبيرة من الملوّثات، ما يؤثر مباشرة في السكان المدنيين؛ إذ تتدهور جودة الهواء، وتتلوث مصادر المياه، وتتزايد المخاطر الصحية على المدى الطويل. وفي إيران، يخلق ذلك مفارقة لافتة؛ إذ إنّ الضربات التي تُلحق أضرارًا بالبنية التحتية للطاقة تصيب المواطنين العاديين بالدرجة الأولى. فالتلوث الشديد واضطراب الحياة اليومية قد يدفعان السكان إلى مغادرة المناطق المتضررة، لكن من غير المرجح أن يترجما إلى تغيير سياسي. بل على العكس، قد تُسهم مثل هذه الظروف في تعزيز قبضة النظام، عبر زيادة الاعتماد عليه وتقليص القدرة على تنظيم معارضة فعّالة. •مخاطر استراتيجية على إسرائيل لا تقتصر الصورة على الأبعاد البيئية والإنسانية فحسب، بل تبرز أيضًا مخاطر استراتيجية واضحة. فقد وسّعت إيران بالفعل نطاق أهدافها، وقد يشمل أيّ تصعيد إضافي استهداف مسارات الطاقة الإقليمية والبنية التحتية الحيوية لإمدادات إسرائيل. ومن الأمثلة على ذلك شبكة خطوط الأنابيب التي تستورد عبرها إسرائيل حصة كبيرة من نفطها؛ إذ إنّ أي تعطّل في هذه المسارات ستكون له تداعيات اقتصادية فورية. إضافة إلى ذلك، فإنّ الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية تنعكس مباشرة في ارتفاع تكاليف النقل والكهرباء والسلع الأساسية، وهو ما يرتدّ في نهاية المطاف على الاقتصاد الإسرائيلي. وبعبارة أخرى، فإنّ كلفة هذه الاستراتيجية لا تنحصر في ساحة المعركة، بل تمتد على نحو منظومي، وقد بدأت آثارها بالظهور بالفعل. إذا كان الهدف من استهداف قطاع الطاقة الإيراني هو إضعاف النظام، فإن المعطيات تشير إلى أن الأثر قد يكون محدودًا، في حين أن المخاطر المترتبة على ذلك كبيرة. وفي المقابل، قد يكون النهج الأكثر فاعلية هو التركيز على تعزيز قدرة إسرائيل على الصمود بدلًا من توسيع نطاق الأهداف. ويُعدّ التعاون الإقليمي في مجال الطاقة أحد هذه المسارات؛ إذ إنّ ربط شبكات الكهرباء عبر الحدود مع الدول المجاورة يمكن أن يعزز الاستقرار، ويخفض التكاليف، ويوفر دعمًا احتياطيًا في أوقات الاضطراب. وتشير التطورات في المنطقة إلى أن عددًا من الدول يتحرك بالفعل في هذا الاتجاه. وبالنسبة لإسرائيل، فإن دمج الشبكات مع الأردن ومصر لأغراض الدعم الاحتياطي في مرحلة أولى، ثم لاحقًا إنشاء سوق كهرباء مشتركة، إلى جانب الخطط القائمة للربط مع أوروبا عبر قبرص، من شأنه أن يعزز أمن الطاقة ويقلل من قابلية التعرض للهجمات. إنه خيار بمستوى الأمن القومي، ولا يقل عن ذلك. يمثل استهداف البنية التحتية للطاقة تحولًا مهمًا في الصراع مع إيران؛ فهو يضيف مستوى من المخاطر أكثر اتساعًا وتعقيدًا، وأصعب ضبطًا من المواجهات العسكرية التقليدية. والمكاسب التكتيكية قصيرة الأمد يجب أن تُوازن بدقة مع التداعيات طويلة الأمد. فأنظمة الطاقة ليست مجرد أصول استراتيجية، بل هي الأساس الذي تقوم عليه الحياة الحديثة. وعندما تتعرض للاضطراب، تمتد آثار ذلك لتشمل الاقتصادات والمجتمعات والحدود على حد سواء. ومن الحكمة أن تنظر إسرائيل ليس فقط إلى ما يمكن تحقيقه عبر هذه الضربات، بل أيضًا إلى ما قد تُطلقه من تداعيات متسلسلة في المستقبل.




