... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
312953 مقال 217 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6175 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

تحديد الأولويات الاستراتيجيَّة

العالم
وكالة الأنباء العراقية - واع
2026/05/04 - 09:27 501 مشاهدة

د. سعد البخاتي

إن مباشرة السلطة التنفيذية لاختصاصاتها في ظل أحكام الدستور لسنة 2005 تقتضي من الناحية القانونية البحتة، الالتزام بمبدأ سمو الدستور المنصوص عليه في المادة (13/أولاً)، بوصفه القاعدة القانونية الأعلى والملزمة لكافة السلطات، وبما يفرض إخضاع جميع القرارات والإجراءات الحكومية لمعيار المشروعية الدستورية. وعليه، فإن أولى الأولويات الاستراتيجية التي يتعين على رئيس الوزراء المكلف اعتمادها تتمثل في إعادة تنظيم آليات اختيار أعضاء مجلس الوزراء وشاغلي المناصب العليا وفق ضوابط قانونية موضوعية تستند إلى قواعد الكفاءة والتخصص والتدرج الوظيفي.

ذلك أن مبدأ المساواة أمام القانون، المقرر بموجب المادة (14) من الدستور، ومبدأ تكافؤ الفرص المنصوص عليه في المادة (16)، يشكلان أساساً قانونياً ملزماً يمنع اعتماد أي معيار تمييزي في إشغال الوظيفة العامة، بما في ذلك الاعتبارات السياسية أو الحزبية أو الطائفية، لما ينطوي عليه ذلك من إخلال جسيم بمبدأ الحياد الوظيفي وانحراف بالسلطة التقديرية عن غاياتها المشروعة. كما أن القواعد العامة في القانون الإداري تقضي بأن التعيين في الوظائف العامة يجب أن يقوم على مبدأ الجدارة (Merit System)، بوصفه تطبيقاً لمبدأ المشروعية وضمانة لحسن سير المرافق العامة بانتظام واطراد.

ومن ثم، فإن اعتماد نهج المحاصصة السياسية في تشكيل الكابينة الوزارية أو شغل الدرجات الخاصة يُعد، من الوجهة القانونية، خروجاً على مقتضيات الوظيفة العامة بوصفها خدمة وطنية ذات طبيعة قانونية تنظيمية، وليس امتيازاً سياسياً، الأمر الذي يستوجب استبعاده واستبداله بمعايير قانونية منضبطة قائمة على الكفاءة المهنية والشهادة العليا والخبرة التخصصية، وبما ينسجم مع أحكام المادة (78) من الدستور التي أناطت برئيس مجلس الوزراء مهمة الإدارة التنفيذية العليا للدولة، وما يترتب عليها من مسؤولية قانونية مباشرة في حسن اختيار الفريق الحكومي.

أما في ما يتعلق باستعادة ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها، فإن ذلك يُعد التزاماً دستورياً ذا طبيعة مزدوجة (سياسية وقانونية)، يرتبط بمبدأ سيادة القانون المنصوص عليه في المادة (5) من الدستور، والذي يقرر أن الشعب مصدر السلطات وشرعيتها، بما يفرض على الحكومة ممارسة صلاحياتها في إطار الإرادة الشعبية ومقتضيات الشرعية الدستورية. ولا يتحقق ذلك إلا من خلال تكريس مبدأ الشفافية في إدارة الشأن العام، وتفعيل أدوات الرقابة والمساءلة وفقاً للقانون.

وفي هذا السياق، فإن حماية المال العام، باعتباره أحد المقومات الأساسية للدولة، تخضع لحكم المادة (27) من الدستور التي أوجبت صيانته وإدارته بما يحقق أعلى منفعة للشعب، وهو ما يستلزم قانوناً اعتماد سياسات مالية وإدارية رشيدة قائمة على الكفاءة والنزاهة، ومكافحة الفساد الإداري والمالي بوصفه جريمة تمس النظام العام وتُقوّض أسس الشرعية. كما أن مبدأ خضوع الإدارة للقانون يقتضي تفعيل دور الأجهزة الرقابية المستقلة، وتمكينها من ممارسة اختصاصاتها دون تدخل، انسجاماً مع القواعد العامة في ضمان استقلال الهيئات ذات الطبيعة الرقابية.

وعلى صعيد الحقوق والحريات، فإن الدستور قد كفل للمواطن العراقي جملة من الحقوق الأساسية التي تترتب في ذمة الدولة كالتزامات قانونية واجبة التنفيذ، إذ نصت المادة (30) على ضمان العيش الكريم وتوفير الضمان الاجتماعي، وأقرت المادة (31) الحق في الرعاية الصحية، فيما أكدت المادة (34) الحق في التعليم. وهذه النصوص الدستورية تُعد قواعد آمرة تُلزم السلطة التنفيذية بوضع سياسات عامة وبرامج حكومية كفيلة بتحقيق هذه الحقوق بصورة فعلية، وبما ينسجم مع مبدأ دولة القانون.

وعليه، فإن إعادة بناء الثقة العامة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال ترجمة هذه الالتزامات الدستورية إلى إجراءات تنفيذية ملموسة، قائمة على التخطيط الاستراتيجي السليم، وتحديد الأولويات وفقاً لمعيار المصلحة العامة، واعتماد مبدأ الثواب والعقاب في الوظيفة العامة استناداً إلى القواعد القانونية المنظمة للخدمة المدنية. كما يتطلب ذلك تفعيل الرقابة القضائية على أعمال الإدارة، بوصفها ضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات ومنع التعسف في استعمال السلطة.

وفي الختام، فإن نجاح السلطة التنفيذية في أداء مهامها الدستورية مرهون بمدى التزامها بمبدأ المشروعية وسيادة القانون، واعتمادها نهج الإدارة الرشيدة القائمة على الكفاءة والشفافية والمساءلة، بعيداً عن الاعتبارات غير القانونية. وبذلك فقط يمكن تحقيق الاستقرار المؤسسي، وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، وضمان احترام الدستور بوصفه الإطار الناظم لكافة السلطات العامة.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤