ذاكرة الأشياء الصغيرة: كيف اختصرت 'حقيبة النزوح' والراديو يوميات الحرب اللبنانية؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
تُختصر الحروب في أدبيات السياسة والمؤرخين بلغة المجازر والمعارك وأسماء القادة والأسلحة، لكنها في ذاكرة الشعوب تتخذ شكلاً آخر أكثر التصاقاً بالتفاصيل اليومية. بالنسبة للبنانيين الذين عاصروا الحرب الأهلية، لم تكن الحرب مجرد تواريخ، بل كانت إعادة ترتيب قسرية للمنازل والخطط والمقتنيات التي تحولت إلى أدوات للنجاة. فرضت سنوات الاقتتال الطويلة التي امتدت لخمسة عشر عاماً نمطاً معيشياً يعتمد على 'ألف باء' الاستعداد للهرب في أي لحظة. أصبحت الشموع والمفاتيح المعلقة خلف الأبواب وراديو الجيب قطعاً لا غنى عنها، حيث وُضعت دائماً في متناول اليد تحسباً لأي طارئ أمني قد يفرض النزوح المفاجئ. شملت قائمة أدوات البقاء عناصر حيوية مثل غالونات الماء، وبطاقات الهوية، والبطانيات، وحقائب النزوح المجهزة مسبقاً. كما لم تخلُ هذه الاستعدادات من عبوات الدواء الضرورية، وبعض الأطعمة الموضبة على عجل، وما أمكن حمله من لعب الأطفال لتخفيف وطأة الرعب عن الصغار. بعد مرور عقود على تلك الحقبة التي خلفت أكثر من 150 ألف قتيل، لا تزال هذه الأدوات ترتبط في الذاكرة الجماعية بمحاولات النجاة المستميتة. إنها ذاكرة ملموسة تستعيد زمناً كاملاً بالصوت والصورة والأحاسيس، وتجسد الرغبة الفطرية في التكيف والاستمرار رغم الموت المحيط. كان الراديو يمثل صلة الوصل الوحيدة مع العالم الخارجي في عتمة الملاجئ والبيوت الموصدة، في زمن لم يعرف الهواتف الذكية أو الرسائل الفورية. عبر موجات الأثير، كانت المحطات الإذاعية تطلع السكان على أخبار الجبهات المشتعلة، وتحدد لهم الطرق السالكة أو تلك التي تتربص بها القناصة. رسم المذياع ملامح اليوم اللبناني خلال الحرب، فكان سماع نشرات الأخبار جزءاً أصيلاً من ضروريات النجاة والتحرك. ورغم تراجع استخدامه اليوم، إلا أن صوته لا يزال يبعث في نفوس الكثيرين ذكريات الماضي، كونه كان النافذة التي تنبئ بدنو هدنة أو اقتراب خطر داهم. في ظل انقطاع التيار الكهربائي المستمر، كانت الشموع هي التي تمنح السكان الحد الأدنى من الحياة داخل الملاجئ المظلمة. لولا تلك الإضاءة البسيطة، لما تمكنت العائلات من رؤية وجوه بعضها أو تناول الطعام، ولما استطاعت الأمهات تهدئة روع أطفالهن خلال ليالي القصف الطويلة. الحرب أعادت ترتيب المنازل اللبنانية، فحددت وجهة استخدام الغرف وما يستوجب اقتناؤه ومكان الاحتفاظ به قرب الأبواب وفي أدراج المط...





