ذكريات تهريب الكتب من المنامة وبيروت
قبل عشرين عامًا أو أكثر قليلًا، كنتُ في أواخر العشرينيات من عمري، وكنتُ حينها في ذروة انكبابي على القراءة في الكتب الخارجة عن دائرة التبعية والوصاية والتلقين، حالي كحال الكثيرين من أبناء جيلي، الذين شبّوا عن الطوق فكسروا قيود الانقياد الأعمى. كان عطشي شديدًا حينها لقراءة ما لا يسمح لنا بقراءته داخل المملكة، فكل ممنوع مرغوب كما يقال، خاصة أني عشتُ فترات مراهقتي وبدايات شبابي طالبًا في جامعة الإمام الإسلامية، وطالبًا قبل ذلك في معهد إمام الدعوة بالرياض، وبالتالي كنت أسير بلا وعي سليم أو كامل مع "ثقافة القطيع" زمنًا طويلًا، فلا أقرأ إلا ما يمليه علينا أو يختاره لنا الأساتذة وغيرهم من البارزين والأوصياء على الفكر. لم يكن الإنترنت موجودًا، ولم تكن في السعودية مكتبات توفر ما نريده من الكتب الجريئة والقوية ذائعة الصيت، سواء الكتب المترجمة في "الفلسفة" وغيرها، أو التي ألّفها كتّاب ومفكرون وأدباء عرب لا يسمح بدخول نتاجهم إلينا، وهذا ما اضطرني إلى البحث عن الكتب التي أريدها في مكتبات خارجية، من أبرزها مكتبات في البحرين القريبة منا نسبيًا، ووجدتُ بعض ضالتي في المنامة في أكثر من مكتبة، منها مكتبة شهيرة أعتقد أن اسمها مكتبة الأيام، وأظنها موجودة حتى اليوم، ومكتبة أخرى نسيتها، بالإضافة إلى تاجر كتب تعرّفنا عليه، كان يوفّر ويبيع عددًا كبيرًا من الكتب النادرة بشكل شخصي، ويوصلها للمشتري بسيارته. وأذكر أني اشتريتُ من البحرين مجموعة من الكتب، وكان برفقتي أحد الأصدقاء، فقرّرنا وضْعَ تلك الكتب تحت المرتبة الخلفية للسيارة، وهذا ما تطلب منا تخطيطًا ومجهودًا، حيث قمنا بفك مسامير المرتبة ورفعها، ثم وضعنا الكتب، المغلفة بإحكام، تحتها، وسرنا بها، وتجاوزنا الجمارك والجوازات ودخلنا السعودية ووصلنا الرياض، وأخذ كلُّ واحد منا نصيبه من الكتب التي اختارها واشتراها. ثم تطوّر الأمر لاحقًا، حين رغبتُ في شراء كتب لم أجدها في البحرين، فسافرتُ إلى بيروت لهدفين، السياحة من جهة، وشراء مجموعة من الكتب، التي أذكر أنها كانت تزيد على ثلاثين كتابًا، ولكني حين قرّرت الرجوع إلى الرياض قلقتُ وشعرتُ ببعض الرهبة، فإدخال الكتب عبر المطار قد لا يكون بنفس سهولة إدخالها عبر المنفذ البرّي الذي يربط السعودية بالبحرين. وبعد تفكير طويل قرّرت التوجه بكتبي إلى الإمارات أولًا جوًا، وفعلًا وصلتُ إلى دبي ومعي حقيبة خاصة بتلك الكتب، بالإضافة إلى حقيبة ملابسي وأغراضي الشخصية، ثم حجزتُ تذكرة سفر بالباص من دبي إلى الرياض عبر إحدى شركات النقل البري، ووضعتُ الحقيبتين، حقيبتي الشخصية وحقيبة الكتب، في المكان المخصّص لأمتعة الركاب الموجود في الجهة السفلية من الباص. ركبتُ وانطلق الباص إلى السعودية، وكنتُ قلقًا، ولكني قلتُ في نفسي: إذا وصلتُ الحدود وشعرتُ أن الوضع غير مستقر سأترك حقيبة الكتب وكأنها لا تعنيني، وأخرج بحقيبتي الشخصية فقط. وحين وصلنا الجمارك السعودية في منفذ البطحاء، سارتْ الأمور بشكل جيد حيث طلب منا رجال الجمارك النزول، وطلبوا من كل راكب أن يسحب حقائبه ويضعها جواره، فقمتُ بسحب حقيبتي الشخصية فقط وتركتُ حقيبة الكتب تواجه مصيرها، فقام السائق بسحبها وإخراجها مع بقية الحقائب التي لم يخرجها أصحابها، لوجود بعض العائلات وكبار السن وأصحاب الظروف، الذين يبدو أن السائق اعتاد على مساعدتهم في إنزال حقائبهم ووضعها أمام رجال الجمارك. لم يكن التفتيش دقيقًا ولا شديدًا، إلا لحقائب بعض الركاب لأسباب معينة، وسارتْ الأمورُ على ما يرام، وانتهى التفتيش، فقام الركاب بإعادة الحقائب إلى مكانها المخصص، وقمتُ معهم بإعادة حقيبتي الشخصية فقط، وعيني على الحقيبة الأخرى التي تحمل الكتب، وشعرت باطمئنان حين رأيتُ معاونَ السائق يعيدها إلى المقصورة الخاصة بالأمتعة. وكم كانت فرحتي كبيرة حين وصلتُ إلى منزلي في الرياض ومعي حقيبة الكتب، التي أصبحتْ مصدرًا ثقافيًا ومعرفيًا للكثير من الأصدقاء، فمنهم من يقرأ منها عندي، ومنهم من يستعير منها كتبًا بين فينة وأخرى ويعيدها، ثم يستعيرها غيره، ومنهم، وهم الأكثر، من يأخذ الكتاب الذي يريد ويصوّره في مراكز التصوير تصويرًا جيدًا ويغلّفه تغليفًا مناسبًا ويعيد لي الأصل. والحقيقة أن لقراءة تلك الكتب المُهرّبة في ذلك الزمن لذة عظيمة، لا يمكن وصفها، ولن يستوعب كلامي وشعوري جيدًا إلا من عاش محبًا للمعرفة الحرّة في تلك الحقبة تحديدًا، التي بلغتْ فيها الوصاية أعلى درجاتها في السعودية، فقد كان سقف الحرية منخفضًا جدًا، ولذلك كانت المتعتان النفسية والعقلية في الذروة، ونحن نقرأ في الرياض كتبًا لم يكن من المسموح دخولها أو تداولها. ومن الذكريات السعيدة المرتبطة بهذا الموضوع أيضًا، أننا كنا نعقد بعض الجلسات الفكرية والثقافية الخاصة الرائعة، أنا ومجموعة من الرفاق، نتدارس كتابًا، أو كتبًا، في كل جلسة، ونتباحث ونتناقش حول محتوياته، ككتب بعض الفلاسفة والمفكرين والأدباء، الذين كان مجرد ذكر أسمائهم في مجالس مجتمعنا قد يتسبب للمرء بالكثير من المتاعب والإشكالات. وهذا ما وسّع مداركنا، وجعلنا أكثر موضوعية وحيادية واستنارة عند التعامل مع المسائل والقضايا المعرفية والثقافية المختلفة، فقد تجاوزنا، في نظري، العديد من أقراننا في ذلك الزمن الجميل، أعني الذين كانوا لا يفكّرون إلا داخل الصندوق، ولا يغرّدون إلا داخل سرب ذلك المجتمع، الذي بلغ في ذلك العصر درجة عالية من الانغلاق والدوغمائية، والعنجهية الثقافية. ورحم الله علي الوردي، ما أجمل تعبيره الذي يلحُّ عليّ هنا، أعني قوله: "إن الذي لا يفارق بيئته التي نشأ فيها، ولا يقرأ غير الكتب التي تدعم قناعاته الموروثة، فلا ننتظر منه أن يكون منصفًا ولا محايدًا في الحكم على الأمور". ولا شك أن الذي يقرأ مقالتي هذه، ثم يتأمل في واقعنا اليوم، سيدرك حجم التغيّر الجميل الحاصل، فسقف الحرية ارتفع كثيرًا، والمكتبات ومعارض الكتب في السعودية أصبحتْ توفر الكثيرَ من الكتب التي لم يكن من الوارد مجرد التفكير في إمكانية توفرها في ذلك الزمن القديم، بالإضافة إلى هذا الانفتاح الرقمي أو الإنترنتي، الذي جعل بإمكان أيّ إنسان الحصول على نسخ إلكترونية من كتب كثيرة يستطيع تحميلها بضغطة زر، ويقرأ ما شاء منها وهو جالس أمام حاسوبه أو جهازه الذكي. إن هذه النعمة العظيمة يجب أن يستشعرها الجميع، خاصة صغار السن من الباحثين والمثقفين وطلاب المعرفة اليوم، الذين أصبحوا قادرين على الوصول إلى أيِّ معلومة بسهولة بالغة، بل وتلخيص كتب كاملة وأخذ زبدتها في دقائق عن طريق الذكاء الاصطناعي وغيره، وبالتالي: من المفترض أن يكون ذلك دافعًا لهم لمزيد من الإنجاز والإبداع والتميّز. فقد كان الكثيرُ من علماء وباحثي وأدباء ومثقفي ومفكري الأجيال السابقة القديمة، يعانون من ندرة المعلومات وصعوبة الوصول إليها، ومع ذلك حققوا الكثير من الإنجازات والإبداعات، ولا شك، بناء على ذلك، أن المثقف والباحث وطالب العلم والمفكّر والأديب وغيرهم اليوم، مطالبون، من باب أولى، بالوصول إلى منازل أرفع في إنجازاتهم وإبداعاتهم وتميزهم، في ظل هذا التوفّر الكبير للمعلومات وتنوّع مصادرها، فالحصول على المعلومة قديمًا كان يتطلب أحيانًا السفر والترحال، أو البحث الشاق، على الأقل، في المخطوطات والكتب النادرة أو غير المتاحة أحيانًا، أو الوصول إلى علماء ومفكرين وأساتذة في أماكنهم للتلقي المباشر منهم، كما حصل معي شخصيًا، بعكس واقعنا اليوم والحمد لله، الذي أصبحتْ فيه محركاتُ البحث والمكتبات الرقمية وقواعد البيانات العالمية، وغيرها، متاحة للجميع، بأقلِّ تكلفة، وبلا أيّ جهد يذكر. مع ضرورة الانتباه في الختام، من باب الموضوعية، إلى أن التحدّي الأبرز في عصرنا هذا في نظري، هو كثرة المعلومات وانتشارها الهائل وتنوع مصادرها، مما يتطلب جهدًا وأمانة وجدية لغربلتها وفلترتها وبلورتها، والتحقق من صحتها من جهة، والحرص على الآليات والطرق والمنهجيات والوسائل التي تضمن للإنسان عدم التشتت والضياع بينها من جهة أخرى.المصدر: إيلاف | Source: إيلاف
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة إيلاف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by إيلاف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.



